الحصار التجاري الإماراتي قد يغلق الممر الاقتصادي الحيوي لإيران.. فما السبب؟

أعلنت الإمارات العربية المتحدة، الأربعاء، فرض حظر تجاري شامل على إيران لأجل غير مسمى، متهمة القوات الإيرانية بإطلاق صاروخين باليستيين باتجاه أراضيها. ونفت إيران إطلاق أي صواريخ، ووصفت الأنباء بأنها “عملية براية كاذبة” من إسرائيل والولايات المتحدة.

ويرى محللون أن هذا الحظر له وزن كبير، لأن إيران تعتمد بشكل أساسي على جارتها الخليجية في توفير واردات حيوية والوصول إلى الأسواق المالية. وقال الجنرال الأمريكي المتقاعد مارك كيميت، الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية سابقاً، للجزيرة: “من نواحٍ كثيرة، حظر الإمارات أكثر أهمية من حظر الولايات المتحدة”، في إشارة إلى العقوبات الأمريكية والحصار البحري الذي تفرضه واشنطن على الموانئ الإيرانية.

وجاءت التطورات بعد أيام من انتهاء مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو/حزيران، دون أمل يذكر في تجديدها.

ما الذي أعلنته الإمارات؟

قالت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان: “تم وقف جميع التبادلات التجارية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر”. وأضافت أن القرار جاء “في ضوء تصعيدات تهدد السلام والأمن في المنطقة”.

وقبل ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن دفاعاتها الجوية رصدت صاروخين باليستيين قالت إن إيران أطلقتهما، سقط أحدهما في المياه الإقليمية الإماراتية والآخر خارجها. وفي بيان لاحق، قالت الوزارة إن الصاروخين كانا “يستهدفان حركة الملاحة البحرية”، وتوعدت بمواجهة حازمة لأي محاولة لزعزعة أمن البلاد أو الملاحة البحرية في المنطقة.

لكن وزارة الخارجية الإيرانية رفضت الاتهام ووصفته بأنه “لا أساس له”، وقال المتحدث باسمها إسماعيل بقائي إن الحادثة قد تكون “عملية براية كاذبة” في ظل الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

هل سبق أن هاجمت إيران الإمارات؟

خلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، التي بدأت بضربات أمريكية إسرائيلية على طهران أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في 28 فبراير/شباط، ردت إيران بهجمات بالمسيرات والصواريخ على أصول عسكرية أمريكية وبنى تحتية للطاقة في عدة دول خليجية مجاورة. لكن الإمارات كانت الأكثر تعرضاً لتلك الهجمات.

يقرأ  تفاقم المواجهة الأوروبية حول السلع الإسرائيليةانتشار متسارع لحركات المقاطعة — أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

فقد أطلقت إيران أكثر من 530 صاروخاً باليستياً و26 صاروخ كروز وأكثر من 2200 مسيرة باتجاه أهداف داخل الإمارات، وقالت إنها أصول أمريكية هناك. وتقول الإمارات إن مواقع مدنية أصيبت أيضاً، إما مباشرة أو بفعل حطام صواريخ اعترضتها منظومتا “ثاد” و”باتريوت” الأمريكيتان.

في 1 مارس/آذار، أصيب ميناء جبل علي في دبي، وهو أكبر ميناء صناعي ذي مياه عميقة في العالم، بعد يوم واحد من بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وفي اليوم التالي، اندلع حريق في محطة مصفح للوقود جنوب غرب أبوظبي إثر هجوم بمسيرة. كما اندلع حريق في ميناء الفجيرة على الساحل الشرقي للبلاد بسبب حطام سقط بعد اعتراض مسيرة.

وفي 17 مارس/آذار، توقف تحميل النفط في ميناء الفجيرة جزئياً بعد هجوم بمسيرة إيرانية أشعل حريقاً في محطة التصدير، فيما ظلت عمليات حقل الشاه للغاز معلقة بعد هجوم سابق. وتقع الفجيرة خارج مضيق هرمز مباشرة، وتُعد منفذاً لتصدير أكثر من مليون برميل يومياً من خام مربان التابع لشركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك”.

ومن الأهداف المهمة أيضاً محطة براكة للطاقة النووية، حيث اندلع حريق قربها بعد هجوم بمسيرة في 18 مايو/أيار.

وبشكل عام، أسفرت الهجمات الإيرانية عن مقتل 15 شخصاً في الإمارات، بينهم عسكريان ومتعاقد مدني واحد و12 مدنياً آخر، وإصابة 246 شخصاً.

أما الهجوم الصاروخي الأخير فهو الأول على الإمارات منذ مايو/أيار، وجاء بعد أيام من اتهام أبوظبي لإيران باستهداف سفينتين تابعتين لأدنوك في مضيق هرمز. ونفت إيران ضلوعها في ذلك الهجوم.

كم حجم التجارة بين الإمارات وإيران؟

بحسب أحدث بيانات “مرصد التعقيد الاقتصادي”، بلغ حجم التبادل التجاري الرسمي بين البلدين نحو 6.2 مليارات دولار في العام 2023. وبلغت صادرات الإمارات إلى إيران حوالي 5.8 مليارات دولار، في حين بلغت وارداتها من إيران نحو 450 مليون دولار.

يقرأ  السيناتور مارك كيلي يقاضي بيت هيغسِث بعد محاولة تخفيض منصبه

في تلك السنة، استوردت إيران هواتف بقيمة 2.81 مليار دولار من الإمارات، بالإضافة إلى أجهزة كمبيوتر وتبغ ومكسرات. وفي المقابل، صدّرت إيران إلى الإمارات مكسرات وفواكه وبهارات وقشريات وأحجار بناء.

وفي مايو/أيار 2024، استضافت أبوظبي أول اجتماع للجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين، حيث اتفقا على تعزيز التعاون في النقل واللوجستيات والزراعة والطاقة المتجددة والسياحة.

لكن بعيداً عن التجارة الرسمية، ظلت الإمارات لسنوات قناة تجارية غير رسمية لإيران، تتيح لها الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الدولية. فعندما توقف المصدرون الغربيون عن بيع المنتجات لإيران مباشرة، كان التجار في دبي يشترون البضائع الاستهلاكية والمعدات الصناعية والمواد الغذائية ويعيدون تصديرها إليها.

وإيران من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات، إذ تخضع لعقوبات أمريكية منذ عقود. وأدت هذه العقوبات إلى تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 8000 دولار في 2012 إلى 5000 دولار في 2024.

وفي الأسبوع الماضي، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن بلاده تعتزم تكثيف الضغط الاقتصادي على إيران، جزئياً من خلال الحصار البحري الأمريكي المستمر على الموانئ الإيرانية، مضيفاً أنها ستطبق إجراءات “لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزل الاقتصادي لدولة”، دون أن يذكر تفاصيل.

هل حظر الإمارات مؤثر فعلاً؟

قال مارك كيميت للجزيرة إن حظر الإمارات التجاري قد يضر إيران أكثر من أي عقوبات أمريكية حتى الآن. وأشار إلى أن دبي أصبحت بهدوء الشريك التجاري الأهم لطهران، متجاوزة الصين وتركيا، وتوفر نحو ثلث واردات إيران السنوية.

وكانت الإمارات قد علقت الشحن المباشر بين البلدين في أوائل مارس/آذار، بعد أيام من اندلاع الحرب، ولم تستأنف التجارة إلا في أواخر يونيو/حزيران عبر ميناء جبل علي في دبي.

وميناء جبل علي، الواقع في الطرف الشمالي من دبي، هو أكبر ميناء صناعي ذي مياه عميقة في العالم، ويستقبل بضائع من شبه القارة الهندية وأفريقيا وآسيا. وتديره شركة “دي بي ورلد” التي تتخذ من دبي مقراً، ويضم أربع محطات حاويات واسعة يمكنها استقبال أضخم السفن في العالم. والميناء ليس مجرد مركز شحن عالمي حيوي، بل هو شريان أساسي لدبي والإمارات المجاورة، ومنفذ رئيسي للواردات الأساسية. كما كان لسنوات مركزاً مهماً تمر عبره تجارة إيران مع العالم عبر الإمارات، لكنه تعرض أيضاً لصواريخ إيرانية في وقت مبكر من الحرب.

يقرأ  فيضانات وانهيارات طينية تقتل 7 أشخاص وتجبر سريلانكا على إغلاق مدارسها

وفي يوليو/تموز، بعد استئناف الولايات المتحدة ضرباتها على إيران رغم وجود مذكرة التفاهم، وقع انفجار في الميناء وأدى إلى اندلاع حريق.

وقال كيميت: “لا أعتقد أن أحداً يستطيع المبالغة في أهمية هذه التجارة، المالية منها والسلعية، بين دبي وإيران، ولا التقليل من شأنها”. وأضاف أن هذا الاعتماد أعمق من مجرد بضائع على السفن، لأن دبي بوصفها مركزاً مالياً عالمياً ظلت توفر لإيران وسيلة غير رسمية لتحويل الأموال وتجاوز العقوبات الدولية، وهو طريق اعتمدت عليه طهران لسنوات.

وأكد كيميت أن خطوة الإمارات كبيرة لدرجة أن طهران قد تعتبرها “شبه عمل حرب”، شبهها بالحظر شبه الكامل الذي فرضته الولايات المتحدة على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

أضف تعليق