الشرّاع يحاصر قوات سوريا الديمقراطية وتبقى واشنطن الرابح الأكبر — الأكراد

استُؤنِفت المواجهات أخيراً بين الجيش السوري وقوات سورية الديمقراطية (قسد) — المجموعة الكردية التي كانت تسيطر على مساحات واسعة في شمال شرق البلاد — وانتهت بتوسع ملحوظ لسيطرة الحكومة، لا سيما في مناطق ذات أغلبية عربية. واشنطن، التي ظلت لفترة طويلة الراعي الرئيس لقسد، توسطت من أجل وقف إطلاق النار لكنها مالَت إلى دمشق بقولها إن الوقت قد حان لدمج قسد في الدولة السورية الجديدة. هذا الانقلاب الدبلوماسي ليس مفاجئاً تماماً، بل هو نتيجة تراكم تحولات سياسية، خصوصاً بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024.

كان دعم الولايات المتحدة لقسد دائماً مثار قلق واستدعى تردّدات استراتيجية، وما كان محتوماً إلا الانكفاء عنه في نهاية المطاف. خلال عملي على ملف سوريا في وزارة الخارجية، حذرتُ مع عدد من المسؤولين إدارة أوباما من أن تأييد قسد يمثل خطأً استراتيجياً من شأنه إطالة أمد الصراع وتعميق الانقسامات الطائفية.

الأجدى — وإن كان أصعب — كان معالجة الأسباب الجوهرية التي أفسحت المجال لظهور تنظيم الدولة الإسلامية: قمع نظام الأسد لشعبه وسياسات التمييز الطائفي التي انتهجها رئيس وزراء العراق آنذاك نوري المالكي. بدلاً من ذلك، راهنت واشنطن على سياسات هزت تماسك سوريا وعبثت بعلاقتها مع تركيا الحليفة الحيوية في حلف الناتو.

هيمنة عناصر موالية لحزب العمال الكردستاني (PKK) داخل بنية قسد، وانخراطها المباشر في قتال مع أنقرة، جعلا من قسد شريكاً مشكوكاً بالنسبة لتركيا ولأطراف معارضة سورية عديدة، فضلاً عن انقسامات داخل الفصائل الكردية في سوريا والعراق. كنا نرى بوضوح أن النتيجة الطبيعية لأي صراع منتصر ستكون إعادة إدماج القوات المحلية ضمن بنية الدولة التي تقودها السلطة الفائزة.

ومع ذلك، اختارت واشنطن إشراك قسد في المواجهة مع تنظيم الدولة، متجاهلة إلى حدّ كبير جرائم النظام بحق المدنيين. والآن، يبدو أن نتيجة مفيدة لواشنطن تتشكل، رغم أن دورها في خلق المأزق كان بارزاً أصلاً.

يقرأ  محكمة فرنسية تحكم بالسجن ٣٠ عاماًعلى زعيم متمرّد سابق من جمهورية الكونغو الديمقراطية

أولاً، السيناريو الأسوأ — انتقام المعارضة المنتصرة من المدنيين الأكراد — لم يتحقق. على العكس، بذلت الحكومة جهوداً واضحة لطمأنة الاكراد بأنها ستحميهم، وفاتحت ممرات إنسانية للمتضررين من القتال.

ثانياً، أصدر الرئيس أحمد الشراء في 16 يناير قراراً منح بموجبه الجنسية لعدد من الكرد واعتبر اللغة الكردية لغة وطنية إلى جانب العربية. جاء توقيت هذا القرار ليقوض المطالبة المركزية لقسد بأنها الوحيدة القادرة على حماية حقوق الأكراد وحرياتهم. كما التزمت القوات العسكرية والأمنية السورية بدرجة كبيرة بعدم تكرار الأخطاء التي شهدناها سابقاً على الساحل وفي منطقة السويداء، حيث وقعت أعمال عنف بحق أقليات.

ثالثاً، أبان الجيش السوري عن قدرة تشغيلية معتبرة في هزيمة قوة دربتها وجهزتها الولايات المتحدة، وصنعت لنفسها سمعة الشريك المتماسك القادر على مواجهة تنظيمات متطرفة. إن انتصار الشراء سيشكل رسالة قوية لواشنطن بأنه بات لديها شريك عسكري راغب وفعّال في دمشق، ما يفتح أمامها خيارات استراتيجية جديدة فيما تُعيد تقييم وجودها العسكري في شمال شرق سوريا.

كما استعاد النظام سيطرة على حقول نفط وغاز حيوية في الشمال الشرقي، وهو ما سيعجّل بالتعافي الاقتصادي لسوريا ويقلّص اعتمادها على الدعم المالي الأمريكي. هذه الحقول، التي تُنتج أكثر من ثمانين بالمئة من نفط وغاز البلاد، ستصبح محط اهتمام المستثمرين الأجانب؛ وقد تشارك شركات طاقة أمريكية بعضها، بينما تسعى الحكومة أيضاً لتنويع شركاء الاستثمار عبر اتفاقات مع دول متعددة.

طبعاً، المشهد لا يزال متقلباً وقد تتغير المعطيات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. بعد مكاسبها السريعة، سيكون من الحكمة لدمشق السعي إلى تسوية تفاوضية مع قسد فيما تتراجع الأخيرة إلى مناطق ذات أغلبية كردية. واستمرار القتال سيكلف ثمناً إنسانياً وسمعة دولية باهظين.

في 18 يناير أعلن الشراء وقف إطلاق نار بوساطة أمريكية تضمن دمج مؤسسات قسد في الهياكل الحكومية المركزية، لكن المحادثات التي تلت ذلك اصطدمت بمسألة دمج الوحدات العسكرية لقسد، ولم تُحسم على الفور. على الطرفين التركيز الآن على تنفيذ اتفاق 18 يناير بدل الانزلاق إلى مواجهة شاملة. الشراء يملك اليد العليا، لكنه يستطيع أن يبرهن على حكمته السياسية بإظهار التزامه بحل سلمي، داخلياً وخارجياً.

يقرأ  إسرائيل تستدعي ٦٠ ألفًا من قوات الاحتياط مع اقتراب الاستيلاء على مدينة غزة

أما قيادة قسد فخياراتها تضيق بفعل خسائرها الميدانية والضغط الأمريكي المستمر نحو الاندماج. ومن الصعب لكنها لحظة حاسمة: يمكن للهدنة الحالية أن تمثل فرصة لتأمين ترتيبات إدارية خاصة في مدن ومناطق ذات أغلبية كردية، تسمح للمقاتلين المحليين بالاستمرار في خدمة مجتمعاتهم أثناء إدماجهم تدريجياً في الأجهزة الأمنية الوطنية.

هذه التحولات الكبرى تعكس قراءة الشراء الدقيقة لمصالح واشنطن الاستراتيجية وقدرته على التحرك تبعاً لذلك. فقد فضّلت الولايات المتحدة لعقود سوريا موحدة ومستقرة لا تشكل تهديداً لجيرانها، ومن ثم سلّمت بفظائع النظام طالما أن تلك الظروف العامة كانت محفوظة. اليوم، ومع تراجع قدرة سوريا على زعزعة الاستقرار الإقليمي، يتمحور قلق إدارة ترامب حول ما إذا كانت القيادة الجديدة قادرة على إعادة توحيد البلاد مع الحفاظ على النظام. وتُوحي مناورات الشراء الأخيرة بأنه قد خطا خطوة حاسمة نحو الإجابة على هذا السؤال.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف شبكة الجزيرة التحريري.

أضف تعليق