طهران — «المبدأ الأساسي هو عدم الثقة تجاه أمريكا» هكذا لخص النائب المخضرم عباس مقتدائي المشهد في مقابلة مع التلفزيون الرسمي بعد ظهر الثلاثاء.
عاد وفد إيراني برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى طهران قادماً من الدوحة، في ظل محاولات لصياغة تفاهم مع الولايات المتحدة قد يضع حداً لحرب تقترب من ثلاثة أشهر على البلاد. قبل ذلك بساعات اتهمت وزارة الخارجية الأمريكية بارتكاب «انتهاك صارخ» لهدنة هشَّة أُبرمت في 8 أبريل بعدما شُنّت ضربات ليلية على محافظة هرمزغان، مؤكدة أن تلك الغارات برهنت على «الشك العميق» الذي تكنّه طهران تجاه واشنطن.
أعلن الحرس الثوري الإيراني أن القوات الإيرانية ردّت وأسقطت طائرة مسيّرة أمريكية من طراز RQ‑4 باستخدام منظومة دفاع جوية محلية الصنع باسم «آرشِ کمانگیر»، فيما عرض التلفزيون الرسمي لقطات لحطام الطائرة. بدورها قالت القوات الأمريكية إنها استهدفت مواقع لإطلاق صواريخ وزوارق إيرانية كانت تحاول زرع ألغام بحرية في إطار «تحرك دفاعي»، لكن قادة الحرس أكدوا لهم الحق في الرد.
أبلغَت شركة بريطانية للاستخبارات البحرية عن انفجار خارجي وتسريب نفطي على ناقلة تبعد نحو 60 ميلاً بحرياً (حوالي 111 كيلومتراً) شرق مسقط؛ ولم تصدر السلطات iran تعليقاً على الحادث.
يتزامن التصعيد مع محاولات الطرفين حسم تفاصيل مذكرة تفاهم قد تسهّل عودة حركة العبور عبر مضيق هرمز، الذي جمدت حركة المرور عبره إلى حدّ كبير منذ موجة الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير. وتنص المسودة أيضاً على منح طهران إمكانية الوصول إلى بعض أموالها المجمدة في الخارج نتيجة للعقوبات الأمريكية، وفتح مسار تفاوضي مستقبلي حول البرنامج النووي.
قالت نيكول غرايفسكي، أستاذة مساعدة في مركز البحوث الدولية بـSciences Po، إن كثيرين في القيادة الإيرانية يخشون أن تمنح الصفقة «فترة تهدئة تشغيلية» أو إمكانية وصول استخباراتي أو ستستخدم كغطاء سياسي يمهّد لهجوم واسع جديد من قِبَل واشنطن وتل أبيب. وأضافت أن طهران تحتاج، من أجل تسويق الصفقة داخلياً، إلى تقديمها كآلية استقرار مُدارة تحافظ على خطوط حمراء سيادية جوهرية لا تُنتزع بالاستسلام.
«وهذا يعني على الأرجح الحفاظ على شكل من قدرات التخصيب لفترة مؤقتة، وعدم التخلي الفوري عن المخزون، وضمان تخفيف عقوبات فعّال وملموس، والحفاظ، على الأقل رسمياً، على هياكل ردع إقليمية» قالت غرايفسكي لقناة الجزيرة.
التفاوض مع العدو خسارة صافية
من السياسيين المعتدلين نسبياً في الحكومة إلى الفصائل الأكثر تشدداً عسكرياً وأمنياً، اتفق الجميع على أن الجمهورية الإسلامية لن تقبل صفقة تُعدّ «استسلاماً». قال الرئيس مسعود پزشکیان للتلفزيون الرسمي في وقت سابق من الأسبوع إنه يريد طمأنة المجتمع الدولي «أننا لا نبتغي السلاح النووي ولا نرغب في زعزعة أمن المنطقة».
في المقابل، أعاد قائد الطيران الفضائي المؤثر في الحرس، مجيد موسوي، تغريدة على منصة إكس مستشهداً بكلام المرشد السابق علي خامنئي: «كما قال إمامنا الشهيد، التفاوض مع العدو خسارة صافية». وأضاف أنه سيطيع أوامر القائد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، الذي أكد في رسالة بمناسبة عيد الأضحى أن «شعوب وأراضي المنطقة لن تكون بعد اليوم درعاً لقاعدات أمريكية»، وتوقع أن إسرائيل لن تكون موجودة خلال خمسة عشر عاماً كما نبّه والده الراحل.
ظهر علي عبد اللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي وواحد من قادة الحرب، للمرة الأولى علناً يوم الإثنين داعياً القوات الإيرانية إلى جعل «هزيمة العدو» أولوية. وفي أول رسالة رسمية له كأمين للمجلس الأعلى للأمن القومي، تعهّد محمد باقر ذوالقدر، الذي يعدّ أيضاً ضابطاً كبيراً في الحرس، «بعدم التراجع». كما أعلن قائد الحرس أحمد وحيدي جاهزيته لاستئناف المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة إذا لزم الأمر.
يرى أليكس فاتانكا، باحث أول في معهد الشرق الأوسط، أن صانعي القرار في طهران لا يقلقون فقط من «صفقة سيئة» بل أيضاً من اتفاق يُجردهم من أوراق ضغط أساسية في نزاعات مستقبلية. «المتشددون يشعرون بالقلق بشكل خاص من أي نقاش يتعلق بهرمز، أو بتوقيت تسلسل رفع العقوبات، أو بتنازلات نووية لأنهم يعتبرون أن أدوات الضغط القسري، لا سيما الضغط البحري، هي أهم ورقة تفاوض ما بعد الحرب لإيران»، قال فاتانكا للجزيرة، موضحاً أن النقاش الداخلي تحول من «هل نتفاوض؟» إلى «ما الذي سنقدمه تحديداً؟».
وأضاف أن نجاح أي صفقة يتوقف على إقناع القيادة الإيرانية بأن تخفيف العقوبات سيكون ملموساً وسريعاً، وأنها ستحتفظ بدرجة من آليات الردع والهيبة الرمزية لتفادي الظهور كمهزوم، وأن الاتفاق سيمنع اندلاع حرب جديدة. ومع ذلك، اعتبر فاتانكا أن المسودة الناشئة «لا تبدو كمعاهدة سلام تاريخية بقدر ما تشبه آلية لإدارة وقف إطلاق النار تهدف إلى كسب الوقت، وتقليل مخاطر الحرب الفورية، وإعادة فتح أجزاء من هرمز، وتأجيل أصعب أسئلة النووي إلى جولات لاحقة»، مما يعني أن الشك وعدم اليقين سيستمر.
القلق من الاغتيال
زعم محلّلون مرتبطون بالإعلام الرسمي أن مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى سيكونون عرضة للاغتيال إذا تجددت العمليات العسكرية. قال نِما أكبرخاني، محلل مقرب من الحرس، للتلفزيون الرسمي: «إذا تمكنت الولايات المتحدة في أي وقت أثناء مفاوضات الاتفاق من الوصول إلى قائدنا الأعلى فستضرب دون أي اعتبار لمصالحها الأخرى أو لوساطات مثل باكستان وقطر».
وادعى علي صمدزاده، محلل آخر مرتبط بالدولة، أن الاتفاق الناشئ قد يكون فخاً لإخراج القيادات. حسب تقارير وسائل الإعلام الأمريكية، المرشد علي خامنئي، الذي لم يظهر أو يُسمع منه سوى رسائل مكتوبة منذ اندلاع الحرب، مختفٍ في موقع آمن غير معلن لا يملك الوصول إليه حتى كثير من المسؤولين الحكوميين، وقد أعاقت هذه الحالة سير المفاوضات.
قالت غرايفسكي إن القضية الجوهرية في الأيام المقبلة ستكون تأمين الموافقة الداخلية؛ فالمتشددون سيعاينون أي تنازلات تقدم إلى الولايات المتحدة بدقة، حتى لو كانت جزءاً من مذكرة إدارة أزمة تؤجل قضايا أكثر تعقيداً إلى وقت لاحق. «النتيجة الواقعية على المدى القريب على الأرجح هي ترتيب مؤقت وغير مستقر بدلاً من تسوية شاملة»، لافتة إلى أن ما إذا كانت هذه التسوية ستتحول إلى شيء أكثر دواما يعتمد بالكامل تقريباً على ما إذا كانت المفاوضات النووية اللاحقة ستنتج آليات ملموسة يمكن للطرفين العيش معها.