الصين تُروّج لنفسها كشريكٍ موثوق فيما يدفع ترامب حلفاءَ الولايات المتحدة إلى الابتعاد

الصين تُقدّم نفسها كشريك تجاري ثابت وموثوق، خصوصاً لدول كانت حليفة تقليدية للولايات المتحدة ولِلّذين تباعدوا عنها بسبب سياسات الرئيس دونالد ترامب؛ وبعض هذه الدول يبدو مستعداً لإعادة ضبط علاقاته.

منذ مطلع 2026 استقبل الرئيس شي جينبينغ في بكين زعماء منهم: الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، ورئيس وزراء كندا مارك كارني، ورئيس وزراء فنلندا بيتيري أوربو، وزعيم أيرلندا ميشيل مارتن. هذا الأسبوع يقوم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بزيارة تستغرق ثلاثة أيام إلى بكين، ومن المتوقع أن يقوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأول زيارة رسمية له إلى الصين أواخر فبراير.

خمسة من هؤلاء الزائرين حلفاء بموجب معاهدات مع الولايات المتحدة، وقد تكبّدوا في العام الماضي آثار سياسات ترامب التجارية الانتقامية وفرض رسوم إضافية على صادرات رئيسية مثل الصلب والألومنيوم والسيارات وقطع غيارها.

أدى تهديد ترامب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم إضافية على ثماني دول أوروبية هذا الشهر —بينها بريطانيا وفنلندا— إلى مواجهة داخل حلف الناتو قبل أن يتراجع عن بعض هذه التهديدات لاحقاً.

عرض الصين المتجدد

طالما سعت الصين إلى تقديم نفسها بديلاً قابلاً للحياة للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، لكن خطابها اكتسب زخماً متجدداً خلال قمة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الشهر. بينما كان ترامب يروّج لفكرة أن الولايات المتحدة أصبحت «الأكثر حرارة» اقتصادياً بسبب تدفّق الاستثمارات وإيرادات الرسوم، ركز نائب رئيس مجلس الدولة الصيني لي هيفنغ في كلمته على دعم بلاده المتواصل للتعددية التجارية والتجارة الحرة.

قال لي إن العولمة الاقتصادية ليست بلا مشكلات، لكن «لا يمكننا رفضها تماماً والانسحاب إلى عزلة مفروضة على أنفسنا»، مضيفاً أن النهج الصحيح يكمن في «إيجاد الحلول سويّاً عبر الحوار». وانتقد أيضاً «الإجراءات الأحادية والاتفاقيات التجارية لبعض الدول»، في إشارة واضحة إلى حرب التجارة التي شنّها ترامب، باعتبارها انتهاكاً لمبادئ منظمة التجارة العالمية وللنظام الاقتصادي والتجاري العالمي.

يقرأ  الحرب الروسية الأوكرانية: قائمة الأحداث الرئيسية — اليوم رقم ١٬٣٥٨ — آخر الأخبار

وأضاف لي أن «لكل دولة الحق في الدفاع عن حقوقها ومصالحها المشروعة»، وهو تعبير يمكن تفسيره على أنه يشمل مطالب الصين بشأن تايوان بقدر ما يشمل سيادة الدنمارك على غرينلاند.

وفي تقييم لتحركات بكين، قال بيورن كابيلين من المركز السويدي للصين لقناة الجزيرة إن بكين اختارت تصوير نفسها كلاعب دولي مستقر ومسؤول وسط الاضطراب الناجم عن سياسات الولايات المتحدة، مؤكداً أن تجديد تأييدها لمنظومة الأمم المتحدة وللقواعد الدولية كافٍ غالباً لتعزيز مكانتها، لا سيما لدى دول الجنوب العالمي.

الغرب يستمع

أشار جون غونغ، أستاذ الاقتصاد في جامعة الأعمال والاقتصاد الدولية ببكين، إلى أن سلسلة زيارات القادة الأوروبيين إلى الصين تُظهر أن الشمال العالمي يستمع أيضاً. ومن دلائل ذلك موافقة لندن على إنشاء «سفارة كبرى» صينية في لندن وتقدم في نزاع تجاري طويل حول صادرات الصين من السيارات الكهربائية إلى أوروبا.

من المتوقع أيضاً أن يسعى ستارمر هذا الأسبوع إلى إبرام مزيد من اتفاقيات التجارة والاستثمار مع بكين، بحسب وسائل الإعلام البريطانية.

قال غونغ إن «سلسلة الأحداث في أوروبا توحي بتعديل في سياسة أوروبا تجاه الصين — ولصالح الانفتاح أكثر — في مقابل ما يأتي من واشنطن»، مشيراً إلى أن الحسابات الدبلوماسية تتبدّل.

ومن الواضح أيضاً أن كندا أعادت التفكير في تعميق روابطها الاقتصادية مع الصين بعد سنوات من التوتر مع إدارة ترامب. زيارة كارني إلى بكين هي الأولى لرئيس وزراء كندي منذ زيارة جاستن ترودو في 2017، وخرجت بفحوى اتفاق يقضي بتخفيف بكين للرسوم عن صادرات زراعية كندية مقابل تخفيف أوتاوا بعض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية. نفى ترامب هذه الخطوة وهدد بفرض رسوم تجارية بنسبة 100 بالمئة على كندا إذا مضت تلك الصفقة قدماً، وهاجم كارني واصفاً إياه في منشور على منصته بأنّه «مخطئ بشدّة» إن ظن أن كندا ستكون «مرفأ تفريغ» لبضائع تدخل إلى الولايات المتحدة عبرها.

يقرأ  زلزال هائل بقوة ٧٫٤ قبالة سواحل الفلبين — ماذا نعرف حتى الآن؟ أخبار التسونامي

وقد ساهم لقاء كارني مع شي في تليين العلاقات المتجمدة بعد توقيف كندا لمديرة تنفيذية في شركة هواوي عام 2018 بناء على طلب الولايات المتحدة، وما تبع ذلك من توقيف مواطنين كنديين في الصين اعتُبر انتقامياً، قبل أن يُفرج عنهما في 2021 بعد اتفاق مؤجل مع المدعية العامة في نيويورك. في دافوس وصف كارني ما يجري بأنه «شرخ في النظام العالمي» في إشارة واضحة إلى سياسات ترامب، وقال لاحقاً أمام مجلس العموم الكندي إن «الواقع في الولايات المتحدة لم يعد طبيعياً كما كان».

ورغم مطالبة كارني بضرورة تنويع أوتاوا صفقاتها التجارية بعيداً عن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة، فإنه لم تُعلن بعد خطط ملموسة لاتفاق تجارة حرة مع الصين.

ملء الفراغ

حذّر هانسكم سميث، الدبلوماسي الأمريكي السابق والزميل في كلية جاكسون للشؤون الدولية بجامعة ييل، من أن جاذبية بكين قد تقابلها محددات أخرى. قال إن «تحول الولايات المتحدة إلى نهج معاملاتية يخلق فراغاً، وليس واضحاً إلى أي مدى ستتمكن الصين أو روسيا أو أي قوى أخرى من ملء ذلك الفراغ»، مضيفاً أن المسألة ليست بالضرورة لعبة محصلتها صفراً. «كثير من الدول تسعى إلى إقامة علاقات طيبة مع كلٍ من الولايات المتحده والصين، ولا ترغب في الانحياز إلى طرف على حساب الآخر.»

ومع أن الصين تقدم تعاملات تجارية أكثر موثوقية، إلا أن مصدر قلق صارخ بشأنها هو فائضها التجاري العالمي الهائل، الذي ارتفع إلى 1.2 تريليون دولار العام الماضي.

جاء كثير من هذا الفائض نتيجة تداعيات حرب التعريفات التي شنّها ترامب؛ إذ وسّع مصنّعو الصين — الذين واجهوا موجة من الرسوم الجمركية من الولايات المتحدة وتراجعاً في الطلب المحلي — سلاسل التوريد إلى دول مثل جنوب شرق آسيا وفتحوا أسواقاً جديدة خارج الولايات المتحدة.

يقرأ  معرض سبايك لي «من الأعلى إلى الأدنى» يضم أعمالًا من مجموعته الخاصة

أثار الفائض التجاري القياسي للصين قلق بعض القادة الأوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، الذي دعا في دافوس إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الصين، لكنه استثنى «الطاقات الفائضة الهائلة والممارسات المشوّهة» التي تظهر على شكل إغراق تصديري.

وحاول لي معالجة هذه المخاوف مباشرة في خطابه في دافوس. قال: «نحن لا نبتغي فائضاً تجارياً؛ وإلى جانب كوننا مصنع العالم، نأمل أن نكون سوق العالم أيضاً. غير أن في كثير من الحالات، حين ترغب الصين في الشراء، لا يرغب الآخرون في البيع. غالباً ما تتحول القضايا التجارية إلى عقبات أمنية.»

أضف تعليق