العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على الإنسانية وإيران

نحن نشهد حربًا على الانسانية. قد تبدو هذه العبارة مبالغًا فيها لدى بعض القراء، لكنها وصف دقيق لما يجري: ليست سلسلة حوادث متفرقة أو أزمات عابرة، بل هجوم منسق وقائم على القوة الغاشمة يستهدف الأنظمة الدولية التي تحافظ على حدّ أدنى من كرامة وبقاء البشر. الهدف ليس مجرد ممارسة مبدأ “القوة هي الحق” بشكل صامت، بل إعلان هذا المبدأ بكبرياء.

لا يمكن فهم هذه اللحظة دون الإقرار بأن فلسطين — كمكان وكقضية مقاومة — تحولت إلى مركز هذا الهجوم.

رغم أن الهدنة في أكتوبر منحت أهالٍ في غزة بعض الراحة من القصف اليومي والضربات الجوية والطائرات المسيّرة ونيران القناصة، فإن العنف القاتل لم يتوقف عن النزول على الفلسطينيين من السماء. وبانتهاك واضح للاتفاق، تستمر السلطات الإسرائيلية في تضييق إدخال المساعدات والطعام إلى القطاع إلى مستويات خطيرة.

قام الجيش الإسرائيلي بتقسيم غزة فعليًا عبر ما يسمّى بالخط الأصفر الممتد من الشمال إلى الجنوب، مقطعًا أكثر من خمسين في المئة من أراضي غزة قبل ما يسميه المحتّل “الإبادة”. هذا الخط، المزمع أن يكون مؤقتًا، يعمل عمليًا كأداة لإعادة تركيب ديموغرافي دائمة.

هذا العنف اليومي ليس حادثًا عرضيًا في ظلّ ما بعد الهدنة؛ بل هو بنيوي فيها. لذلك من الضروري تحديد طبيعة هذا الترتيب: إنه مرحلة جديدة من الإبادة الجماعية — مرحلة تسمح للاحتلال بالتحوّل بينما تمنح دولًا ثالثة هامشًا لتقديم رواية تقدم مزعومة، في حين تظل حقيقة الحال للفلسطينيين في غزة على حالها، بلا تغيير جوهري.

لا ريب أن هذه اللحظة تمثل ذروة خطة النظام الإسرائيلي لبلورة ما يسميه “إسرائيل الكبرى” — مشروع كتابي يسعى لتوسيع نطاق إسرائيل ليشمل الأردن ولبنان والعراق وأجزاء من السعودية.

يقرأ  اتهام شركة بولندية بتوريد متفجرات لإسرائيل لاستخدامها في حربها على غزة | أخبار

تدمير غزة، وضم مساحات واسعة من الضفة الغربية، واجتياح جنوب لبنان، وضرب إيران الآن، كلها تعبّد الطريق لتحقيق هذا المشروع. ومع غياب العقوبات الحاسمة والردع، ومع تسامح الدول الغربية وانصياعها المتكرر رغم خرق الصارخ للقانون الدولي، باتت المجسّات الإسرائيلية تدرك أنها تملك حرية تصرف تفوق كل توقعات سابقة في الاستحواذ والتحرك.

ولا يمكن تفسير هذا كله بمعزل عن ما يتيحه منذ عقود — ما يقرب من ثمانية عقود — من غطاء دبلوماسي ومالي وعسكري غير مسبوق من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. هذا الامتناع عن مساءلة إسرائيل يستمر رغم أن الحكومة الإسرائيلية تكشف كل يوم عن هشاشة واجهات النظام الدولي القائم على القواعد.

تجسّد أحد أوجه هذه الديناميكية بوضوح في قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي عُرض في نوفمبر، والذي أيد خطة من عشرين بندًا طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة، بما في ذلك إنشاء ما سُمّي “مجلس السلام”.

تم تمرير هذا القرار تحت ضغوط سياسية واستعمال للترهيب على مستويات استثنائية. ينص القرار عمليًا على إشراف إداري أجنبي على سكان غزة دون أي إشارة إلى الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب أو آليات مساءلة. إنه في جوهره قرار يغسل الإفلات من العقاب عبر غطاء التعددية الدولية.

منذ ذلك الحين، أوضحت إدارة ترامب أن مشروع “مجلس السلام” سيُطَبّق على نطاق عالمي — مشروع يسعى لاستبدال دور الأمم المتحدة ببنى تعود حصريًا إلى واشنطن. وبالنسبة لترامب، تبدو غزة نقطة الانطلاق لا المحطة الأخيرة.

لقد بدأنا نرى امتداد هذا النمط: الاعتداء غير القانوني على سيادة فنزويلا وخطف رئيسها؛ تشديد الحصار على كوبا وإجبارها عمداً على المجاعة؛ الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي لا تزال تجد غطاء دبلوماسيًا من بعض الدول الغربية؛ وهجوم إسرائيل على لبنان بهدف إعادة احتلال أجزاء من أراضيه.

يقرأ  نساء جنوب أفريقيا يدعون إلى احتجاجٍ بنفسجي أمام قمة العشرين رفضاً للعنف القائم على النوع الاجتماعي

في الوقت نفسه، نشهد تصاعد شركات الذكاء الاصطناعي المتورطة في جرائم الإبادة في غزة والتي تُوظَّف تقنياتها الآن من قبل وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في شوارع مدن الولايات المتحدة. كما تتوسع قطاعات الأمن الخاص وصناعة المراقبة والمجمع الصناعي العسكري — التي ازدهرت أرباحها خلال الإبادة وتعاود الارتفاع مع الحرب على إيران — عبر الصراعات، فتجد أسواقًا جديدة ومختبرات جديدة وسكانًا للاختبار عليهم.

هذه لحظة حاسمة ليس للمنطقة فحسب، بل للعالم بأسره. تعليقات ترامب عن إسبانيا بعد رفض رئيس وزرائها بيدرو سانشيز السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعده العسكرية لضرب إيران توضح ذلك بجلاء. قال ترامب إن إسبانيا “قالت إننا لا نستطيع استخدام قواعدها. وهذا لا يهم. بإمكاننا استخدام قاعدتهم لو أردنا. يمكننا فقط أن نطير ونستخدمها.” لا ينبغي تجاهل هذا الكلام بوصفه مجرد هراء؛ بل يجب اعتباره إنذارًا للأمم ذات السيادة.

الاستسلام أو سياسة الاسترضاء، المتمثلة في اتفاقات فتح الموانئ والمجال الجوي ومعاهدات التعاون الدفاعي، لن تحمي الدول ذات السيادة — بل على العكس، فإن هذه الالتزامات تقيدها بماكينات الحرب الأميركية والإسرائيلية وتحوّل السيادة إلى حالة مشروطة. إنها نمطية معروفة لدى كثير من الدول.

ما أصبح واضحًا الآن هو أن ما بدأ في غزة يمتدّ إلى أماكن أخرى في العالم. آلة الحرب الإبيدية الأميركية-الإسرائيلية تتسع، وباتت بذلك تشن حربًا على الإنسانية نفسها.

الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق