أصبحت الطائرات المسيَّرة العامل الحاسم في تشكيل حرب أوكرانيا، وكلا الطرفين يبذران جهوداً ضخمة لتصنيعها وتوظيفها على نطاق واسع. لكن الخبراء يحذّرون من أن المضيّ فوراً في إنتاجٍ جماعيّ هائل قد يكون قراراً قصيراً النظر بسبب سرعة تطور التكنولوجيا وظهور تدابير مضادَّة تقلّص فعالية هذه المنظومات بسرعة.
في ساحة القتال الأوكرانية، غيّرت الطائرات منخفضة التكلفة ديناميكيات المواجهة: رصدت القوات، أعاقت مناورات العدو، وحتى أتلفت دبابات ومعدات باهظة الثمن باستخدام أجهزة رخيصة الثمن. وأعلنت أوكرانيا أنها أنتجت 2.2 مليون طائرة مسيَّرة العام الماضي وتطمح إلى 4 ملايين هذا العام، فيما صرَّح الرئيس الروسي بأن روسيا أنتجت أكثر من 1.5 مليون طائرة مسيَّرة العام الماضي، مع خطط للتوسع. الغربيون يراقبون هذا المشهد عن كثب، ويطوّرون تدريبات وأنظمة مستوحاة من نجاحات الميدان الأوكراني، لكن التحذيرات تتكرر: التقليد الأعمى قد لا يكون الحلّ الأمثل.
تسارع تكنولوجيا الطائرات المسيَّرة
التقنيات المرتبطة بالطائرات المسيرة تتغيّر بسرعة، وتظهر وسائل مضادَّة جديدة على نحو متسارع يمكنها أن تجعل منصات اليوم بالية غداً. الجنود في الخطوط الأمامية والشركات الغربية العاملة في أوكرانيا لاحظوا أن بعض الحلول التقنية تفقد قيمتها بمجرد ظهور وسائط اعتراض أو تشويش جديدة. الإنتاج المبكر على نطاق واسع يخاطر بملء المخازن بمنظومات تفقد جدواها مع اقترانها بوسائل مضادَّة متطوّرة، وإعادة تأهيل هذه الأنظمة القديمة قد يسبب تعقيدات أكثر من البدء من الصفر.
لذلك يَرى بعض المختصين أن الأجدى هو تطوير قدرةٍ على التوسع السريع والإنتاج عند الحاجة بدلاً من حشد ملايين الوحدات الآن. ولكن بناء هذه القدرة يمثل تحدياً لوجستياً وصناعياً كبيراً بالنسبة للصناعات الدفاعية الغربية التي تعاني من اختناقات وإمدادات متأخرة، في حين انتقلت روسيا إلى حالة تعبئة صناعية، وتوسّعت الصين في تصنيعها الدفاعي بما في ذلك الطائرات المسيرة.
ماذا نتعلّم من أوكرانيا
حرب أوكرانيا ليست نموذجاً مطابقاً للصراعات التي خاضتها القوات الغربية خلال العقود الأخيرة؛ إنها نزاع قاسٍ ودائم الخسائر تميّزه غياب تفوّق جوي، ومجسات قتالية جديدة، وعودة أشكال حرب الخنادق على نطاق غير مسبوق في أوروبا. كثير من تكتيكات أوكرانيا نابعة من وضعها غير المتكافئ: عدد محدود من الجنود، غياب قوة جوية كبيرة، ونقص متكرر في الإمدادات الغربية — فالاتكال على الطائرات المسيرة جاء ليعوّض أدوار كانت تُؤدَّى تقليدياً بواسطة قناصة، وأنظمة دفاع جوي، وطائرات مأهولة.
لكن هذه العوامل لا تنطبق بالضرورة على دول الناتو ذات القوى البشرية والمادية والجوية الكبيرة واستثماراتها الطويلة في منظومات متقدِّمة؛ لذلك قد يكون للكتلة قيمة في الاحتفاظ ببعض الكمّ من المنظومات الرخيصة القابلة للتبديل، من دون التضحية بالمنظومات المعقَّدة والفعّالة التي تشكّل عماد الردع والقتال المتطور. درسٌ مهمّ هو تمييز أي الدروس يجب اتباعها وأيها يجب تجنُّبه—ومخزون ملايين الطائرات المسيرة قد لا يكون الخيار الصائب.
الطائرات المسيرة مهمة، لكن الغرب يملك مزايا أخرى
رغم مركزية الطائرات المسيرة في المعركة الأوكرانية، فهي ليست بديلاً عن الميزة العسكرية التقليدية للغرب: التفوّق الجوي، القدرات الدقيقة، وأنظمة الردع المتقدمة. الاعتماد المفرط على أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة قد ينسجم مع نقاط قوة روسيا التي طوّرت تكاملها مع هذه الوسائل، بينما دول الناتو قد تفتقر حالياً إلى القاعدة الإنتاجية والقدرة العملية على مضاهاة وتوسيع مثل هذه الجهود بنفس الوتيرة. كما أن الطائرات المسيرة لم تحسم النتيجة في أوكرانيا؛ فالدولة تنتج ملايين الأنظمة لكنها ما تزال تحتاج إلى مدفعية وأنظمة طويلة المدى. فهي “ما لديهم للقتال”، لا بالضرورة “ما يفضّلون القتال به”.
لايعني ذلك أن بالإمكان تجاهل الطائرات المسيرة: خصوم مثل روسيا والصين وإيران يستثمرون بكثافة، ومن الضروري أن تمتلك قوات الناتو وسائل فعّالة للتعامل مع المنظومات الرخيصة وغير المأهولة، وأن تحفظ القدرة على توظيف كتلة رخيصة عند الضرورة. لكن الخبراء ينبهون إلى ألا تُصبح هذه المنظومات كلّ التركيز على حساب الأسلحة الأثقل والأكثر قدرة على الردع والاستدامة، فالمقامرة على مقولة أن الطائرات الصغيرة والرخيصة هي مستقبل كل الحروب قد تكون خطأ تكتيكياً واستراتيجياً.