اللحظة الإيرانية قفزة نحو المجهول — الحرب الأميركية والإسرائيلية ضدّ إيران

منذ عشرينيات القرن العشرين، مرّت إيران بلحظتين سياسيتين حاسمَتين شكّلتا هويتين حضاريتين متمايزتين؛ هاتان اللحظتان لم ترسما الطابع الداخلي للبلاد فحسب، بل أعادا تشكيل علاقتها مع العالم الخارجي أيضاً. واليوم، فيما الجمهورية الإسلامية تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، قد تكون هناك لحظة إيرانية ثالثة على الأفق.

الحداثة على طريقة الشاه
بدأت اللحظة الإيرانية الأولى مع قيام حكم الأسرة البهلوي في 1925 حين تولّى رضا خان البهلوي السلطة، وانتهت بانبثاق الثورة الإيرانية في 1979. كانت رؤية ذلك العقد السياسي واضحة: دولة علمانية حديثة، تسعى للتحديث السريع، وتتماهى مع معسكر الغرب خلال الحرب الباردة. أقامت طهران علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بعد قيامها عام 1948، وصدّرت النفط للأسواق الغربية، ولعبت دور الوصي الذي اختارته واشنطن على الخليج. أمّن الشاه نفوذاً إقليمياً في منطقة ملأها الصراعات العرقية والمذهبية، فكانت إيران آنذاك نموذجاً للدولة التي تدفع بعجلة التنمية الموجهة من أعلى.

في صميم مشروع البهلوية كان ربط شرعية الملكية بالماضي الإمبراطوري الفارسي، لا بالدين. محمد رضا شاه باحثٌ عن جذور حكمه في الإمبراطورية الأخمينية — سلالة كورش ودارا التي أسست الحضارة الفارسية الكبرى في القرن الخامس قبل الميلاد. كانت احتفالات 1971 في بقايا برسيبوليس بمناسبة مرور 2500 سنة على الملكية الفارسية أسمى تعبير عن هذا السعي: إعلان أن عرش البهلوية هو وريث تقليد إمبراطوري متصل لا اختراع حديث. أراد الشاه بذلك أن يضع نفسه فوق الدين — ملك الملوك في سلالة أبعد من الإسلام نفسه.

لكن وراء واجهة الحداثة والعظمة الإمبراطورية كان الحكم قمعياً بوضوح. كانت السافاك رمزاً للخوف، مرادفاً للتعذيب والقمع. وعندما انفجرت الاحتجاجات الشعبية في 1978–1979، تبيّن أن كل تحالفات الشاه الخارجية لم تفده. لم تحرك أي قوة خارجية ساكناً لإنقاذه؛ فتخلى عنه أولئك الذين رأوا فيه أداة استراتيجية لكنهم لم يمنحوه شرعية شعبية. انتهت اللحظة الإيرانية الأولى بثورة لا بحرب، وتلك الدرس ظلّ غير مستفاد من قادمين بعده.

يقرأ  اعتُقل ثمانية وُوقِف أكثر من ألف عن المشاركة في فضيحة مراهنات كرة القدم بتركيا

الجمهورية الإسلامية
من رماد حكم الشاه خرج كيان جديد مبتكر: الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المبنية على مبداء ولاية الفقيه كما صاغه آية الله روح الله الخميني. كانت هذه الجمهورية الدولة الشيعية الثانية منذ الدولة الصفوية (1501–1736)، التي جعلت من التشيّع الإثني عشري هو الهوية المحورية لإيران.

بُني النظام الجديد على قناعة أن المبادئ الإسلامية يجب أن تحكم ليس الشعائر الدينية فحسب، بل السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية كلها. احتُسِب الفضاء العام، ونُفّذت ضوابط أخلاقية صارمة، وسُعت هوية ثقافية تُبعد ما اعتُبر تأثيرات غربية. حيث ربطت البهلوية علاقاتها بالولايات المتحدة وإسرائيل، شُيِّدت هوية الجمهورية في معارضة صريحة لهاتين القوتين؛ فباتت سياستها الخارجية سياسات مقاومة: دعم حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن، وميليشيات شيعية في العراق وسوريا — شبكة وكلاء وصفها النظام بأنها «محور المقاومة». هذا المسار أفضى في نهاية المطاف إلى أزمة مستمرة في جوار إيران.

اقتصادياً، مال النظام شرقاً، باحثاً عن نموذج على شاكلة الصين: استبدادي سياسياً، موجّه اقتصادياً من الدولة، ومستقل عن مؤسسات الغرب. لكن هذه الاستقلالية جاءَت بتكلفة باهظة: فُرض على الجمهورية أكثر من 3600 عقوبة مختلفة — حصارٌ تراكم أثر بشدة على حياة الإيرانيين العاديين. وتآكل تأثير إيران الإقليمي تجسّد بعد حدثين صادمين: الربيع العربي الذي أثار تساؤلات حول مصداقية ادعاء الجمهورية بأنها مدافعة عن المظلومين، وهجمات السابع من أكتوبر التي وضعت إيران في موضع هدف عسكري محتمل لإسرائيل.

تشوّهت حياة الجمهورية بثلاث مواجهات عسكرية كبرى: حرب إيران والعراق (1980–1988) التي أودت بمئات الآلاف، ثم حرب استمرت 12 يوماً شملت إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2025، والنزاع الجاري منذ 28 فبراير. كل حرب عمّقت شعور الحصار في داخل النظام — قناعة تفيد بأن إيران محاطة دوماً وأن بقائها مهدد.

يقرأ  مقتل سائق قطار وإصابة عدة أشخاص إثر خروج قطار عن القضبان قرب برشلونة وفق وسائل إعلام محلية

لحظة الهشاشة
يمكن استيعاب كيف انتهت اللحظة الأولى: فقد فقدت الأسرة الحاكمة شرعيتها الداخلية، وتحول رعاتها الخارجيون إلى مشاهدين، فتبع ذلك سقوطها. لكن مسار اللحظة الثانية أقل وضوحاً، وهذه الضبابية بذاتها تغذي القلق الإقليمي والعالمي.

الجمهورية الإسلامية اليوم ليست القوة الثورية الواثقة التي كانت في ثمانينيات القرن الماضي، وليست دولة دينية مستقرة قادرة على إدارة تناقضاتها إلى ما لا نهاية. الاحتجاجات الشعبية خلال العقدين الماضيين طرحت تساؤلات بُنية عن طبيعة العقد الاجتماعي الذي تطرحه الجمهورية.

في الوقت نفسه، يتراجع نفوذها الإقليمي، وبرنامجها النووي جلب مواجهة عسكرية مباشرة، واقتصادها — المنهك بالعقوبات والفساد المستشري — غير قادر على توفير مستوى ازدهار يشتري قبولاً شعبياً. ثمة سيناريوهات متعددة لما قد يحدث لاحقاً: قد يبقى النظام على حاله؛ أو قد يتحول إلى جمهورية إسلامية مُصلَحة تحافظ على هويتها الشيعية وتتنازل عن أكثر مواقفها التصادمية، لكن مثل هذا التحوّل يطلب طبقة سياسية مستعدة للتفاوض ومعارضة قادرة على قبول السلطة وإدارتها بمسؤولية — وهما الشرطان غير متوفرين بوضوح الآن.

هناك أيضاً سيناريو أكثر اضطراباً: تفكك داخلي، وصراع أهلي، وفراغ سلطوي. لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال في بلد مترامي الأطراف يجمع فارساً وأذرياً وكردياً وعربياً وبلوشياً، وتتماسك وحدته في تزايد الاعتماد على القسر لا على الإجماع.

الفصل القادم في تاريخ إيران لن يكتبه قوى خارجية وحدها، ولا المؤسسة الدينية وحدها، ولا الحراك الاحتجاجي وحده. بل سينشأ من تصادم كل هذه القوى — داخلياً وخارجياً، تاريخياً وفورياً. هذه اللحظة الإيرانية الجديدة قفزة في المجهول: بالنسبة للإيرانيين أولاً، وللمنطقة والعالم ثانياً، اللذين سيشعران بتداعياتها. إيران، مترنحة ومحاطة بالتساؤلات، تقف على الحافة. ما وراءها لا يزال مجهولاً.

الآراء المعبر عنها هنا تخص كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

يقرأ  «إذا عَاد السلام سأعود» — رهْرُوْب السكان من قصف أمريكي-إسرائيلي يضرب إيران تصاعد الصراع الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران يدفع المدنيين إلى الفرار

أضف تعليق