الهجوم على حق التظاهر في المملكة المتحدة لا يقتصر على فلسطين

في الأول من أبريل، ستحكم محكمة بريطانية في محاكمة ذات دلالة قد تعيد تعريف حدود الاحتجاجات الجماهيرية في بيرطانيا. وُجهت إلى بن جمال، مدير حملة التضامن مع فلسطين، وكريس ناينهام، نائب رئيس ائتلاف “أوقفوا الحرب”، تهم خرق قانون النظام العام 1986 لتنظيمهما تظاهرة مؤيدة لفلسطين في لندن في 18 يناير 2025، بعد أن فرضت الشرطة شروطاً على التجمع.

رفض القاضي دانيال ستيرنبرغ الأسبوع الماضي طلب الدفاع بوقف الدعوى، على الرغم من أدلة قدمها المحامي مارك سامرز تفيد بأن المحتجين لم ينتهكوا الشروط ولا كانوا ينوون ذلك. تُفسر هذه المحاكمة على أنها دليل إضافي على تضييق المساحة المتاحة للتعبير عن المعارضة في المملكة المتحدة.

الشرطة المُسيَّسة

أظهرت مجريات المحاكمة العلاقة الوثيقة والاستثنائية بين شرطة العاصمة ومجموعات صهيونية، بما في ذلك قبول الشرطة توصيات هذه المجموعات بشأن مسارات تجمعات الحركة الفلسطينية. في المفاوضات بين قادة الاحتجاج والشرطة قبل تظاهرة 18 يناير، وافقت الشرطة مبدئياً على أن تتجمع التظاهرة أمام مقر هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في وسط لندن، قرب الكنيس المركزي، حيث سبق للمحتجين أن تجمعوا هناك لإبراز ما وصفوه بالانحياز المؤيد لإسرائيل لدى الهيئة.

خلال القضية تبين أن قائد الشرطة آدم سلونسكي تلقى رسالة من مجلس القيادة اليهودية هددت فيها بالطعن القضائي إذا لم تُفرض شروط على الاحتجاج. وبعد تلقي الرسالة عقد سلونسكي سلسلة لقاءات مع مجموعات مؤيدة لإسرائيل. في 20 ديسمبر التقى بمنظمي التظاهرة وادّعى —دون تقديم أدلة أو الإشارة للاجتماعات التي عقدها— أن لهذه التظاهرات “تأثيراً تراكمياً” يتجسد في تعطيل خطير لأسلوب حياة اليهود، وأنه يجب منع المتظاهرين من السير قرب مبنى البي بي سي.

أجازت الشرطة في نهاية المطاف احتجاجاً ثابتاً فقط في وايتهاول. وفي خطاب محسوب على المنصة في ذلك اليوم، أعلن جمال أن وفداً صغيراً سيتجه سيراً نحو البي بي سي لوضع زهور تقديراً لضحايا غزة، وإذا مُنعوا فسوف يضعون الزهور عند أقدام الشرطة ثم يتفرقون. تزعم الشرطة أن خطاب جمال شكّل تحريضاً على خرق الشروط. وفي الواقع، بينما كان المحتجون ينتظرون قرار الشرطة بشأن مكان وضع الزهور، تم اعتقال ناينهام بعنف.

يقرأ  الأحزاب الكبرى في نيبال تطالب بإعادة البرلمان المنحل

جادل الدفاع بأن الشرطة أخضعت قراراتها لضغوط مؤيدة لإسرائيل وأخفقَت في تهيئة حق الاحتجاج، وأن قائد الشرطة لم يبذل جهداً للتواصل مع فئات من الجالية اليهودية التي تُناصر فلسطين، مما يعزّز اتهام التحيّز.

تقييد الاحتجاجات المتزايد

ينبغي قراءة محاكمة جمال وناينهام في سياق جهود متزايدة من حكومات بريطانية متعاقبة للحد من حقوق حرية التعبير والتجمع. في 2022، أقرّ البرلمان قانون الشرطة والجريمة والأحكام والمحاكم، الذي وسّع صلاحيات الشرطة لفرض شروط بناءً على الموقع وحجم التظاهرات ومستويات الضجيج، وهو ما اعتُبر مساساً بالحريات المدنية لأنه يقوم على تصورات الشرطة للمخاطر وليس الضرر الفعلي.

في 2023 قدم المحافظون تعديلات لتقوية قانون النظام العام 1986، الذي يظل الإطار التشريعي الرئيسي لتنظيم التظاهرات، ومنح هذه التعديلات الشرطة سلطات أوسع لوقف احتجاجات تُعتبر “مزعجة” —مع تعريفات مبهمة لما يُعد إزعاجاً— وتضمنت قيوداً استباقية على حرية التجمع والانتماء. وانتُقد القانونان على نطاق واسع لتأثيرهما الكابح على حقوق المواطنين في الاحتجاج.

في 2023 أيضاً حاولت وزيرة الداخلية آنذاك سويلا برافيرمان تمرير لوائح لخفض عتبة ما يُعد “تعطلاً خطيراً”، لكن محكمة الاستئناف قضت في 2025 ببطلان هذه المحاولات لزعمها تجاوز الحكومة لصلاحياتها. والآن تسعى حكومة العمال —بتواطؤ فعلي مع المحافظين— إلى توسيع صلاحيات الشرطة في مشروع قانون الجريمة والشرطة، الذي يتضمن عنصر “إدارة التأثير التراكمي”.

أبدى أكثر من مئة نائب معارضتهم للمشروع، كما اعترضت مجموعات مدنية، لأنّ المقترح يقيد الحق في الاحتجاج استناداً إلى التكرار لا السلوك، ويُصعّب التنظيم ويجعله مرهوناً لتقدير الشرطة. بالتوازي، يدفع الحكومة مشروع قانون يهدف إلى تقليص عدد المحاكمات أمام هيئة المحلفين إلى النصف؛ وإذا نُفذ فسيعني ذلك وصول عدد أقل من القضايا المتعلقة بالاحتجاجات إلى هيئات محلفين، مقللاً من فرص مواجهة قوانين غير شعبية.

يقرأ  إنزو: معرض فني صغير قادر على ترك أثر كبير في سوق لوس أنجلوس

على ذلك كله أضيفت تعديلات في العام الماضي لقانون الإرهاب 2000 نصّت على تصنيف “فلسطين أكشن” منظمة محظورة، ما يجعل الانتماء إليها أو دعمها جريمة قد تصل عقوبتها إلى 14 عاماً سجناً. جاء ذلك بعد اقتحام نشطاء من الحركة، المعروفين باسم مجموعة فيلتون 24، مصنع درونات تابع لشركة إلبيت في بريستول احتجاجاً على ما وصفوه إبادة في غزة، فاعتقلوا وحُجز كثيرون منهم احتياطياً لفترات تجاوزت 18 شهراً.

ورغم تبرئتهم مؤخراً من التهم الأخطر وفوز المنظمة بمراجعة قضائية قضت بأن قرار وزيرة الداخلية بتصنيف “فلسطين أكشن” إرهابياً كان غير قانوني، فقد قامت الشرطة حتى الآن بما يقارب 2700 عملية توقيف وستواصل الاعتقالات ريثما يُحسم الاستئناف. وأُعيد اعتقال أحد أعضاء مجموعة فيلتون 24، قسّر زهره، في 30 مارس على خلفية منشور على وسائل التواصل يدعو إلى “العمل المباشر”.

التأثير التراكمي

دخلت تشريعات أشد ردّاً على أنشطة ناشطي المناخ ومعارضي النظام الملكي، ثم تعززت وتحوّلت لتُطَبّق على احتجاجات فلسطين. لكن من الواضح أنها لن تتوقف عند ذلك الحد. إذا سُنّ تشريع “التأثير التراكمي” المقترح فسيُستخدم ضد أي مجموعة تمارس حقوقاً ديمقراطية، سواءً نقابيون أو ناشطون مناوئون للحرب، ما يقيّد قدرتهم على التنظيم الحر.

كما يمكن أن يعمّق الانقسام الاجتماعي مع تزايد استعمال هذه الإجراءات بمحض تقدير الشرطة. مؤخراً، على سبيل المثال، منعت الشرطة منظمي تظاهرة يوم النكبة المقررة في 16 مايو من السير في المسار الذي اقترحوه، في حين منحت المتطرف توومي روبنسون حرية استخدام كامل وسط لندن لمسيرته اليمينية المتطرفة.

مهما كانت نتيجة محاكمة جمال وناينهام في الأول من أبريل، هناك حاجة إلى حشد مجتمعي واسع للدفاع عن حقوق حرية التعبير والتجمع؛ فالمسألة لم تعد قضية الفلسطينيين وحدهم، بل مسألة حماية الدمقراطية البريطانية.

يقرأ  كيم غون-هي، السيدة الأولى السابقة لكوريا الجنوبية، تمثل أمام المحكمة بتهم الفساد

الآراء الواردة في هذا النص تعبّر عن رأي كاتبها الخاص ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لوسيلة النشر المذكورة.

أضف تعليق