عندما بدأت شائعات وقف إطلاق النار تنتشر في أكتوبر بدا الأمر حلماً بعيداً. تعسّقنا على أي خيط أمل، رغم الخوف العميق من أن نصدّق، فقد اعتدنا خلال عامين على «هدنات» تتبخر سريعاً ولا تستمر.
عند الإعلان فعلاً اندلعت الشوارع بالزغاريد والهتاف، لكن الخشية تسللت إلى قلبي بأنّ هذا السكون ربما كان مجرد فترة هدنة قبل جولة جديدة من القصف.
وتبيّن أن خوفي لم يكن مبالغاً فيه. استمرت الهجمات اليومية القاتلة؛ فقد قتلت جيش إسرائيل أكثر من 400 شخص حتى الآن، ومات كثيرون آخرون نتيجة ما خلّفته تدمير غزة من ظروف قاسية.
وبالتوازي بدأ الاهتمام العالمي يتلاشى. لاحظت في نوفمبر انخفاض التفاعل مع ما أكتبه عن غزة على مواقع التواصل وفي وسائل الإعلام — وهو ما لاحظه صحفيون وكتّاب فلسطينيون آخرون أيضاً. تراجعت اهتمام العامة لأنّ الجمهور العالمي اقتنع بسهولة بأن الحرب قد انتهت.
أضحى واضحاً لي أن الهدف الحقيقي من «الهدنة» لم يكن وقف العنف أو حماية الناس أو الحد من إراقة الدماء أو منع إبادة جماعية؛ بل كان إسكات العالم عن غزة، عن الجرائم الجارية هناك، وعن معاناة الناس اليومية.
تحولت غزة إلى شبه غير مرئية الآن، بينما استحوذت أخبار ومناطق أخرى على أضواء الإعلام العالمي.
ومع ذلك تستمر الوفيات على نطاق واسع.
بعد ما يزيد قليلاً على أسبوعين من إعلان الهدنة، في 28 أكتوبر، شنت القوات الإسرائيلية حملة قصف هائلة أودت بحياة 104 أشخاص. عاد الشعور بالرهبة على المستقبل وعلى أحبائي.
وفي 20 نوفمبر أصابني القصف عن قرب. هاجم الجيش الإسرائيلي منزل عائلة أبو شوّيش في مخيم النصيرات بوسط غزة. فقدت صديقتي بتول أبو شوّيش كل عائلتها — شقيقاتها حبيبة (11 عاماً) وتيمة (16 عاماً)، وإخوتها يوسف (14 عاماً) ومحمد (18 عاماً)، ووالدتها سحر (43 عاماً) ووالدها رامي (50 عاماً). تمّت مذبحة رغم أنّ العائلة بلا أي انتماء سياسي؛ كانوا مدنيين. بات على بتول مواجهة الإبادة بمفردها.
تستمر الهجمات، وتستمر عمليات القتل الجماعي بطرق أخرى: انهيار مبانٍ، قنابل لم تنفجر، فيضانات، انخفاض حرارة الجسم، المجاعة والأمراض — كلها نتاج استراتيجية إبادة جماعية مُمَهَّدة. نكافح بلا مأوى لائق أو طعام، بلا تدفئة ولا كهرباء ولا مياه صالحة للشرب.
الأحوال وصلت إلى حد أن الشتاء نفسه يقتل الناس.
عشنا عاصفة أخرى مؤخراً؛ خيمه فُيضت واطرَحتها الرياح مجدداً. قُتلت علاء جُحا (30 عاماً) بحائط انهار فوقها بفعل الأمطار. توفي الطفل أركان مُصلح البالغ شهرين من انخفاض حرارة الجسم. إجمالاً، توفى 15 شخصاً هذا الشهر بسبب الطقس البارد. غُمرت خيمة عائلتي بالمياه مرة أخرى؛ من الصعب وصف شعور العجز الذي يبتلعك عندما لا تجد مهرباً من الماء والبرد القارس.
تواصل إسرائيل انتهاك الهدنة ليس فقط بهجماتها، بل برفضها تنفيذ التزامها بالسماح بدخول عدد الشاحنات المتفق عليه من المساعدات، وبالكمية الكاملة من الأدوية والخيام ومواد الإيواء والمنازل المتنقلة.
وكذلك تحدّ من وصول المنظمات الدولية التي تحاول تقديم بعض الإغاثة—قواعد جديدة تُصعّب تسجيل المنضات، ومنها منظمات كبيرة كـ «أنقذوا الأطفال». هذا، إلى جانب الرفض المستمر لطلبات المنظمات لإدخال المساعدات، يعيق الجهود الدولية لتقديم ما يسهم في التخفيف عنا.
في المقابل، تواجه المنظمات الفلسطينية التي تحاول تخفيف معاناتنا انهياراً في التبرعات. على سبيل المثال، فقد مشروع سمير، وهو مبادرة تعتمد على التبرعات لتقديم دعم مادي للأسر والطلبة الفقراء، عدداً كبيراً من المتبرعين والمتابعين بعد إعلان الهدنة. وأكد لي الدكتور عزّ الدين اللولو، مدير المشروع، أن تراجع التدفّق المالي أعاق قدرتهم على تقديم المساعدات الضرورية.
تُبقي إسرائيل أيضاً معبر رفح مغلقاً. لا توجد فرصة للسفر خارجاً إلا بدفع مبالغ باهظة لمستفيدين من الحرب ذوي صلات إسرائيلية والموافقة على عدم العودة أبداً. يُمنع أكثر من 16,000 شخص بحاجة ماسة للإخلاء الطبي من الخروج؛ وأكثر من 1,000 ماتوا وهم ينتظرون السماح بالمغادرة.
دخلت غزة مرحلة جديدة من الإبادة — قتل جماعي منخفض الحدة لا يثير عناوين الصحف لأنه لا يأتي بوحشية قصف شامل، لكن النتيجة النهائية واحدة: إبادة الحياة الفلسطينية في غزة. ليس غريباً أن يستمر سياسيون إسرائيليون بالحديث عن استعمار أرضنا؛ إنهم لا يزالون يرون غزة خالية من الفلسطينيين احتمالاً واقعياً في متناول اليد.
المواقف المعبر عنها في هذا النص تعبر عن رأي الكاتب فقط ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.