انتخابات جيبوتي — من يتحدّى الرئيس الحالي وما هي الرهانات؟

لمحة عامة
تستعد جمهورية جيبوتي الصغيرة على ساحل شرق أفريقيا لإجراء انتخابات رئاسية يوم الجمعة، مع توقُّع فوز الرئيس المخضرم إسماعيل عمر جيلهْ (المعروف اختصارًا بـ«IOG») بسهولة نسبية وبقليل من المنافسة الفعلية. تكتسب البلاد أهمية سياسية إقليمية في القرن الإفريقي وإقليمية ودولية بفضل موقعها الاستراتيجي عند مضيق باب المندب الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر، ويمر عبره جزء كبير من حركة التجارة العالمية بين آسيا والغرب.

تستضيف جيبوتي قواعد عسكرية لعدة قوى دولية من بينها الولايات المتحدة وفرنسا والصين، ما أكسبها وصفَ «أكثر الدول احتواءً للقواعد العسكرية الأجنبية» نسبيًا. كما تُعدّ ميناءً حيويًا لدول داخلية أكبر بلا موانئ مثل إثيوبيا، مما يعزز أهميتها الاقتصادية والسياسية.

خلفية سياسية وقانونية
المرشح الحالي جيله يسعى للفوز بفترة رئاسية سادسة. رغم أن دستوره كان يمنع الترشح بسبب حدود للعمر والفترات، فقد ألغى البرلمان العام الماضي حد السن، وكان قد ألغى سابقًا في 2010 قيود عدد الفترات الرئاسية، فاتحًا الطريق أمام بقائه في السلطة. تحت ولايته، التي بدأت في 1999، اتُهم بنهج حكم صارم وبتقييد الحريات المدنية، لكنه أيضًا يُنسب إليه الإبقاء على استقرار نسبي في منطقة غالبًا ما تشهد اضطرابات.

في سياق تاريخي، كانت جيبوتي تُعرف باسم سومالي الفرنسية أثناء الاستعمار، وظلت القوات الفرنسية متواجدة بكثافة بعد الاستقلال عام 1977. غير أن هجمات 11 سبتمبر 2001 جلبت انتباهاً أميركياً جديداً للبلاد لتمكين قرب الوصول إلى مجموعات مسلحة في الصومال واليمن. كما كانت قاعدة لانطلاق عمليات بحرية خلال ملف مكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال في منتصف العقد الأول من الألفية، بمشاركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين.

التركيب اللغوي والديني والاقتصادي
اللغتان الرسميتان في جيبوتي هما الفرنسية والعربية، بينما تُستخدم الصومالية والأفار على نطاق واسع بين السكان؛ فالصوماليون يشكلون نحو 60% من السكان والأفار نحو 35%. حوالي 94% من السكّان مسلمون، والعملة المحلية هي الفرنك الجيبوتي.

يقرأ  بيسان عودة، صحفية من غزة، تستعيد حسابها على تيك توك بعد استنكار واسع — أخبار حرية الصحافة

من يحق له التصويت؟
بحسب المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية، يبلغ عدد المسجلين للانتخاب نحو ربع السكان، أي حوالي 243,471 ناخبًا، بارتفاع عن انتخابات 2021 حين سجل نحو 215,000 ناخب. معدل الإقبال المعتاد يقارب 67% في المتوسط. من المتوقع أن تُفتح مراكز الاقتراع مبكرًا في العاشر من أبريل وتُغلق مساء نفس اليوم.

رغم توصيف مراقبين لبعض الانتخابات السابقة بأنها «أوتوقراطية انتخابية»، وصل وفد مراقبين من هيئة التعاون بين دول القرن الأفريقي (إيحاد) إلى البلاد، وسيُنتشر 17 مراقبًا من إثيوبيا وكينيا والصومال وجنوب السودان وأوغندا في مختلف الأقاليم، على أن يصدروا بيانًا عقب الاقتراع في 12 أبريل. (ملاحظة: في نص الإعلامي الأصلي ذُكر اسم الهيئة بترجمة إنجليزية—في هذه النسخة استخدمت التسمية العربية المعتمدة).

من هم المرشحون؟
– اسمائيل عمر جيله: الرئيس البالغ من العمر 78 عامًا، يسعى لولاية سادسة بعدما تولى الحكم عام 1999. حزبه هو تجمع الشعوب للتقدم. جاء ترشيحه بعد تعديل دستوري في نوفمبر أزال حد السن الذي كان عند 75 سنة، فيما كانت تعديلات سابقة قد ألغت حدود عدد الولايات. يُنتقد جيله لأسلوب حكمه الصارم واحتكاره للسلطة، لكنه يُشاد به أيضًا لإدراكه استقرارًا نسبياً في بلد يفتقر للموارد الطبيعية، مستفيدًا من موقعه لإبرام مشاريع بنية تحتية مع الصين واتفاقات استضافة عسكرية مُربحة مع قوى غربية.

وفق تقارير سابقة لوزير المالية، تجني الدولة عائدات سنوية تُقدَّر بنحو 125 مليون دولار من استضافة قواعد أميركية وفرنسية وصينية وإيطالية ويابانية، وتدفع الولايات المتحدة ما يقارب نصف هذا المبلغ. القاعدة الأميركية الدائمة في أفريقيا، معسكر ليمونييه، تقع في جيبوتي وتُعد الوحيد من نوعه في القارة.

خلال الحملة، ارتدى جيله ألوان حزبه الخضراء وحشد مئات المؤيدين في العاصمة، مؤكّدًا أن الانتخابات والخيارات المتاحة «متسقة مع الديمقراطية» ووعد بمزيد من «النجاحات المهمة» إذا أُعيد انتخابه، بينما رفعت الحشود لافتات تدعو إلى «الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي».

يقرأ  سابالينكا تهزم سفيتولينا وتتأهل إلى نهائي بطولة أستراليا المفتوحة — أخبار التنس

– محمد فرح سامطار: الخصم الوحيد البارز لجيله، وهو عضو سابق في الحزب الحاكم ويترشح تحت راية حزب «المركزي الديمقراطي الموحد». نظم تجمعات في مناطق تادجورة وأوبوك، داعيًا إلى أن «جيبوتي أخرى ممكنة».

ردود الفعل المحلية والدولية
وصفت بعض الجهات المدنية الانتخابات بأنها «مسرحية» أو نتيجة محسومة سلفًا؛ قال عمر علي إوادو، رئيس رابطة حقوق الإنسان الجيبوتية، إن التحدّي الفعلي للرئيس يأتي من حزب صغير خاضع للسلطة. كما يرى خبراء إقليميون مثل سونيا لو غوريالك أن المسابقة الانتخابية لا تحمل رهانات كبيرة وأنها شكلية في كثير من تفاصيلها.

القضايا المحورية
– تراجع الحريات الديمقراطية: يثير مراقبون قلقًا متزايدًا بشأن تقلص الحيز المدني وتضييق مساحة المعارضة. توصف الانتخابات بأنها ذات طابع شكلي في كثير من الأحيان، إذ فاز جيله بأكثر من 90% من الأصوات في انتخابات 2021، ومنذ 2016 قاطعت بعض أحزاب المعارضة الانتخابات.
– الفساد والمحسوبية: تُوجه انتقادات للحكومة بشأن مستويات مرتفعة من الفساد والمحسوبية، مع تكهنات عن إعداد نجله بالتبني السياسي أو أفراد مقربين لتولي مناصب عليا، ومن بينهم نجيب عبد الله كميل، الذي يُذكر اسمه كوكيل للنفوذ داخل مؤسسات السلطة.
– القمع: تبرز منظمات حقوق الإنسان بانتظام قضايا تتعلق بقمع الأصوات المعارضة وقيود على حرية التعبير والتجمع.

الخلاصة
تجري الانتخابات في سياق يُجمع فيه المراقبون على أن الساحة السياسية الجيبوتية تفتقد لمنافسة حقيقية، بينما تظل أهمية البلاد الجيوـاستراتيجية عاملاً رئيسيًا في علاقاتها الخارجية ونفوذها الإقليمي، ما يجعل نتائجها محل متابعة من القوى الإقليمية والدولية على حد سواء. تحتل البلاد حالياً المرتبة 168 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 الذي تصدره منظمة “مراسلون بلا حدود” (RSF).

يقرأ  وفاة «روح السرد الجنوب أفريقي» تثير موجة من الحزن والغضب

أحد المرشحين الطموحين للرئاسة، ألكسيس محمد، الذي شغل منصب مستشار رئاسي حتى استقالته في سبتمبر، أكد للصحفيين أنه “غير قادر” على المضي قدماً في ترشحه لغياب “ضمانات أمنية” في حال عودته إلى البلاد من مقر إقامته الحالي في الخارج.

محمد، الذي شغل مناصب رسمية لمدة عشر سنوات، اتهم إسماعيل عمر جيليه بـ”إدارة الدولة على أسس الزبائنية”.

ووفقاً للاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، فإن الانتخابات في جيبوتي “ليست حرة”.

تزايد الدين

يتهم كثيرون جيليه بتسليط الأضواء على مشاريع بنى تحتية براقة نفذتها الصين، مثل سكة حديد إلى اثيوبيا، لكنهم يشددون في الوقت نفسه على ركود الاقتصاد الوطني وتصاعد الديون تجاه بكين.

بحلول عام 2026، كانت البلاد مدينة للصين بنحو 1.2 مليار دولار من القروض، بالإضافة إلى ديون لجهات أخرى. وذكر صندوق النقد الدولي في تقرير صدر عام 2025 أن هيكل ديون جيبوتي “في حالة ضائقة وغير مستدام”.

ولم تُسهم بعض هذه المشاريع المكلفة في خفض معدلات الفقر بصورة ملحوظة؛ إذ تبلغ نسبة البطالة بين فئة الشباب حوالى 73%، نتيجة النقص الحاد في فرص العمل.

وفي الوقت نفسه، يتعرّض مصدر رئيسي لإيرادات البلاد للخطر: إذ تتولى موانئ جيبوتي، عملياً، معظم واردات وصادرات أديس أبابا البحرية بقيمة تقارب ملياري دولار سنوياً.

إلا أن إثيوبيا، في 2024، سعت إلى تقليص تلك التبعية عبر توقيع اتفاقية موانئ مع صوماليلاند ذات الحكم الذاتي، وهو ما أثار توتراً مع جيبوتي ومع الصومال الذي يعتبر صوماليلاند جزءاً من أراضيه.

وبعد وساطة بقيادة تركيا، توصلت إثيوبيا والصومال إلى تفاهم أولي في أواخر 2024 لحل الخلاف؛ وقد وافقت إثيوبيا على التحول نحو حصول بحري “موثوق ومستدام” مع الصومال بدلاً من صوماليلاند.

أضف تعليق