على مدى معظم تاريخ إسرائيل، بقيت الخلافات بين القادة السياسيين والمؤسسة العسكرية أمرًا خاصًا إلى حد كبير. كانت النقاشات حول الاستراتيجية أو التوقيت أو المخاطر حقيقية، لكنها كانت تُدار بعيدًا عن أعين الجمهور. وكان المواطنون يرون دولة قادرة، رغم توتراتها الداخلية، على إظهار وجه متماسك في أوقات الحرب.
هذا الترتيب الهادئ انكسر. فبعد ما يقارب ثلاث سنوات من هجمات السابع من أكتوبر، أصبحت المواجهات المفتوحة بين الوزراء وكبار الضباط شبه اعتيادية. آخر هذه المواجهات بدأ عندما انتقد وزير الدفاع إسرائيل كاتس اللواء آفي بلوت، قائد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بسبب سعيه لتمديد اعتقال مستوطن متطرف. ثم أعلن كاتس على شاشة التلفزيون أن بلوت سيُعفى من منصبه، ليرد عليه رئيس الأركان إيال زامير بشكل علني، مؤكدًا أن الجنرال سيبقى في منصبه وأن الإجراءات الصحيحة يجب أن تُتّبع. ما كان في السابق يُحتوى ويُدار في الخفاء أصبح الآن يحدث أمام الجميع.
هذه التبادلات، مثل كثير من التبادلات السابقة، ليست القصة الحقيقية. القصة الحقيقية هي ما تكشفه هذه الانقسامات المتكررة عن بلد لا يزال في حالة حرب. الحملة التي بدأت بخطاب الوحدة الوطنية أعادت تدريجيًا تشكيل العلاقة بين الذين يضعون الاتجاه والذين عليهم تحويله إلى واقع. الخلاف لم يعد ينحصر في التكتيكات أو الخطط العسكرية، بل أصبح يدور حول سؤال أعمق: من يملك الحق في تعريف النصر، وفي تحديد أهداف الحرب، وفي تقرير ما هو ممكن؟
هذا التغيير أكبر من مجرد فقدان الانضباط أو صدام شخصي. فإسرائيل لم تكن يومًا دولة فيها الجيش مجرد منفذ للأوامر. منذ السنوات الأولى، كان الجيش شريكًا في صياغة سياسات الأمن، وليس مجرد ذراع تنفيذية. دافيد بن غوريون بنى الجيش الإسرائيلي كمؤسسة وطنية مركزية. وكثير من القادة اللاحقين، مثل إسحاق رابين وإيهود باراك وأرييل شارون وبيني غانتس ويوآف غالانت، خرجوا من صفوفه. الحدود بين السلطة السياسية والحكم العسكري كانت دائمًا غير واضحة. الجيش لم يكن يطبق السياسة فحسب، بل كان يساعد أيضًا في تحديد الحدود الواقعية لما يمكن للسياسة أن تطلبه.
لعقود، قامت هذه الشراكة على تفاهم غير معلن. الجيش، بفضل تقييمه المهني للقوة والأرض والمخاطر، كان في الغالب يحدد سقف الطموح السياسي. كان الجنرالات يقولون للقادة المنتخبين، وكثيرًا ما فعلوا ذلك: هذا ممكن، هذا غير ممكن، وهذا سيكلف أكثر مما أنتم مستعدون لدفعه. أما السياسيون فكانوا يحتفظون بالسلطة الرسمية، لكنهم كانوا يتحركون ضمن إطار من الواقعية العسكرية يحد من التجاوز. وبهذه الطريقة، كان الجيش يحمي النظام السياسي من الاندفاع من خلال الإصرار على حدود ما يمكن تحقيقه.
لكن هذه العلاقة انقلبت تحت وطأة الحرب الطويلة. هناك أربعة أسباب تفسر ذلك.
الأول هو الوقت. الحروب القصيرة تسمح للخلافات بالبقاء في إطارها المهني. أما الحرب التي تمتد لسنوات فتحول كل اختيار تقريبًا إلى خيار سياسي. كم عدد جنود الاحتياط الذين يجب استدعاؤهم؟ متى ندفع أعمق إلى الداخل؟ كيف نوازن بين أرواح الأسرى والأهداف العسكرية الأوسع؟ كم تستطيع الدولة أن تتحمل عبء التعبئة المتكررة؟ هذه لم تعد أسئلة تشغيلية بحتة، بل أصبحت تمس العائلات والمجتمعات والحياة اليومية لمئات الآلاف من الناس. ومع استمرار القتال حتى عامه الثالث، تضاءل المجال المتاح للحكم المهني الهادئ.
الثاني هو غياب تعريف مشترك للنجاح. البيانات الرسمية لا تزال تتحدث عن تفكيك القدرة العسكرية لحماس، وإعادة الأسرى، واستعادة الأمن للمجتمعات الحدودية. لكن هذه الأهداف في الواقع تتعارض مع بعضها، وتختلف قيمتها عند مختلف الأطراف. البعض يركزون على السيطرة المستدامة أو القضاء على التهديدات المتبقية. آخرون يضعون الأسرى أولًا، أو يحذرون من احتلال مفتوح. عندما يبقى معنى النصر نفسه غير محسوم، يبدأ كل طرف في قياس التقدم وفق معاييره هو. الجنود وقادتهم يبحثون عن نتائج يمكن الحفاظ عليها، بينما يبحث القادة السياسيون عن نتائج يمكن تفسيرها لجمهور متعب ولقواعدهم الانتخابية.
الثالث هو اختلاف الحوافز البشرية. كبار الضباط يعيشون يوميًا مع حالة القوات ومع عواقب القرارات التي تبعث الناس إلى الخطر. أما الوزراء فيعيشون مع ضغوط الائتلاف والغضب العام والانتخابات المقبلة. عندما تتصادم هذه الضغوط، يصبح الخلاف العلني أكثر احتمالًا. وكلما طالت الحرب دون نهاية واضحة ومقبولة من الطرفين، زادت هذه التصادمات العلنية.
الرابع، وهو الأكثر كشفًا، هو انعكاس العلاقة في تحديد ما هو ممكن. في الماضي، كان الجيش هو الذي يخبر القيادة السياسية بما يمكن تحقيقه فعليًا. أما اليوم، فإن القادة السياسيين يخبرون الجيش بما يجب تحقيقه، ويهاجمونه عندما يكون الجواب لا. الجيش لم يعد المؤسسة التي تضع سقف الطموح، بل أصبح مطالبًا بجعل النتيجة السياسية المرغوبة ممكنة، ثم يُلام عندما تصبح حدود القوة مرئية. هذا ليس تعديلًا طفيفًا في الأسلوب، بل هو انقلاب بنيوي في الشراكة القديمة.
النتيجة هي حالة أعمق من عدم اليقين حول السلطة. في حملة قصيرة، يمكن ترك سؤال من يقود الحرب فعليًا دون إجابة. أما في حرب طويلة، يصبح هذا السؤال لا مفر منه. هل المسؤولية النهائية تقع على رئيس الوزراء أم مجلس الوزراء الأمني أم وزير الدفاع أم رئيس الأركان؟ كل إجابة مختلفة تنتج استراتيجيات مختلفة، ودرجات مختلفة من تقبل المخاطر، وجداول زمنية مختلفة لإنهاء القتال. وعندما تكون هذه الإجابات محل نزاع علني، تتضرر تماسك عملية اتخاذ القرار، وتضيع وضوح ما يُطلب من الذين ينفذون هذه القرارات.
الآثار العملية لذلك أصبحت ملموسة. أصبح وضع أهداف مشتركة أكثر صعوبة، والوصول إلى نهاية يمكن أن يقبلها القادة السياسيون والعسكريون معًا أصبح أصعب، واحتمال وجود استراتيجية واحدة دائمة أصبح أقل. هذه ليست مشاكل شخصية، بل مشاكل نظام يخضع لضغط مطول. الدولة التي اعتمدت يومًا على المكانة المهنية لجيشها لتحديد الحدود الواقعية للطموح السياسي، تجد نفسها الآن أمام سياسيين يطالبون بنتائج يُتوقع من الجيش أن يحققها فقط، بينما الجنود وجنود الاحتياط وعائلاتهم يواصلون تحمل العواقب البشرية.
قد يبدو الخلاف العلني بين وزير الدفاع ورئيس الأركان، على السطح، جولة أخرى من الصراع الشخصي أو الحزبي. لكن الأفضل فهمه بوصفه أحدث تعبير عن سؤال أكبر رافق إسرائيل منذ السابع من أكتوبر: عندما تمتد الحرب لسنوات لا لأسابيع، من يقرر أخيرًا ما هو ممكن؟ هل هو السياسي الذي يعتمد بقاؤه على إظهار السيطرة، أم الجنرال الذي يعتقد أنه يفهم حدود القوة العسكرية؟ الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط العلاقة بين الحكومة والجيش، بل أيضًا الطريقة التي ستنتهي بها هذه الحرب، واللحظة التي ستنتهي فيها، والثمن البشري الذي سيُدفع حتى ذلك الحين.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة.