بداية عام جديد في غزة: هل ستعود الحياة إلى القطاع؟ أخبار النزاع الإسرائيلي الفلسطيني

غزّة — طوال العامين الماضيين توقفنا عن عد الفصول والأيام وقياس الزمن؛ فقد تبدّدت الحياة التي عرفناها قبل أن يندلعُ هذا الحرب الإبادة الإسرائيلية.

لم تعد الأيام أيامًا؛ تصير متوالية تتداخل فيها ألوان المعاناة، ونرتشف كؤوسًا مرَّةً واحدة تلو الأخرى، إلا الكأس الذي يعيد لنا حياتنا.

نشاهد العالم يكتب عن نهاية 2025 ويفتح صفحةً بيضاء لاستقبال العام الجديد، بينما بالنسبة لنا بداية عامٍ جديدٍ تعني دخولنا السنة الثالثة للحرب وما يتركه من أثر. كأن لغزّة تقويمها الخاص منذ بدء المجزرة.

حمل الدموع والذهول

من نجا من هذا العام على قيد الحياة، بقي جسدُه، أمّا روحه فطُمست، وتبدَّت آثار ذلك على وجوه النساء والرجال الذين شُرِّدوا لِمدَّة عامين.

في مطلع 2025 رجعنا إلى شمال غزّة محمّلين بدموعنا وذهولنا، عدنا إلى بيوتنا المدمرة التي عشنا فيها حياتنا كلها. في هدنة يناير ظننا أن الحرب انتهت وأن بإمكاننا أن نبدأ من جديد. لكننا أخطأنا؛ بعد ستِّة أسابيع فقط، بينما كان الناس يحاولون التكيُّف مع حياة ما بعد الحرب في الشمال، عادت الحرب أكثر وحشيّة.

في منتصف مارس أيقظتنا أصوات القنابل — صوت لم يفارقنا مطلقًا — لكن هذه المرّة أضافت إسرائيل سلاح الجوع، وقطعت كل دخول، حتى المساعدات.

هكذا تتابع: حرب، قصف، دم، جوع، وسباق دائم لتأمين لقمة واحدة. مرت علينا مواسمُ رخاءٍ ونحن محرومون؛ أياد العيد ومواسم الاحتفال عادت خالية من الموائد. لا بسكويت للأعياد، لا قهوة، لا شوكولاتة. لا شيء.

اقتصر الناس على تقديم الماء، وتوقَّف بعضهم عن استقبال الزوّار ليُخفي فقره. في عيد هذا العام كانت رفوف السوبرماركت فارغة منذ أشهر. بائعٌ فرش طاولةً عليها أصابع حلوى رقيقة صنعتها زوجته في البيت من سكر وسمسم ودقيق؛ بيعت القطعة الصغيرة بعشرة شيكل (نحو ثلاثة دولارات).

يقرأ  إسرائيل تطلب من الطواقم الطبية الاستعداد لإخلاء مدينة غزة

لم أكن مستغربة؛ فقد صار السكر والدقيق أثمن من الذهب، يُباعان بالجرام. ذلك اليوم تجولت أنا وأولادي من بيتٍ إلى بيتٍ بحثًا عن أيّ علامة احتفال. فوجئتُ بنفسي لأنني تمنيت، حتى لو خفيًا، أن يغيّر العيد شيئًا، أن يدخل الطعام إلى هنا. لكني قلت لنفسي: ما قيمة العيد في غزّة؟ لا شيء يتغير؛ هو يومٌ آخر من نفس الواقع: سماءٌ ملأى بالقنابل وأرضٌ محرومة من الفرح.

قررتُ ألا أزور أهلي في الشمال في العيد وعدتُ إلى البيت. لم يكن السبب فقط أني وقفت عند زاوية شارع لأكثر من ساعة ونصف أبحث عن سيارة أو حتى عربة تجرها الأحصنة تأخذنا شمالًا، بل لأنني شعرتُ أن الفرح مات مهما حاولتُ. عدتُ مكسورةً، وأولادي يتبعونني.

كان لديّ ما يكفي من المال لشراء ثياب جديدة لهم، لكن كل أموالي لم تشترِ لهم بسكوتة. خرَجتُ على أريكة البيت منهكةً، أتساءل عن الغضب الذي أُطلق علينا في غزّة بينما بقي العالم يحتفل والعطش والجوع ينهشاننا.

مرور الأيام

مع مرور الأيام استنزفنا الزمنُ نفسه. يومًا بعد يوم بدأ يفقدني الشغف بالعمل وبالكتابة وبالاستماع إلى حكايات الناس. ما الجدوى من أن أروي قصص الجوع بعد أن اعتاد العالم على عظامنا البارزة؟ وما الجدوى من تغطية مجزرة لا تنتهي؟

لم يعد عندي طاقة. كان يخطر لي موضوعٌ للكتابة، فتعيدني نفسي إلى حفظ ما تبقّى من طاقة. اختزلت أيّامي في عدّ مقدار الدقيق والأرز والسكر المتبقي. أطبخ العدس على نارٍ مفتوحةٍ تدخنُ من أجلي ومن أجل أولادي. أقلق على آخر الخمائر، وأبحث عن حطب، وأحلم بفنجان قهوة كأنه سراب، وأتصفح صور الموائد التي كانت عامرةً يومًا.

رأينا ناسًا يموتون من أجل كيس دقيق أو طرد غذائي، وتجمّعاتٍ في الليل تتجه إلى نقاط توزيع المساعدات. طوال الحرب لم أتوقف عن التفكير بالمغادرة، لكن الدوافع صارت أكثر حِدّةً؛ حلمتُ أن أصطحب أولادي إلى مكان يأكلون فيه ما يشاؤون.

يقرأ  «يمكنكم أن تفعلوا أي شيء»عرض جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة في فيلم وثائقي بريطاني

أريد أن أُعنون كل هذا الإذلال والمعاناة في ذاكرتي: «كي لا ننسى». كيف أنسى وقد ما زلت أقبض صدري كلما مررتُ أمام كشكٍ مليءٍ بالخضار والفاكهة، وتخطف أنفاسي وأنا أدعو أن يدوم هذا النِعَم؟ كيف أنسى صدمتي في أواخر سبتمبر عندما دخلتُ سوبرماركت فرأيت رفوفًا مملوءةً بالطعام فصرتُ أشتري بجنون؟ أخذتُ قطعةً من كل شيء: معلبات، شوكولاتة، رقائق بطاطس، جبنة كريمية، دقيق، بقوليات. شعرتُ أنني أحمل كنوزًا حتى لو كان السعر مضاعفًا.

منذ ذلك الحين، كلما دخلتُ إلى متجرٍ يغلب عليّ القلق والخوف والإرهاق؛ أشتري ما أحتاجه وما لا أحتاجه. الطعام صار أكثر توافُرًا، ومع ذلك يخبرني عقلي أن هذا الوفرة لن تدوم. صِرنا مبرمَجين على الحرمان والرفوف الخاوية وانقطاع السلاسل الإمدادية.

الجوع، السلاح الذي لم نتوقعه في غزّة، ترك جرحًا عميقًا؛ إحساسًا دائمًا بأن الطعام سيزول. لا أستطيع أن أقول إنني أكره الطعام، لكني أكره الرعب المصاحب له. يعود نفس الشعور مع كل إغلاق بابٍ بقوة، أو كل تهويطة سجادة، أو صوت شاحنةٍ تمر، أو طلقٍ ناري. كلُّ ذلك يُلقي بنا في حالة طوارئ دائمة، ننتظر دويّ صاروخ.

الإنجازات

في الليلة الماضية، قبل نهاية العام بقليل، كنت أمزح مع والدي وإخوتي الذين لجأوا إلينا منذ أيلول، حين أجبرت إسرائيل الناس على الخروج من الشمال.

رغبنا في تقليد موضة “الإنجازات” على وسائل التواصل، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء حول قالب كعك، يُضيء كلٌّ منهم شمعة ويُعلن إنجازًا حققه خلال العام.

بدأنا — من دون كعكة — تحت أضواء LED الخافتة، لأن التيار قُطِع منذ شهور.

عندما جاء دوري قلت إن أعظم إنجاز لي هذا العام هو أنني احتفظتُ بقواي العقلية والنفسية.

يقرأ  بعد هجمات روسية على شبكات الطاقة، تفرض أوكرانيا انقطاعات كهربائية في معظم المناطق

لم أنهِ جملتي حتى انفجرو ضاحكين.

“من قال لكِ إن ما زالت لديكِ قوى عقلية ونفسية؟” اختنقت أختي ضحكًا وهي تقول ذلك.

صمتُّ، مذهولةً من ردة فعلهم، ثم ضحكت معهم عندما أدركت ثِقل ما قلت.

ما هذا يا مرام؟ أي نفس أو أي عقل؟ استغفرِ الله يا مرام.

بعد ما ذكرتِ أعلاه، وما لم تذكريه، وبعد كل ما لن تذكريه أبدًا، هل بقي موضع للحديث عن توازن نفسي وعاطفي؟

كانت هذه أصدق خاتمة لهذا العام.

خاتمةٌ فهمتُ فيها تمامًا حدود قواي وأنني بلغتُ نهاية قدرتي، ومع ذلك تمكنت — بطريقة ما — من المضي قدما.

هذا ليس تحديًا ولا صمودًا بطوليًا. البقاء المطوَّل في هذه الحال يُقوِّض النفوس والعقول.

يومًا بعد يوم تتآكل إنسانيتنا أكثر فأكثر حتى نصبح غير صالحين للحياة، مهما مرت السنوات.

أضف تعليق