بعد سد النهضة.. هل تستطيع مصر تشكيل سدود النيل الإثيوبية المقبلة؟

مصر تعتمد في ردّها على مشاريع السدود الإثيوبية الجديدة في النيل الأزرق على الدبلوماسية والضغط الدولي والتعاون مع السودان، بدلاً من محاولة منع البناء بشكل مباشر. لكن تجربة سد النهضة الكبير كشفت حدود النفوذ المصري.

إحياء مشاريع كرادوبي ومنديا وبيكو أبو المخطط لها على النيل الأزرق سيختبر ما إذا كانت مصر تستطيع تحويل أكثر من عقد من المعارضة إلى نفوذ فعلي في طريقة إدارة إثيوبيا للنهر.

هذه المشاريع نوقشت منذ سنوات. دراسة أكاديمية صدرت عام 2024، واستندت إلى أعمال في إطار مبادرة حوض النيل، ذكرت المشاريع الثلاثة ضمن مشاريع النيل الأزرق المقترحة، وأشارت إلى أن كرادوبي وبيكو أبو اعتُبرا بديلين في أحد التشكيلات المحتملة لثلاثة سدود.

الجديد هو أن إثيوبيا أعلنت مؤخراً أنها تتحرك للدفع بهذه المشاريع. ففي مارس/آذار، أعلنت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية خططاً لتنفيذها، وفق ما ورد في تقارير لاحقة. وقدرت الطاقة التوليدية المجمعة لهذه المشاريع بنحو 5700 ميغاواط، لكن هذه الأرقام والمواصفات قد تتغير لأن المشاريع ما تزال في مرحلة التخطيط.

وجاء هذا الإعلان بعد شهور قليلة من تدشين إثيوبيا سد النهضة في سبتمبر/أيلول 2025، رغم سنوات من الاعتراض المصري.

### لماذا تريد إثيوبيا المزيد من السدود؟

بالنسبة لإثيوبيا، تطوير النيل الأزرق مرتبط بتوليد الكهرباء والنمو الاقتصادي وأمن الطاقة. وتقول أديس أبابا إن التوسع في الطاقة الكهرومائية ضروري لبلد حُرم ملايين من سكانه تاريخياً من الحصول على كهرباء موثوقة.

المشاريع الثلاثة تندرج ضمن هذه الاستراتيجية الأوسع. لكن تأثيرها النهائي على مصر والسودان سيعتمد على ما تبنيه إثيوبيا، وكيفية تشغيل هذه المنشآت.

يقول إيزكيل غبيسا، الأستاذ الإثيوبي في جامعة كيترينغ الأمريكية، إن العواقب ستعتمد على حجم المشاريع والغرض منها. فالسدود الأصغر يمكن أن تولد الكهرباء للمجتمعات المحلية دون خفض كبير لكمية المياه التي تصل إلى دول المصب، في حين أن المشاريع المرتبطة بالري واسع النطاق قد تكون لها آثار أكبر على مصر والسودان.

يقرأ  محكمة في مالي تقضي بسجن رئيس الوزراء السابق مارا بعد منشور على الإنترنت يؤيّد السجناء السياسيين

التأثير سيعتمد أيضاً على عوامل مثل حجم الخزان، وجداول الملء، وكميات المياه المطلقة، وقواعد التشغيل. فالسد المخصص أساساً لتوليد الكهرباء تختلف نتائجه عن السد المرتبط بمشروع ري كبير.

في الوقت الحالي، تمثل هذه المشاريع مصدر توتر محتملاً، وليس دليلاً على أنها ستقلص المياه التي تصل إلى مصر.

### لماذا تشعر مصر بالقلق؟

بالنسبة لمصر، النيل هو المصدر الرئيسي للمياه العذبة في البلاد. وأي تغيير كبير في أعلى النهر يُنظر إليه من زاوية الأمن القومي.

قلق القاهرة ليس من توليد إثيوبيا للكهرباء، بل مما يحدث عندما يتم تخزين المياه وإدارتها في أعلى النهر، خاصة خلال فترات الجفاف. لذلك دفعت مصر من أجل قواعد تحكم تشغيل السدود، وإدارة الجفاف، وإطلاقات المياه، وتبادل المعلومات.

في سبتمبر/أيلول الماضي، أثارت مصر القضية مجدداً في مجلس الأمن الدولي، مؤكدة أن تدشين إثيوبيا سد النهضة وتشغيله ينتهك التزاماتها الدولية، ودعت إلى اتفاق ملزم. لكن هذه كانت المواقف القانونية والسياسية المعلنة من جانب مصر، وليست خلاصات صادرة عن المجلس.

يعكس النزاع أولويتين مختلفتين: إثيوبيا تعامل النيل الأزرق كمورد للتنمية، بينما تسعى مصر للحصول على ضمانات بشأن تدفقات المياه التي تعتمد عليها.

### ماذا غيّر سد النهضة؟

سد النهضة أظهر مدى استراتيجية مصر الدبلوماسية وحدودها في الوقت نفسه.

دشنت إثيوبيا السد في 9 سبتمبر/أيلول 2025، بعد سنوات من المفاوضات مع مصر والسودان لم تصل إلى الاتفاق الملزم الذي أرادته القاهرة. المشروع الذي تبلغ تكلفته نحو 5 مليارات دولار، ومولته إثيوبيا في معظمه بنفسها، تبلغ قدرته التوليدية نحو 5150 ميغاواط، وأصبح جزءاً رئيسياً من نظام الكهرباء الإثيوبي.

بالنسبة لمصر، كان الدرس واضحاً: الضغط الدبلوماسي يمكن أن يرفع الانتباه الدولي، لكنه لم يستطع منع إثيوبيا من إكمال المشروع.

يقرأ  مجلس الشيوخ الأمريكي يمرّر قرارًا يقيّد صلاحيات الحرب ضد إيران — صفعة لترامب

لذلك تحول التركيز الآن. فبدلاً من محاولة وقف سد واحد، تسعى القاهرة إلى أن يكون لها دور في كيفية تصميم وملء وتشغيل المشاريع القائمة والمستقبلية.

### دور السودان

يبقى السودان عنصراً أساسياً في النهج المصري، لأنه يقع بين إثيوبيا ومصر ويتأثر مباشرة بما يحدث على النيل الأزرق.

لكن الخرطوم ليست محاذية ببساطة للقاهرة. فالسودان قد يستفيد من تدفقات نهرية أكثر انتظاماً ومن الكهرباء الإثيوبية، بينما يسعى في الوقت نفسه إلى مزيد من الشفافية وتبادل المعلومات والضمانات حول المشاريع المقامة في أعلى النهر.

يقول مكي المغربي، الخبير السوداني في الحوكمة، إن الشفافية من جانب إثيوبيا هي نقطة البداية للتعاون. ويضيف: “يجب على إثيوبيا أن تشارك السودان ومصر مزيداً من المعلومات؛ فالشفافية هي الخطوة الأولى نحو التعاون. ومن يعرف إن كانت المشاريع الجديدة جيدة أم سيئة للسودان في غياب معلومات كافية؟”

ويرى المغربي أن على السودان أن يسعى إلى التعاون مع كل من إثيوبيا ومصر لضمان ألا تلحق المشاريع الكبيرة الضرر بمصالحه. لكن قدرة السودان على لعب دور دبلوماسي أكبر مقيدة بالحرب المستمرة فيه.

وبينما يشارك السودان مصر في بعض المخاوف، فإن له علاقته الخاصة مع إثيوبيا، وأولوياته الخاصة، بما في ذلك الوصول إلى الكهرباء والإدارة الفعالة للنهر.

### ما النفوذ الذي تملكه مصر؟

تقوم استراتيجية مصر على الدبلوماسية والضغط الدولي والتعاون مع السودان، بهدف دفع إثيوبيا نحو مزيد من الشفافية وقواعد متفق عليها.

تجربة سد النهضة تُظهر أن أقوى أدوات القاهرة سياسية ودبلوماسية وليست قسرية. يمكنها لفت الانتباه الدولي، والبحث عن دعم من شركاء إقليميين، والضغط من أجل اتفاقيات حول تبادل البيانات، وإدارة الجفاف، وتشغيل السدود.

التحدي أن هذه الأدوات لن تمنح مصر على الأرجح القدرة على منع إثيوبيا من تنفيذ مشاريع كهرومائية جديدة، أو التحكم في القرارات التي تتخذها أديس أبابا.

يقرأ  بعد العرض العسكري الكبير في بكين: شي جينبينغ وكيم جونغ أون يعقدان مباحثات

يقول عبد الوهاب شيخ، المحلل المختص بالقرن الأفريقي، إن مصر تملك “نفوذاً حقيقياً لكنه محدود” على إثيوبيا. وأوضح أن أقوى أدوات القاهرة هي الدبلوماسية والتحالفات والقانون الدولي والتنسيق مع السودان، في حين أن الضغط الاقتصادي أضعف، والخيار العسكري ينطوي على مخاطر كبيرة.

مشاريع النيل الأزرق الثلاثة ستختبر ما إذا كانت مصر قادرة على تحويل الضغط الدبلوماسي إلى نفوذ عملي. وبالنسبة لشيخ، فإن الطريق إلى الأمام يمر عبر قواعد متفاوض عليها لا عبر المواجهة.

“ترتيب عملي ممكن إذا قبلت إثيوبيا ومصر والسودان تبادل المعلومات بشفافية، والإخطار المسبق، وقواعد تكيفية لإدارة السدود، وآليات لمعالجة الجفاف والآثار على دول المصب.”

أضف تعليق