ميرلين توماس، بنديكت جارمان وسيباستيان فانديرميرش — بي بي سي فيريفاي
تحليل لفيديوهات جديدة تكشف أنّ مستشفى النصر في جنوبيّ غزة تعرّض لعمليات استهداف لا تقلّ عن أربع مرّات خلال الهجوم المميت يوم الاثنين.
أظهرت تحقيقات بي بي سي فيريفاي أن الهجوم، الذي أثار إدانات دولية وغضباً واسعاً، أسفر عن مقتل ما لا يقلّ عن عشرين شخصاً، من بينهم خمسة صحفيين. التقارير الأولى من غزة ذكرت أن المستشفى تلقّى ضربة مرتين؛ الأولى تلتها انفجار ثانٍ بعد تسع دقائق أصاب العاملين في الطوارئ والصحفيين الذين وصلوا إلى المكان. لكن التحليل الجديد يشير إلى أن عدد الضربات كان أربعاً إجمالاً.
أظهرت فحوصات الخبراء ومواد الفيديو أن موجة الاستهداف الأولى أصابت سلمين خارجيين تقريباً في آن واحد، بينما ما اعتُبر لاحقاً ضربة واحدة متأخرة اتضح أنه ضربتان منفصلتان أصابتا نفس النقطة في غضون أجزاء من الثانية. لم تسمح إسرائيل للصحفيين الدوليين بدخول غزة بشكل مستقل؛ وحدّدت بي بي سي الضربات الإضافية عبر تحليل عشرات الفيديوهات التي زوّد بها مصوّر مستقل ومشاهدات بصرية تداولتها وسائل التواصل.
في الحادثة الأولى أصابت ضربة إسرائيلية السلم الخارجي على الجانب الشرقي للمستشفى في الساعة 10:08 بالتوقيت المحلي (07:08 بتوقيت غرينتش)، ما أدى إلى مقتل الصحفي حسّام المصري الذي كان يدير بثاً مباشراً لوكالة رويترز. كما حدّدت بي بي سي مفجراً آخر لم يبحَ عنه سابقاً عند سلم جناح شمالي تقريباً في نفس التوقيت، والذي طغت التغطية الإعلامية عليه بسبب ما سُمّي «الضربة المزدوجة» على السلم الشرقي.
تُبيّن لقطات جديدة تصاعد الدخان والأضرار عند السلمين، بينما أفاد العاملون في الطوارئ بأن قسم العمليات في المستشفى تعرّض للضرر. وتظهر مقاطع أخرى شخصاً مجروحاً يُحمل نزولاً على السلم الشمالي، ومدير التمريض بالمستشفى حاملاً ملابساً ممزقة وملطخة بالدماء قال إنها كانت على ممرّضة تعمل في قسم العمليات حين أصابه القصف. وقد وصف ن. ر. جنزن-جونز، مدير شركة أرمامنت ريسيرتش سيرفيسز المتخصّصة في استخبارات الأسلحة والذخائر، الأضرار الداخلية الظاهرة في اللقطات بأنها «متناسقة مع munition صغير نسبياً، بما في ذلك فتحة دخول توحي بمسار طائرة مسطح نسبياً».
بعد نحو تسع دقائق، بينما تجمّع عشرات من المستجيبين الأوائل والصحفيين على السلم الشرقي، استُهدف المستشفى مرة أخرى. التحليل إطاراً بإطار للقطات التي ظهرت حديثاً يوضّح بجلاء أن مشروعَيْن منفصلَيْن أطلقتهما قوات إسرائيلية أصابا السلم المكشوف حيث كان يتجمّع الصحفيون والعاملون في الطوارئ، بفارق ميلي ثانية بينهما.
اختلطت آراء الخبراء بشأن نوع الذخائر المستخدمة في الضربتين الثالثة والرابعة. بعض محللي الذخائر الذين اطلعتهم بي بي سي فيريفاي على المواد حدّدوا القذائف بأنها صواريخ «لاهت» الموجّهة، وهي ذخائر يمكن إطلاقها من دبابات وطائرات بدون طيار ومروحيات. واقترحت عدة وسائل إعلام إسرائيلية أن الذخائر المستخدمة ضد المستشفى أُطلقت من دبابات إسرائيلية متمركزة قرب المكان.
أشار المحلّلون الذين تحدّثوا إلى بي بي سي إلى أن الضربتين لا يمكن أن تكونا ناجمتين عن دبابة واحدة فقط بسبب السرعة التي تتابعت بها الانفجارات. «لو أن هذه الصواريخ اللاهت أُطلقت من الأرض، فسيكون قد شارك على الأقل دبابتان، إذ أن الفاصل بين الاصطدامين قصير جدّاً»، قال أمايل كوتلارسكي، محلّل في شركة جينيس للاستخبارات الدفاعية. وأضاف جنزن-جونز أن «تزامن تأثير مشروعين في تقريباً نفس اللحظة يوحي بأن دبابتين قد أطلقتا على الهدف في وقت واحد».
مع أن التعريف النهائي للذخائر غير ممكن حسمه قطعيًا، فإن الخصائص الفيزيائية الظاهرة ونمط المسار «تشير إلى قذيفة مدفع دبابة متعددة الأغراض، مثل النموذج الإسرائيلي M339»، حسب قوله. كما تُظهر صور ملتقطة بالأقمار الصناعية اطلعت عليها بي بي سي تواجد قوات الجيش الإسرائيلي على بعد نحو 2.5 كيلومتر شمال شرق مستشفى النصر وفي نطاق النيران، ويمكن رؤية مركبات مدرّعة أخرى في الجوار.
قالت قوات الدفاع الإسرائيلية إنها لا تملك تعليقاً إضافياً حول الانفجارات التي تم تحديدها مؤخراً عندما تواصلت معها بي بي سي فيريفاي. وقد تطوّر رواية إسرائيل للهجوم منذ يوم الاثنين: في البداية ذكرت أنها نفّذت ضربة في منطقة المستشفى، معربة عن «الأسف لأي ضرر لمدنيين غير معنيين» وأن تحقيقاً أولياً سيفتتح بأسرع ما يمكن، دون تقديم مبرّر للعملية. في الساعات التالية قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن إسرائيل هي المسؤولة وأنها «وياسف بشدة للحادث المأساوي» (ترجمة لتصريح نُقل عنه).
في اليوم التالي أعلنت قوات الدفاع الإسرائيلية أن تحقيقاً أولياً وجد أن الجنود حدّدوا وجود كاميرا وضعتها حركة حماس في محيط المستشفى «لاستخدامها في مراقبة تحرّكات قوات الجيش»، من دون تقديم أدلة مرافقة. ولم تعترف القوات حتى الآن بوجود أكثر من ضربة واحدة ضد المستشفى، فيما وجه بعض الخبراء القانونيين الدوليين اتهامات بأنها ربما انتهكت القانون الدولي.
يحظر الاتفاق الرابع لجنيف شنّ هجمات متعمدة على مدنيين تُعد «زائدة بالمقارنة مع المصلحة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة». وقالت البروفيسورة جانينا ديل من جامعة أكسفورد: «يجب على مُنفّذ الهجوم أن يتوقع سقوط عشرات الضحايا المدنيين عندما يكون المستشفى ممتلئاً بأشخاص محميين». وأضافت أن «وجود معدات تعود إلى خصم لا يعني بذاته فقدان المنشأة الطبية حالتها المحمية بموجب قوانين الحرب».
وفقاً للأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 247 صحفياً في غزة منذ 7 أكتوبر 2023، ما يجعل هذا النزاع الأعنف على الإطلاق من حيث خسائر العاملين في الصحافة. وشنت إسرائيل حملة عسكرية واسعة في غزة رداً على هجوم قادته حركة حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص وأسر 251 آخرين. وتقول وزارة الصحة التابعة لحماس إن نحو 62,900 شخصاً قُتلوا في غزة خلال الفترة نفسها.