منذ اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل قوات خاصة أميركية، تعهد الرئيس دونالد ترامب باستثمارات أمريكية في حقول النفط الفنزويلية التي تعاني من قلة الإنتاج.
«سندفع بشركات النفط الأمريكية الكبرى، الأضخم في العالم، للدخول إلى هناك، وإنفاق مليارات الدولارات، وإصلاح البنية التحتية المتهاوية لقطاع النفط، وبدء جني الأرباح للبلاد»، قال ترامب في مؤتمر صحفي بمار‑أ‑لاجو في الثالث من يناير.
كرر هذا الطرح يوم 4 يناير لصحفيين على متن «إير فورس ون»، قائلاً: «ستكون هناك استثمارات ضخمة من شركات النفط لإعادة البنية التحتية. شركات النفط جاهزة للانطلاق».
لكن هل هي كذلك فعلاً؟ الواقع أقل يقيناً مما يصور ترامب.
عندما طالب الصحفيون بتفاصيل ملموسة عن حجم وطبيعة هذه الاستثمارات، امتنع ترامب عن تقديمها. وفي مقابلة على برنامج This Week لشبكة ABC يوم 4 يناير، كرر وزير الخارجية ماركو روبيو التفاؤل قائلاً إنه يتوقع «اهتماماً دراماتيكياً من الشركات الغربية» من دون أن يقدم أسماء أو تفاصيل.
وعندما تواصلت وسائل الإعلام مع البيت الأبيض للتعليق، أخبرت ادارة بوليتي فكت أن الإدارة أجرت «محادثات مع عدة شركات نفطية»، من دون تسمية أيّ منها. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز: «كل شركات النفط الأمريكية جاهزة ومستعدة للقيام باستثمارات كبيرة في فنزويلا لإعادة بناء بنيتها النفطية».
من جهتها، قالت الجمعية الأمريكية للبترول، وهي أعرق جهة تمثل قطاع النفط في الولايات المتحدة، في بيان لبوليتي فكت إنها «تتابع التطورات عن كثب». وأوضحت أن قرارات الاستثمار تتخذ عادةً على أساس الاستقرار، وسيادة القانون، وقوى السوق، والاعتبارات التشغيلية على المدى الطويل.
ورد متحدث باسم شركة كونوكو فيليبس برد مماثل حسب تقارير إعلامية، مفاده أن الشركة «ترصد التطورات»، وأنه «من السابق لأوانه التكهن بأنشطة أو استثمارات مستقبلية».
حذر خبراء بوليتي فكت من أن هناك أسباباً وجيهة للحذر حيال احتمال تدفق استثمارات خاصة واسعة النطاق إلى بنية النفط الفنزويلية. رغم أن احتياطيات فنزويلا النفطية تُعد الأكبر في العالم، فإن عقبات كثيرة تقف في طريق الاستثمارات، بينها تكاليف تأسيسية مرتفعة لإعادة بناء البنى التحتية، وربحية محدودة في ظل أسعار نفط منخفضة، ومخاوف مستمرة بشأن الاستقرار السياسي.
«لا أرى مبرراً اقتصادياً قوياً لشركة مقرها الولايات المتحدة لتستثمر مليارات الدولارات على مدى سنوات أو عقود في محاولة تحقيق أرباح من النفط الفنزويلي»، قال هيو دايغل، أستاذ هندسة البترول والنظم الجيو‑مكانية بجامعة تكساس في أوستن.
وقال باتريك دي هان، رئيس قسم تحليل النفط في تطبيق GasBuddy لأسعار البنزين، إن غموض مسألة الحكم في فنزويلا سيقيد حماسة الشركات النفطية. «من غير المرجح أن تتهافت شركات النفط على استثمار مليارات الدولارات وتحمل المخاطر حتى تتضح صورة النظام الفنزويلي،» وأضاف: «لا أعتقد أن ذلك سيحصل قريباً، وربما لن يكون لذلك إلا أثر ضئيل لسنوات، وحتى عند حدوثه فقط إذا سارت الأمور على نحو صحيح تماماً».
ما هي إيجابيات استثمارات شركات النفط في فنزويلا؟
غادرت شركات مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس فنزويلا بعد أن شرع هوغو تشافيز، سلف مادورو، بتأميم قطاع النفط عام 2007. وتظل شيفرون الشركة الأمريكية الكبرى الوحيدة التي ظلت تنتج بصورة متواصلة في السنوات الأخيرة.
كيف تُفتح الموارد المؤممة وطنياً والمخضبة في بعض الأحيان بعقوبات دولية سيحدد من سيجني الفوائد، وفق ما يقول كينيث جلينغهام، أستاذ اقتصاد البيئة والطاقة في جامعة يل.
لو فُتحت السوق حصرياً أمام كبريات الشركات الأمريكية، فستكون الفائدة من نصيب تلك الشركات بصورة أساسية، لكن مكاسبها ستكون أقل إذا فُتحت السوق أيضاً أمام شركات غير أمريكية، بحسب جلينغهام. وقد يستفيد السائقون الأمريكيون من زيادة الإنتاج التي قد تخفض الأسعار محلياً، لكن ذلك يعتمد بشكل كبير على عوامل السوق العالمية.
قد تجذب فنزويلا بعض الشركات لأنها تتيح تنويع الاستثمارات، بحسب سكيب يورك، زميل في مركز دراسات الطاقة بجامعة رايس. الخام الفنزويلي أثقل مقارنة بالخام في كثير من الدول؛ هذا يعني أن الاستخلاص يستغرق وقتاً أطول، لكن الحقول، حال تشغيلها، يمكن أن تنتج لفترات ممتدة. والقطاع التكريري الأمريكي يتضمن جزءاً مخصصاً لمعالجة الخام الثقيل، لذا فإن توفير إمداد ثابت من الخام الفنزويلي قد يحافظ على عمل هذه المصافي. أشار روبيو إلى هذه الفرصة في برنامجه.
إذا عادت فنزويلا إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي، قال يورك، «يمكن توقع عوائد تتراوح بين 15 و20 في المئة، ما قد يكون منافساً لفرص تطوير أخرى».
العقبات القائمة أمام شركات النفط الأمريكية
حدد خبراء النفط عدة تحديات تحول دون تحقيق أرباح كبيرة من الاحتياطيات الفنزويلية:
– تكلفة إنشاء أو إصلاح البنية التحتية ستكون كبيرة. «قطاع النفط الفنزويلي مأمون بقيد التأميم لعقود وعانى من نقص الاستثمارات، الأجنبية والمحلية على حد سواء»، قال دايغل. ستكون هناك حاجة لاستثمارات جديدة لتحديث المنشآت والعمليات، من دون ضمانات للعائد.
– الوضع السياسي في فنزويلا لا يزال غير مستقر. «قلّة من الشركات ستسارع لدخول بيئة تفتقد الاستقرار»، قال علي موشيري، الذي كان يقود عمليات شيفرون في فنزويلا حتى 2017 ويشغل الآن شركة نفط خاصة تعمل هناك، لصحيفة نيويورك تايمز.
– على الأقل، تحتاج البلاد إلى إطار قانوني نفطي جديد، وفق يورك. وحتى بعد حل القضايا القانونية والمالية، سيستغرق «سنين لإعادة تأهيل البنى التحتية وحفر آبار جديدة».
– أسعار النفط منخفضة. يمكن أن تبرر التكاليف الأولية العالية والمخاطر السياسية إن كانت أسعار النفط مرتفعة بما يكفي، لكنها حالياً منخفضة نسبياً. منذ تولي ترامب الرئاسة تراجع سعر خام النفط تقريباً بنسبة ربع.
«مع أسعار النفط قرب أدنى مستوياتها خلال سنوات، من غير المرجح أن تندفع شركات النفط لإنفاق أموال في فنزويلا قد تُزيد من هبوط الأسعار»، قال دي هان.
ويبدو أن نفور الشركات عن بذل الإنفاق لتوسيع الإنتاج يظهر بالفعل داخل الولايات المتحدة من خلال تقلص جهود الحفر. فعدد منصات الحفر النشطة أسبوعياً في الولايات المتحدة أظهر تراجعاً بنسبة 16% منذ ذروة أبريل الأخيرة. فإذا كانت الشركات غير متحمسة للإنفاق على حفر آبار جديدة داخل بلد تتمتع ببنية تحتية قائمة واستقرار سياسي نسبي، فالأمر يثير الشك في استعدادها للالتزام الكامل في فنزويلا.
– الأهمية البعيدة الأمد للنفط مرتبطة بمستقبل السيارات الكهربائية. «إذا استمر استهلاكنا الكبير للنفط وبقيت الأسعار مرتفعة، فمن المحتمل أن يستعيد الداخلون الجدد في فنزويلا استثماراتهم مع الوقت»، قال جلينغهام. «لكن إذا استمرت السيارات الكهربائية في الانخفاض السعري وانتشرت على نطاق واسع في الولايات المتحدة والعالم، فسيُضغط ذلك على أسعار النفط ويقلل احتمال استرداد تكاليف الاستثمار».