أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيراً صارماً لمقاولي الدفاع المتعاقدين مع الجيش، متّهماً إياهم بجني أرباح مفرطة على حساب الحاجة الوطنية. وفي منشور طويل على منصته الاجتماعية، طالب الشركات باتخاذ إجراءات محددة فوراً، منها تحديد سقف لأجور التنفيذيين، واستثمار الأموال في بناء مصانع جديدة، وتسريع وتيرة تصنيع المعدات العسكرية.
وصف ترامب تواتر المدفوعات للمساهمين وإعادة شراء الأسهم والتعويضات الضخمة بأنها تمنع تحويل الموارد إلى خطوط إنتاج جديدة وإلى تسليم معدات بالسرعة المطلوبة. ولفت إلى أن الأموال لا يجب أن تؤتى بالاقتراض من مؤسسات مالية أو بالاستناد إلى أموال الحكومة بدلاً من توجيه أرباح الشركات نحو زيادة القدرة التصنيعية.
استهدف ترامب شركة ريثيون بشكل خاص، معتبرها أبطأ الشركات استجابة لاحتياجات وزارة الدفاع وأكثرها تركيزاً على رفاهية المساهمين من تلبية مطالب الجيش. وهدد بقطع العلاقات الحكومية معها — ريثيون المعروفة الآن باسم آر تي إكس — إذا لم تتغير سياساتها بسرعة، علماً أن الشركة تحقق مليارات الدولارات من عقود الدفاع وتلقيت سابقاً عقوداً ضخمة لمدد طويلة.
أشار الرئيس أيضاً إلى عقد بقيمة 50 مليار دولار مُنح لشركة واحدة لمدة عشرين عاماً لتوريد معدات وخدمات وصيانة للقوات المسلحة، واستنكر أن جزءاً كبيراً من إيرادات الشركات يذهب لتوزيعات أرباح وإعادة شراء أسهم بدل إعادة الاستثمار في مصانع ومعدّات جديدة.
ركز ترامب على قضية الأجور التنفيذية، مقترحاً ألا يتقاضى أي مسؤول تنفيذي مبالغ تتجاوز خمسة ملايين دولار سنوياً حتى تبنى مصانع جديدة وتتم الارتقاء بالإنتاج. ورأى أن حزم الأجور الحالية “مفرطة ولا مبرر لها” نظراً لبطء تسليم المعدات الحيوية للجيش والحلفاء.
من جهة أخرى، عرض ترامب خطة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى مستوى قياسي، معلناً عزمه طلب دعم نواب الحزب الجمهوري في الكونغرس لرفع المخصصات إلى 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027، مقارنةً بالمستوى المعتاد الذي يقترب من تريليون دولار. وأكد أن الهدف بناء “جيش الأحلام” الذي يوفّر الأمن بغض النظر عن الخصم.
تتراوح عوائد قطاع الدفاع والأنشطة المرتبطة به بين مكونات عدة — من برامج البرمجيات والتدريب إلى الصواريخ والدبابات وقطع الغيار — وتشكّل الإنفاق الدفاعي نسبة معتبرة من الناتج المحلي الإجمالي (نحو 2.7% في 2024). لكن تهديدات ترامب أدّت فوراً إلى هبوط أسهم بعض شركات القطاع وسط حالة من الارتباك حول مستقبل العلاقات بين الحكومة والفاعلين الصناعيين.
منذ عودته إلى السلطة، اتخذت الادارة خطوات مباشرة تجاه شركات خاصة لها أدوار في الأمن القومي؛ على سبيل المثال حصلت الحكومة على “حصة ذهبية” في شركة للصلب تمنحها حقّ تعطيل قرارات هيكلية كبرى، واتّفقت الحكومة كذلك على شراء حصة نسبتها عشرة بالمئة في شركة تكنولوجية كبرى بعد ضغوط رئاسية. كما ركّزت على الاستحواذات في شركات التعدين المرتبطة بالمعادن النادرة والمواد الخام الحيوية لصناعة التكنولوجيا.
يبقى السؤال القانوني عما إذا كانت مطالب ترامب قابلة للتنفيذ قضائياً أو إدارياً بطريقة مباشرة، إذ إن بعض أدوات الضغط متاحة والآخر يخضع لقيود قانونية معقّدة. ومع ذلك، عرض الرئيس لائحة شكاوى شملت بطء تقديم الخدمات والصيانة من قبل المقاولين وتركز الإنفاق على المساهمين بدلاً من المصانع والقدرات الإنتاجية.
نبه ترامب إلى أن بعض شركات القطاع تبذّر في توزيعات أرباح ضخمة وعمليات إعادة شراء أسهم على حساب استثمارات في خطوط الإنتاج والمعدّات، مؤكداً أن هذا الوضع “لن يتم السماح به أو التسامح معه”. ودعا كذلك إلى بناء منشآت إنتاج حديثة ومتكاملة للتجميع والصيانة من أجل ضمان تسليم نماذج جديدة من المعدات العسكرية بسرعة وفعالية.
على سبيل المثال، كشفت بيانات السوق أن إحدى الشركات سجلت مبيعات تفوق ثمانين مليار دولار في 2024، وحصلت على عقد خدمات لتحديث أنظمة الرادار بقيمة تقارب 438 مليون دولار. ورغم ذلك، يرى البيت الأبيض أن جزءاً كبيراً من هذه العوائد يذهب للمساهمين والتنفيذين بدل ترقية البُنى الإنتاجية.
في الختام، يظل التوازن بين حماية الأمن القومي وتشجيع ابتكار القطاع الخاص محلّ توتر؛ وإجراءات ترامب تعكس منحى أكثر تدخلاً من الحكومة في إدارة علاقاتها مع مقاولين استراتيجيين، بينما تظل الآليات القانونية والسياسية لتنفيذ مطالبه موضوع نقاش وجدل مستمرين. المراقبون يتساءلون عما إذا كانت الشركات ستستجيب طوعاً للضغوط أو أن تواجه خطوات تصعيدية من الادارة لتعجيل الاصلاحات الضرورية.