واشنطن، دي.سي. — بعد عام على بداية ولاية دونالد ترامب الثانية، يسعى الديمقراطيون لأن تتحول وعود الرئيس الجمهوري الانتخابية — التعهد بإنهاء الحروب الخارجية والمحور إلى «أمريكا أولاً» — إلى عبئٍ يلاحقهما في صناديق الاقتراع.
لطالما جعل قادة الحزب قضية القدرة على التحمل (التكاليف المعيشية) محور حملتهم للانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر 2026، التي يطمح فيها الحزب المعارض إلى استعادة الغرفتين في الكونغرس من الجمهوريين، وبذلك استعادة السطوة على مراقبة الاستخدام الواسع للسلطة التنفيذية من قبل الرئيس.
حملة الضغوط العسكرية على فنزويلا بزعامة ترامب، والتي بلغت ذروتها حتى الآن في اختطاف نيكولاس مادورو في 3 يناير، إضافة إلى جهوده المتصاعدة للسيطرة على غرينلاند، الإقليم الذاتي التابع للدنمارك، برزت كسلاح قوي في هذا النقاش.
في مؤتمر صحفي عقب عملية مادورو، استخدم تشاك شومر، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ والذي يبلغ من العمر 75 عاماً، لغة شبه ترامبية حين وعد بـ«رسائل لا تكل» حول قضية القدرة على التحمل خلال العام المقبل.
وقال أيضاً: «نحن كديمقراطيين نقاتل لمنع المغامرات العسكرية في فنزويلا ودول أخرى والحروب التي لا تنتهي».
وأضاف شومر: «فالديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ يركزون على خفض تكاليفكم ومعالجة مشكلة القدرة على التحمل. الجمهور الجمهوري بقيادة دونالد ترامب يبدو — لا، هو بالفعل — مركزاً على إنفاق ثرواتنا، ولا قدر الله، أرواحنا في مغامرات عسكرية في الخارج».
وتبنّى كين مارتن، رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية — التي تضع منصة الحزب واستراتيجيته الوطنية ورسائله قبل الانتخابات — نهجاً مماثلاً في بيان صدر عقب عملية فنزويلا.
وقال: «وعد ترامب بالسلام، لكنه جلب الحرب. والآن، ألزم ترامب الولايات المتحدة بإدارة بلد آخر في المستقبل المنظور بينما يدفع الأمريكيون ثمن تغيير النظام».
وكتب شيرود براون، السناتور الديمقراطي السابق عن أوهايو والذي يسعى لاستعادة مقعده في انتخابات خاصة هذا العام، على منصة X: «ينبغي أن نركز أكثر على تحسين حياة سكان أوهايو — لا كاراكاس».
وعود الحملة
من المؤكد أن السياسة الخارجية تقليدياً تُعتبر مسألة ذات تأثير محدود على قرار الناخب في الولايات المتحدة، غالباً ما يطغى عليها هموم محلية أكثر مثل الجريمة والقضايا الاجتماعية، والأهم اقتصادياً: تكلفة المعيشة.
لكن مع سياسة ترامب التي اعتمدت إلى حد بعيد على التعهّد بالابتعاد عن المناورات الدولية عالية المفهوم مقابل تحسين الظروف الحياتية للمواطنين، فإن أي انطباع بمبادرات مكلفة في الخارج يمثل فرصة فريدة للديمقراطيين، وفق ما يرى الاستراتيجي الديمقراطي أرشاد حسن.
قال حسن لـــ«الجزيرة»: «ترامب يعاني الآن من ضعف لأنه غير قادر على ربط ما يقوم به في فنزويلا وغرينلاند بحياة الناخبين اليومية».
وأضاف: «كلما أراد الديمقراطيون التحدث عما يفعله في الخارج، عليهم أن يجعلوه قابلاً للربط بما يراه المواطنون في حياتهم اليومية. هذا الفوضى ليست سيئة لأنها فوضى فحسب، بل لأنها فوضى لا تخدم أحداً ولا شيء».
وبالنسبة للمعارضين، فقد وسع ترامب جدول إنجازاته في المغامرات الدولية في الأسابيع الأولى من 2026، بعد شنّ حملات قصف في اليمن وإيران ونيجيريا والصومال والبحر الكاريبي في عام 2025.
وبقيت أصول عسكرية متواجدة قبالة سواحل فنزويلا في أعقاب اختطاف مادورو في 3 يناير، مع تداول ترامب فكرة استخدام قوات أميركية لتأمين ثروة البلاد النفطية الكبيرة. وقد حذّر خبراء مراراً من أن الاستقرار النسبي تحت قيادة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، النائبة السابقة لمادورو، ما يزال هشاً، مع بقاء احتمال التورط الأعمق مطروحاً بقوة.
وبينما تلاشت التهديدات الموجهة إلى كولومبيا المجاورة، بدا ترامب مصمماً على هدف الإدارة المعلن لإرساء «الهيمنة» الأميركية في نصف الكرة الغربي. وفي مقابلة مع شبكة NBC News نُشرت يوم الاثنين، رفض ترامب مجدداً استبعاد استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند. وفيما بدا تنبيهاً مشؤوماً، أبلغ ترامب زعيم النرويج في رسالة نصية يوم الأحد: «لم أعد أشعر بأنه عليّ أن أفكر في السلام فقط».
حتى حلفاء ترامب الجمهوريين حذروا من أن العدوان العسكري الأميركي نحو غرينلاند قد يقوض حلف الناتو فعلياً، فيما حاول الديمقراطيون الاستفادة من التناقض بين رسائل حملة ترامب وتهديداته تجاه حلفاء مفترضين للولايات المتحدة.
وكتب أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في منشور على X في 6 يناير: «شعب أميركا صوت من أجل القدرة على التحمل في الداخل، لا تهديدات بغزو أقرب أصدقائنا في الخارج».
وأضافت اللجنة: «يتجاهل ترامب مخاوف الأمريكيين بشأن القدرة على التحمل بمغامراته الخارجية، ويزيد الطين بلة بفرض مزيد من الرسوم الجمركية. هذا لن يفعل إلا أن يزيد التكاليف على الشعب الأميركي»، في إشارة إلى تهديدات ترامب بزيادة الرسوم على الدول الأوروبية على خلفية قضية غرينلاند.
من جانبها، سعت إدارة ترامب لربط كل من فنزويلا وغرينلاند بمسائل تكلفة المعيشة، عبر طرح مزاعم مشكوك فيها حول أثر إمكانية وصول الولايات المتحدة إلى النفط الفنزويلي على الأسواق، وطرح خطط بعيدة المدى لاستغلال الموارد الطبيعية غير المستغلة في غرينلاند، التي وصفها ترامب بأنها مسألة حيوية للأمن القومي الأميركي.
امتحان للديمقراطيين؟
بالطبع، مع بقاء أكثر من تسعة أشهر على الانتخابات النصفية، قد يتغير الكثير تحت إدارة اعتمدت ليس فقط سياسات جريئة لصرف الانتباه، بل أيضاً نشرها السريع والمستمر.
غير أن عدة مؤشرات توحي بوجود متاعب متصاعدة لحزب ترامب الجمهوري، الذي انحاز حتى الآن بشكل عام لأجندة الرئيس، بما في ذلك رفضه ممارسة الرقابة البرلمانية على أفعاله العسكرية.
جادل اقتصاديون بأنه رغم بوادر نمو اقتصادي ومعدل بطالة معتدل وتأثير محلي محدود حتى الآن لتعريفات ترامب المتبادلة الواسعة، فإن التفاوت الاقتصادي استمر في الاتساع تحت حكمه.
ولكثيرين من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، لم يتبدل كثير في تجربتهم المعيشية ونفقاتهم اليومية التي تشكل انطباعاتهم عن القدرة على التحمل، وهو ما تنعكسه سلسلة من استطلاعات الرأي الحديثة. وقد يتقاطع ذلك مع مؤشرات أخرى تظهر استياءً من تصرفات ترامب في الخارج.
أظهر استطلاع شمل البالغين الأميركيين أجراه مركز أبحاث AP-NORC بين 8 و11 يناير أن 61٪ لا يوافقون على نهج ترامب في السياسة الخارجية، و56٪ قالوا إنهم يشعرون أن ترامب «تجاوز الحدود» في التدخل العسكري، حتى مع استمرار الدعم لإزاحة مادورو بدرجة نسبية. وكان هذا أكثر وضوحاً بين الناخبين المستقلين، الشريحة المستهدفة من كلا الحزبين، حيث رأى 63٪ أن ترامب قد تجاوز الحد.
كما وجدت استطلاعات أخرى دعماً ضئيلاً لاقتناء الولايات المتحدة لغرينلاند، إذ أظهر استطلاع رويترز/إبسوس أن واحداً من كل خمسة فقط يؤيد مثل هذه الخطوة، واستطلاع منفصل لـCBS وجد أن 14٪ فقط يوافقون على استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على الجزيرة.
ورأى الاستراتيجي الديمقراطي حسن أن الرسائل الصادرة عن الحزبين الرئيسيين كانت غير كافية بشأن قضية القدرة على التحمل، مع مطالبة الجمهوريين الناخبين «بعدم تصديق أعينهم»، وتقديم كثير من الديمقراطيين التقليديين رؤى بديلة «باهتة».
واقترح أن «الترياق» في الأشهر المقبلة يمكن أن يكون تبنّي مواقف جريئة تربط بين أفعال الولايات المتحدة في الخارج وتأثيراتها على الواقع المعيشي في الداخل. وأشار إلى نجاح عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني كخريطة طريق محتملة.
وختم قائلاً: «نحن في مرحلة يواجه فيها الديمقراطيون امتحاناً حقيقياً، ما إذا كانت رسائلهم قادرة على مواجهة اللحظة الخطيرة التي نمر بها. عليهم فعلاً أن يقفوا لشيءٍ ما».