أكّدت القوات المسلحة الأميركية يوم الأربعاء استخدامَ مجموعة من أدوات الذكاء الصناعي المتقدمة في الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. هذه الخطوة ليست مفاجئة من حيث تاريخ التعاون بين المؤسسة العسكرية وشركات التكنولوجيا؛ فقد امتدّ هذا التعاون عقودًا وشمل جامعات ومؤسسات بحثية أسهمت في تطوير تقنيات تحوّلت لاحقًا إلى خدمات مدنية واسعة النطاق.
كيف تستخدم الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي في حرب إيران؟
قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، براد كوبر، قال في رسالة مصوّرة إن مقاتلي الولايات المتحدة يستخدمون «مجموعة من أدوات الذكاء الصناعي المتقدمة» التي تساعد على تصفية كمّ هائل من البيانات خلال ثوانٍ، ما يمكّن القيادات من التمييز بين المعلومات المهمة والضجيج واتخاذ قرارات أسرع من قدرة العدو على التفاعل. أدوات مثل نماذج اللغة الكبيرة يمكنها تلخيص نصوص مطوّلة، تحليل بيانات، الترجمة، التفريغ الصوتي، وصياغة مذكرات. نظريًا، يمكن توظيفها أيضًا لدعم أنظمة أسلحة شبه أو كاملة الاستقلالية القادرة على تحديد الأهداف والاصابة دون تدخل بشري مباشر، رغم أن معظم شركات الذكاء الصناعي تضع قيودًا على مثل هذا الاستخدام.
ما هو نموذج اللغة الكبير (LLM)؟
نموذج اللغة الكبير هو تقنية ذكاء صناعي تولّد نصًا أو مخرجات مرئية أو صوتية تشبه المحتوى البشري بعد تدريبها على مجموعات بيانات ضخمة تشمل كتبًا، مواقع إلكترونية، صورًا وفيديوهات. مثل هذه النماذج تسرّع عمليات كانت تستغرق ساعات أو أيام إلى ثوانٍ، بينما تظلّ القرارات النهائية بشأن إطلاق النار أو عدمه من مسؤولية البشر، بحسب تعبير كوبر.
حالات وشركات معنية
ذكرت تقارير إعلامية أميركية أن الجيش الامريكي استخدم نسخة من نموذج شركة أنثروبيك (Claude) في عملية مزعومة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير، رغم أن سياسة استخدام أنثروبيك تحظر استغلال تقنيتها للمراقبة أو تطوير أسلحة أو التحريض على العنف. كما أفادت تقارير بوجود شراكات بين أنثروبيك وشركة بالانتير، التي توفّر أدوات للوزارة والدفاع ولأجهزة إنفاذ القانون الفدرالية. أدرجت وزارة الدفاع أنثروبيك في قائمة سوداء بعد رفض الشركة إلغاء الضوابط التي تمنع استخدام تقنيتها في المراقبة الداخلية والبرمجة الفاعلة لأسلحة مستقلة.
في المملكة المتحدة، عارضت منظمة العاملين الصحيين Medact تعاقدات بالانتير لبناء منصة بيانات اتحادية لخدمات الصحة الوطنية، وانتُقدت بالانتير أيضًا لتزويدها منتجات وخدمات لتلك تُستخدم من قبل القوات الاسرائيلية وأجهزتها الاستخباراتية خلال الحرب على غزة، التي يصفها باحثون ونشطاء بأنها إبادة جماعية. وفي سياق الضغط العام، عدّلت شركة أوبن إيه آي مؤخرًا صفقتها مع الحكومة الأميركية لتمنع صراحةً استخدام تقنياتها للتجسس على الأميركيين.
هل الولايات المتحدة وحسبها تفعل ذلك؟
مع التطوّر السريع للذكاء الصناعي، أثيرت مخاوف واسعة من توظيف الجيوش لهذه التقنيات في النزاعات. تقارير متعددة تشير إلى اعتماد إسرائيل على أنظمة ذكاء اصطناعي خلال حربها على غزة، التي أدت حسب الأرقام المتداولة إلى مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023 وتحويل أجزاء واسعة من القطاع إلى أنقاض. في يوليو 2025، أصدرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية تقريرًا رسم خريطة الشركات التي تساهم في عمليات التهجير والحرب الإسرائيلية على غزة، وذكرت فيه، بين آخرين، شركة بالانتير.
كيف استخدم الجيش الأميركي التكنولوجيا عبر العقود؟
استخدمت المؤسسة العسكرية الأميركية التكنولوجيا منذ زمن بعيد: خلال الحرب العالمية الثانية، طوّرت شركات مثل IBM حاسبات كهرمغناطيسية عالية السرعة لحساب مسارات المَدْفعية؛ وكان هذا أوّل مثال على أتمتة العمليات الحسابية الميدانية. كثير من التقنيات المدنية المعاصرة ترجع جذورها إلى مشاريع عسكرية: نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) طوّر في سبعينيات القرن الماضي لأغراض القصف الدقيق، ثم دخل حيز الاستخدام المدني بعد إطلاق أول أقمار صناعية في الثمانينيات واختباره خلال حرب الخليج 1990–1991. كذلك، في خضم سباق الفضاء والحرب الباردة، أنشأ البنتاغون وكالة مشاريع البحوث المتقدمة (ARPA) عام 1958، ومن اقتراح أحد علماءها في 1962 نشأت أفكار أدت لاحقًا إلى شبكة الحواسيب المترابطة التي شكلت أساس الإنترنت.
في فترة فيتنام والعقود اللاحقة اعتمدت شركات وادي السيليكون الناشئة على عقود مع ناسا والبنتاغون لتطوير رادارات وأنظمة توجيه صواريخ واتصالات. في مطلع الألفية أنشأ صندوق استثماري تدعمه وكالة الاستخبارات المركزية شركة بالانتير، وأصبح برنامجها «جوثام» أداة محورية لقوات أميركية في العراق وأفغانستان عبر تكثيف بيانات المراقبة وتحويلها إلى قواعد قابلة للبحث.
أمثلة حديثة: في 2017 أطلق البنتاغون مشروع مافن للاستفادة من ذكاء غوغل في أتمتة تحليل صور الطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية؛ وفي 2021 تعاون الجيش مع مايكروسوفت لتطوير نظام عرض بصري متكامل (IVAS) لتحسين وعي الجنود بالموقف؛ وفي إطار عقد سحابة الحرب المشتركة، تقدّم أمازون ويب سيرفيسز بنية سحابية مؤمّنة تستضيف أنظمة لوجستية وأعباء ذكاء اصطناعي عبر شبكات بدرجات تصنيف متنوعة؛ وفي 2022 طوّرت شركة سبيس إكس نظام أقمار صناعية تجسسي تحت اسم ستارشيلد لخدمة احتياجات عسكرية.
الخلاصة
العلاقة بين القطاع التكنولوجي والمؤسسة العسكرية الأميركية عميقة ومتجذّرة؛ التقنيات التي بدأت هدفًا عسكريًا سرعان ما ترتدّ إلى الاستخدام المدني، وفي الوقت نفسه يطرح الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في الحروب أسئلة أخلاقية وقانونية وسياسية معقدة تتطلب حلولًا وإطارًا رقابيًا دوليًا واضحًا.