لمدة سنوات قبل أن يصبح رئيساً، كان دونالد ترامب يوجه علناً انتقادات لسياسة إدارة جورج دبليو بوش بشأن قرارها شنّ حرب العراق. واليوم، في ولايته الثانية، يجد نفسه يترأس فشلاً عسكرياً يذكّر إلى حدّ بعيد بتلك الكارثة.
أمر ترامب بتدخّل عسكري لإزاحة زعيم أجنبي عدائي استناداً إلى حجة واهية تتصل بالأمن القومي، وبهدف الوصول إلى موارد ذلك البلد النفطية. في كلتا الحالتين هناك ثقة ساذجة تفترض أن الولايات المتحدة قادرة ببساطة على تحقيق أهدافها عبر تغيير النظام. التدخّل الأميركي في فنزويلا تنبع منه رائحة الغرور نفسها التي أحاطت بغزو العراق قبل عقدين.
لكن ثمّة فروق جوهرية تستحق الوقوف عندها. السمة الأبرز للعملية في فنزويلا هي غياب رؤية شاملة. بعد مؤتمر ترامب الصحفي الذي استمر ساعة بحضور وزيري الدفاع والخارجية، لم يتبدَّ ما هي خطة التعامل مع فنزويلا لاحقاً، أو إن كانت هناك خطة أصلاً. وتهديداته بمزيدٍ من الضربات في الأيام التالية لم تضف وضوحاً.
الحالات السابقة لتغيير الأنظمة بقيادة الولايات المتحدة اغتنت برؤى أيديولوجية كبرى للرؤساء القائمين. في 1823 أعلن الرئيس جيمس مونرو أن نصف الكرة الغربي خارج نطاق الاستعمار الأوروبي. ومع تمدد النفوذ الأميركي عبر الأمريكتين خلال القرن العشرين، استُخدم مبدأ مونرو لتبرير تدخلات متعددة في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وأضافت الحرب الباردة مبررات جديدة لإسقاط أنظمة يسارية وتثبيت حكومات موالية.
ومع انقضاء الحرب الباردة سعى الرئيس جورج إتش.دبليو. بوش لأن يؤدي دور الوصي على “نظام عالمي جديد” ظهرت فيه الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة. عندما أرسل بوش قوات إلى الصومال عام 1992، وعندما أعاد خليفته بيل كلينتون النظام في هايتي عام 1994، جاء ذلك تحت سقف “التدخل الإنساني”. وغزو جورج دبليو. بوش للعراق تبلور تحت مظلّة “الحرب على الإرهاب” بعد أحداث 11 سبتمبر. وتدخل باراك أوباما ضد قوات معمر القذافي عام 2011 استند إلى مبدأ “المسؤولية عن الحماية” لحماية المدنيين.
أما في هجوم الولايات المتحدة على فنزويلا، فلم يظهر خلفه مبرر إيديولوجي متين. لقد تهيأ ترامب وفريقه بتبريرات متفرقة—من الإنسانية إلى مكافحة الإرهاب—للدفاع عن الضربة. واستحضر الرئيس حتى مبدأ مونرو. ولكن حين بدا للوهلة الأولى أنه يؤسس سياسته الخارجية على أيديولوجيا عابرة للزمن، إذ بسخريته تحطّم المفهوم.
قال ترامب ساخراً: «مبدأ مونرو أمر مهم، لكننا تجاوزناه كثيراً، حتى صار يُطلق عليه مبدأ دونرو». لم يخترع ترامب هذه العبارة الساخرة؛ سبق أن استخدمتها صحافة تجارية لوصف سياسته الخارجية العدوانية حين كان يهدد بضم كندا وغرينلاند وقناة بنما.
تقبّل الرئيس لهذا المصطلح الهزلي يكشف واقعاً مُزعجاً في سياسته الخارجية: أيّ ادعاء بأنه يدفع برؤية أيديولوجية هو في جوهره نكتة.
الحقيقة أن ترامب يتبع سياسة خارجية أكثر عدوانية وعسكرية في ولايته الثانية، ليس بدافع فرض رؤية كبرى، بل لأنّه أدرك أنه يملك هامشاً واسعاً للتماسُك دون عواقب فورية.
استهداف مجموعة من “الأشرار” الخارجيين الذين يملكون قدرة محدودة على الرد—فصائل مرتبطة بداعش في نيجيريا التي تُضطَهِدُ المسيحيين، أو “نِظاميات مخدّرات” في أميركا اللاتينية—يلقى صدى لدى قواعد أنصار ترامب.
عندما ذكر عصابة ترين دي أراجوا خلال المؤتمر الصحفي، تطلع إلى حديث مطوّل يتباهى فيه بتدخّلاته العسكرية داخل مدن أمريكية. وانحراف الرئيس عن الموضوع، وإن كان مقلقاً لمن يتساءلون عن صحته العقلية، حمل بالنسبة إليه صلة بالعملية في فنزويلا: حربه المتزايدة العسكرة ضد المخدّرات والجريمة في الخارج تُبرّر بدورها عسكرة مماثلة داخل البلاد.
الرؤساء السابقون استخدموا القوة الأميركية لترويج طيف واسع من الأيديولوجيات والمبادئ، ما خلق قدراً من التنبؤية والتناسق في سياسات إدارات متعاقبة، وإن آلت نواياهم الحسنة أحياناً إلى نتائج كارثية لشعوب البلدان المتدخَّل فيها. في المقابل، يبدو أن ترامب يٌجسّد خطاباً شكلياً تجاه إيحاءات أيديولوجية ليبرر استخدام القوة الأميركية.
وبما أن سياسته تفتقر إلى مبادئ ثابتة، قد يكون ثَمَرها الوحيد المنقذ أنها مؤقتة بطبيعتها: التدخلات غير المبدئية لا تولّد الالتزام الأيديولوجي الذي دفع إدارات سابقة إلى الدخول في احتلال طويل الأمد مثل العراق. لكنها في المقابل تفتح الباب أمام احتمال أن يلجأ ترامب إلى القوة العسكرية لحسم أي نزاع دولي أو لتحقيق مكاسب ربحية ظاهرية—كأن يطمح للسيطرة على غرينلاند من الدنمارك مثلاً.
في السنة الماضية اعتبر أن التعريفات الجمركية أداة فعّالة لفرض مصالحه، وبدأ يطبّقها بصورة شبه عشوائية على حلفاءٍ وخصومٍ على حد سواء. والآن، بعدما ارتاح إلى استخدام الجيش الأميركي لتحقيق أهداف متنوِّعة—ربح، دبلوماسية المدافع، تَحويل الأنظار عن فضائح داخلية—يكمن الخطر في أن يصبح استخدامه للقوة فضفاضاً ومتهوِّراً بالمثل.
هذا ليس أمراً محموداً لا للولايات المتحدة ولا للعالم. في وقت تتقاطع فيه أزمات عالمية متعددة—المناخ، النزاعات، الفقر—أقل ما يحتاجه العالم قوة عظمى سريعة الزناد بلا استراتيجية واضحة أو خطة لما بعد الضربة.
الآراء الواردة أعلاه تعكس وجهة نظر الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري للقناة.