هدوء مخيف في كاراكاس بعد القصف الأميركي واختطاف نيكولاس مدورو
بدت العاصمة كاراكاس، التي اعتادها السكان صاخبة ومزدحمة، صامتة بصورة مقلقة يوم الاثنين، بعد مرور يومين على قصف شنته الولايات المتحدة وعمليات خطف طالت زعيم البلاد نيكولاس مدورو. ومع ذلك، خرج عدد من سكان المدينة إلى الشوارع لشراء المواد الغذائية والضروريات الأخرى، وإن كانت الأسعار مرتفعة بشكل لافت.
أضفى التوتر على أجواء شوارع كاراكاس مزيداً من عدم اليقين على حياة المواطنين اليومية، إذ يراودهم الخوف من احتمال توسيع التدخّل الأميركي. ودعت السلطات المحلية إلى استمرار النشاط الاقتصادي الاعتيادي، غير أن بعض المتاجر بقيت مغلقة بينما أقدمت عائلات على تكديس السلع الأساسية تحسباً لنقص محتمل.
في سوق كوينتا كريسبو المركزي، أغلق كثير من التجار أبواب محلاتهم خشية اندلاع أعمال شغب أو نهب. امتدت طوابير من عشرات الأشخاص أمام المتاجر التي ظلت مفتوحة رغم حرارة الظهيرة، وكان عناصر من الشرطة الوطنية البوليفارية يتولون تنظيم الصفوف لضبط الأوضاع.
أفاد متسوقون لمراسلي الجزيرة بأنهم يشترون مواد غير قابلة للتلف مثل دقيق الذرة والأرز والعلب المعلبة، تحسباً لتدهور الوضع الأمني في العاصمة. قال كارلوس غودوي، البالغ من العمر 45 عاماً ويقطن في حي كاريكواو الغربي: «أبحث عن الضروريات الأساسية نظراً لما تمرّ به البلاد. نحن في حالة ترقب وعدم يقين».
من بين السلع التي لاحظ غودوي ارتفاع أسعارها كان حليب الأطفال المجفف، الذي يتم تداوله بسعر يقارب 16 دولاراً للكيلوغرام. في المقابل، علّقت بتزرپا راميريز أنها تشعر بطمأنينة نسبية رغم القصف الصباحي، وأنها لا تميل إلى التخزين الهستيري، لكنها لاحظت ارتفاعاً في أسعار بعض السلع، لاسيما المستلزمات الصحية التي أصبحت أغلى أحياناً من المواد الغذائية.
أعربت ألكسندرا أريسمندي، العاملة في محل هواتف محمولة بمول سامبيل في أحد أكثر أحياء التسوق ازدحاماً، عن استيائها من ارتفاع بعض الأسعار المفاجئ. ووصفت سعر بيض المائدة بأنه «مبالغ فيه»، مشيرة إلى أن علبة البيض تُباع بحوالي 10 دولارات، وهو ما يزيد عن المعتاد. أما زميلتها ماريا غابرييلا، البالغة من العمر 23 عاماً، فأبدت أسفها لتراجع المبيعات بينما يفضل المتسوقون البقاء في منازلهم من خشية اندلاع اضطرابات، وكانت هي نفسها تتجنب وسائل النقل العام وتتنقل بسيارة أجرة إلى العمل.
منذ سنوات اعتاد الفنزويليون على تقلبات حادة في الأسعار ونقص متكرر في الإمدادات. ويلقي الخبراء باللائمة على الفساد وسوء الإدارة والعقوبات الأميركية باعتبارها عوامل أساسية في زعزعة الاقصاد واستنزاف قدرات البلاد الاقتصادية. خلال رئاسة نيكولاس مادورو شهدت البلاد انهياراً اقتصادياً تزامن مع هبوط حاد في أسعار النفط، حتى بلغ معدل التضخّم بحلول عام 2018 أكثر من 130,000% بحسب بيانات المصرف المركزي. كما عمّق وباء كوفيد-19 من أزمة الإمدادات الغذائية والدوائية.
منذ إعلان فوزه في انتخابات 2024 المثيرة للجدل لم يُصدر حكومته إحصاءات رسمية جديدة عن التضخّم. وبالنظر إلى التطورات الأخيرة، لا يزال من غير الواضح مدى عودة الحياة الطبيعية إلى سابق عهدها في فنزويلا بعد هجوم السبت.
في فجر ذلك اليوم نفّذت الإدارة الأميركية هجمات جوية استهدفت منشآت عسكرية في ولايات كاراكاس وأراغوا وميراندا ولا جوايرا. وأفادت مصادر نقلت عن مسؤول فنزويلي طالباً عدم الكشف عن هويته لصحيفة نيويورك تايمز بأن عدد القتلى بلغ ما لا يقل عن ٨٠ شخصاً. انتهت الحملة العسكرية الأميركية خلال ساعات، غير أن رئيس الولايات المتحدة ألمح إلى إمكانية شن «موجة ثانية» من الهجمات إذا لم تُلبَّ مطاعبه.
بدورها أعلنت الحكومة الفنزويلية حالة الطوارئ لبدء «البحث والقبض فوراً على كل من ساهم أو دعم الاعتداء العسكري الأميركي»، مؤكدة في الوقت نفسه أن زعيم البلاد لا يزال قائداً شرعياً على الرغم من نقله إلى الولايات المتحدة. ترى أريسمندي أن حدة التوتر الحالية لم تصل بعد إلى مستوى ذروة ما تلا انتخابات 2024 عندما خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع؛ «أشعر أن التوتر كان أكبر آنذاك»، قالت، «الحمد لله لسنا عند ذلك المستوى الآن، لكني لا أظن أننا بعيدون عنه كثيراً».
في ظل هذه الأجواء يسود سؤال واحد على ألسنة الناس: إلى أين تتجه البلاد، ومتى سيزول الغموض الذي يخيّم على يوميات الفنزويليين؟