تقلص الوسط السياسي في المملكة المتحدة: الأزمة الحقيقية لكير ستارمر | آراء

بعد أكثر من عامين في السلطة، تواجه حكومة حزب العمال في المملكة المتحدة أزمة وجودية.

أفشاءات مرتبطة بملفات إبستين أثارت انتقادات شديدة لتعيين كير ستارمر بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة لدى امريكا، ما أدى إلى استقالات رفيعة المستوى وأشعل تكهنات حول قدرة ستارمر على البقاء سياسياً. لكن حتى لو نجح ستارمر في تجاوز العاصفة السياسية الآنية، فان ثمة تحدياً أعمق قادمًا: التصدع التدريجي للوسط السياسي الذي شكّل محور قيادته وجاذبيته الانتخابية.

شهد المشهد السياسي في المملكة المتحدة سنوات من التحول والاضطراب والصدمات المتكررة. ومع ذلك، خلال تلك المرحلة المضطربة ظل الوسط السياسي إلى حد كبير متحكماً بعجلة الحكم — مقدمًا نفسه كالخيار الحاكم الوحيد الموثوق به ومقيِّداً الضغوط من الطرفين المتطرفين. هذا الهيمنة عززت الاعتقاد، لا سيما في الخارج، بأن المملكة المتحدة محمية إلى حد كبير من الاستقطاب المدمر الذي يعيد تشكيل ديمقراطيات غربية أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

قد يُنظر إلى ستارمر كأوضح تجسيد لذلك الوسط: ففوزه في انتخابات 2024 ارتكز على وعد بالكفاءة والاعتدال في لحظة فقد فيها حزب المحافظين الكثير من سمعته في الجدارة الإدارية وحكومة “الناضجين”.

لكن هذا التسوية الوسطية بدأت الآن تتصدع.

تتجلى الضغوط على عدة جبهات: في استطلاعات الرأي، وسلوك الناخبين، وخيارات السياسات، ونبرة النقاش العام. أمام ستارمر معضلة حاكمة: كيف يحافظ على الوسط بينما تزداد الأصوات المنسحبة عنه علوًا وحدة وثقة — وفي الوقت نفسه تبدو سلطة الوسط نفسها أكثر هشاشة.

على اليمين، برز حزب ريفورم (Reform UK) كقوة مستمرة ومقوضة. أهميته ليست بالضرورة انتخابية — فمن غير المرجح أن يشكل حكومة — بل هي في تأثيره الخطابي. نجح ريفورم في جر النقاش السياسي نحو إطاره الخاص بالهجرة والحدود والسيادة. الانشقاقات الأخيرة وزخم الاستطلاعات ضاعفا حضوره، مما اضطر الأحزاب التقليدية إلى الرد على جدول أعماله بدل أن تصاغ هي دستورها الخاص. حتى حيث لا يفوز ريفورم بمقاعد، فإنه يحرف الحوار ويضيّق مساحة الاعتدال.

يقرأ  فرنسا تُكرِّس شرطَ الموافقةِ في قانونِ الاغتصابِ بعدَ قضيةِ جيزيل بيليكوت

تعكس استجابة حزب العمال حجم الورطة. بنى ستارمر قيادته على استعادة المصداقية بعد سنوات من فوضى المحافظين: انضباط مالي، واستقرار مؤسسي، وطمأنة للناخبين والأسواق. لكن لهذه الحذر حدوده. تحت ضغط اليمين أشرفت حكومة العمال على تشديد تطبيق قوانين الهجرة وخطاب الترحيل — خطوات ترمي إلى الاستجابة لقلق الرأي العام لكنها تخاطر بتعزيز إطار ريفورم بدلاً من إزاحته. الوسط يتكيّف، لكنه في ذلك يبدو ردّ فعلياً أكثر منه مهيباً.

لا تقل ضغوط اليسار أهمية. لم يعد حزب الخضر حركة احتجاج هامشية محصورة بالنشاط البيئي؛ فظهوره المتزايد في الانتخابات المحلية والنقاشات الوطنية يعكس رغبة أوسع — خصوصاً لدى الناخبين الشباب — في مواقف أشد حدة بشأن تغيّر المناخ والحريات المدنية والسياسة الخارجية. حيث يؤكد حزب العمال على الكفاءة الإدارية، يتحدث الخضر بلغة الاستعجال الأخلاقي. وهذا التباين مهم: السياسة ليست مجرد قدرة على الحكم، بل هي عن المعنى — وفي هذا الميدان يبدو الوسط متردداً.

هذه التوترات تنعكس الآن داخل حزب العمال ذاته. الاضطراب الداخلي الأخير — بما في ذلك استقالة رئيس مكتب ستارمر في خضم جدل وانتقادات حول التعيينات والاستراتيجية — كشف عن قلق داخل المشروع الحاكم. الوسط لم يعد مجرد هدف لهجمات خارجية؛ بل بات موضع سؤال داخلي. تلك الاضطرابات الداخلية تُضعف الحجة القائلة بأن الاستقرار وحده كافٍ لرسوخ السلطة.

أسلوب ستارمر في الحكم يعكس هذه اللحظة الأوسع. نهجه يُعلي من قيمة الهدوء والحذر والقابلية للتنبؤ — فضائل مفيدة في بلد أنهكته الأزمات. لكن السياسة الإدارية بطبيعتها تكافح لإثارة الولاء عندما تبدو الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية مفتوحة على حل. كلما صُوّرت السياسة على أنها إدارة لا توجه، ازدادت الفرصة أمام المتحدّين من الجانبين للادعاء بالوضوح والقناعة.

يقرأ  رحلة بركشة مكشوفة عبر محمية النمور

تتجلّى هذه الديناميكية أيضاً في سياسة المملكة المتحدة الخارجية. سعى ستارمر لإعادة وضع البلاد كفاعل عالمي براغماتي، مبيّناً انفتاحاً على التواصل مع الصين مع الحفاظ على الروابط عبر الأطلسي. دبلوماسياً، هذا مبرر؛ داخلياً، قد يصعب تسويق مثل هذه الدقة في بيئة سياسية متفتتة. السياسة الخارجية، التي كانت محمية سابقاً بتوافق نخبوي، أصبحت الآن جزءاً من الحروب الثقافية والنزاعات الأخلاقية المحلية، مما يضيّق مجال مناورة الوسط.

تعزز استطلاعات الرأي شعور الانزياح. تظهر الدراسات قبولاً متزايداً للتحالفات الانتخابية ودعماً متنامياً للأحزاب الصغيرة، ما يشير إلى اتساع رقعة انفلات القبضة التقليدية للوسط. الناخبون يبدون أقل ولاءً للانتماءات الموروثة وأكثر استعداداً للتجربة — ليس بالضرورة بدافع حماسة أيديولوجية، بل بدافع الإحباط من سياسة تبدو متحفظة ومتفادِية للمخاطر وغير مستجيبة.

لا يعني كل هذا أن المملكة المتحدة على شفير استقطاب على غرار الولايات المتحدة. لكنه يشير إلى أن الفرضيات القديمة التي دعمت هيمنة الوسط لم تعد صالحة. تآكل الإجماع ما بعد الحرب الذي كان يثبّت السياسة البريطانية قد حصل. وما تبقّى هو وسط أضعف يجب أن يُجادَل من أجله بنشاط، وليس مجرد احتلاله.

الخطر هو التفريغ التدريجي أكثر من الانهيار المفاجئ. إذا صار الوسط يُنظر إليه على أنه مراوغ أو تقني بشكل مفرط أو متحفّظ أخلاقياً، فإنه يخاطر بفقدان الشرعية حتى لو احتفظ بالسلطة. وفي هذه الحالة تصبح السياسة أقل عن اختيارات الحكم وأكثر عن المواجهات الرمزية، مع بقاء الوسط في موقع دفاع دائم.

لذلك فإن تحدي ستارمر ليس مجرد إدارة انتخابية، بل إعادة بناء السرد السياسي. الحكم من الوسط لم يعد يعني فقط تجنّب التطرف؛ بل يجب أن يوضح لماذا يشكّل الوسط وجهة مرغوبة بذاتها — قادراً على القيادة وليس مجرد ضبط للنزعة. وإن نجاح الوسط السياسي للمملكة المتحدة في إتمام هذا التحول قد يحدد ليس فقط مستقبل هذه الحكومة، بل شكل السياسة البريطانية في السنوات المقبلة.

يقرأ  «لا أدنى دليل»: بولسونارو يسعى إلى تبرئته في البرازيل

الآراء المعبر عنها في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق