تنديد بخطط إسرائيل لإقامة «مخيم» في رفح واتهامها بالاستمرار في الإبادة الجماعية أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

بينما رحبت أوساط دبلوماسية بـإعاده رفاة آخر أسير إسرائيلي من غزة وبالاستعداد الجزئي المتوقع لإعادة فتح معبر رفح مع مصر، تتبلور على الأرض واقع أهدأ وأكثر ظلمة.

بحسب تصريحات للجنرال الإسرائيلي المتقاعد عمير أفيڤي، المستشار العسكري السابق، فقد جرى تطهير مساحات في رفح — منطقة في جنوب قطاع غزة ــ التي دُمرت فعلاً خلال أكثر من عامين من حرب وصفها كثيرون بأنها إبادة جماعية، لتشييد مرفق ضخم يرسخ السيطرة والوجود العسكري الإسرائيلي على المدى الطويل.

أفيڤي وصف المشروع لوكالة رويترز بأنه «مخيم كبير ومنظّم» قادر على احتواء مئات الآلاف، مجهّز بفحوصات هوية «بما في ذلك التعرف على الوجه»، لتعقب كل فلسطيني يدخل أو يخرج. والتحليل الحصري لفريق التحقيقات الرقمية في الجزيرة يؤكد أن التحضيرات الأرضية لهذا المشروع جارية بالفعل.

صور أقمار صناعية التُقطت بين 2 ديسمبر 2025 و26 يناير 2026 تظهر عمليات تجريف واسعة في رفح الغربية، حيث حدد التحليل رقعة تقارب 1.3 كيلومتر مربع (نحو نصف ميل مربع) خضعت لتسوية منهجية. وتشير الاستنتاجات إلى أن الأعمال لم تقتصر على إزالة الأنقاض بل امتدت إلى تسوية أراضٍ كانت قد تعرّضت لقصف جوي إسرائيلي سابق.

المنطقة المُعدة تقع بجوار معسكرين عسكريين إسرائيليين، مما يوحي بأن المخيّم الجديد سيكون تحت إشراف عسكري مباشر وفوري. الأدلة الفضائية تتناغم مع تقارير تفيد بأن المرفق سيعمل كحجر احتجاز مُتحكَّم فيه لا كمأوى إنساني.

فخّ العودة

لدى المحلّلين في غزة لا شك في أن هذه البنية التقنية الرفيعة ليست بداعي الإنسانية، بل فخ مُعدّ للفلسطينيين. «ما يُشيّدونه في الواقع هو آلية لفرز البشر تذكرنا بنقاط الفرز في الحقبة النازية»، قال وسام عفيفه، محلّل سياسي مقيم في غزة، للجزيرة. «إنها أداة للفلترة العرقية واستمرار للإبادة بوسائل أخرى.»

يقرأ  بسدٍ عملاق ودهاءٍ سياسي: إثيوبيا تتفوق على مصر في ملف مياه النيل

إعادة فتح معبر رفح، المرتقبة مبدئياً يوم الخميس حسب صحيفة جيروزاليم بوست، ستأتي بشروط إسرائيلية صارمة؛ إذ أصر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على «التحكّم الأمني الكامل». بالنسبة إلى الفلسطينيين الراغبين في العودة، يعني هذا الخضوع لما وصفه عفيفه بـ«محطات فرز بشرية».

«آلية تهدف لردع العودة»، أضاف عفيفه. «سيفرض على الفلسطينيين الخضوع للتحقيق، والإذلال، وخطر الاعتقال عند هذه النقاط الإسرائيلية لمجرد التوجّه إلى بيوتهم.» وبالاستناد إلى تقنيات التعرف على الوجه التي أكّدها أفيڤي، خلقت إسرائيل تجربة عودة شديدة الخطورة، قد تجبر كثيرين على اختيار المنفى بدل مخاطرة المرور بـ«محطات الفرز»، وهو ما يخدم هدفاً إسرائيلياً طويلاً بتقليل عدد سكان القطاع.

الاحتلال الدائم داخل «الخط الأصفر»

مخيّم رفح ليس سوى جزء من لغز أكبر؛ فإسرائيل تحتل فعلياً غزة بوجود عسكري مادي في نحو 58% من القطاع، وقواتها تحتل مباشرة رقعة تقع ضمن «الخط الأصفر» — منطقة عازلة عسكرية أعلنها الجيش الإسرائيلي ضمن اتفاقية تهدئة أكتوبر.

«نشهد إعادة هندسة جغرافية وديموغرافية لغزة»، قال عفيفه. «حوالي 70% من القطاع الآن تحت إدارة عسكرية إسرائيلية مباشرة.» وتُعزّز مداخلات نتنياهو أمام الكنيست الفكرة نفسها؛ إذ أعلن أن «المرحلة القادمة هي نزع السلاح»، أي تجريد حماس من سلاحها، بدل الحديث عن إعادة إعمار، مما يرسل إشارة أن الاحتلال العسكري ليس له موعد انتهاء.

«الحديث عن ‘إعادة الإعمار’ التي تبدأ في رفح وفق مواصفات أمنية إسرائيلية يوحي بأنهم يبنون بنية أمنية دائمة، لا دولة فلسطينية ذات سيادة»، أضاف عفيفه.

عرض سلام

بالنسبة لأكثر من مليوني فلسطيني في غزة، تبدّل الأمل بأن إعادة الرفاة ستخفف المعاناة إلى إحباط وغصة عميقة. «هناك شعور عميق بالخيانة»، قال عفيفه. «العالم احتفل بإخراج جثة إسرائيلية كإنجاز بينما لا يزال مليونان من الفلسطينيين رهائن في أرضهم.»

يقرأ  أمل وأعلام وألعاب نارية: سوريا تبدأ الاحتفال بمرور عام دون الأسد — أخبار حرب سوريا

وحذّر من أن الصمت الدولي حيال هذه «محطات الفرز» قد يطبعها ويطبع وجودها، فإذا نجحت تجربة رفح، ستتحوّل غزة من إقليم محاصر إلى سجن عالي التقنية حيث يصبح التنقّل ذاته أداة للخضوع. «تتصرف إسرائيل كما لو أنها باقية إلى الأبد، والعالم يشاهد عرض السلام بينما تُعزّز أسوار السجن»، ختم عفيفه.

(الجزيرة)

أضف تعليق