تواصل إسرائيل حربها على منظومة الرعاية الصحية في غزة بكامل قوتها رغم «الهدنة» صحة

في الخامس من نوفمبر 2023، وبعد أشهر قليلة فقط من بدء الهجوم الأخير على فلسطين، اغتيل صديقي وزميلي العزيز الدكتور ميسرة عزمي الريّس، البالغ من العمر 28 عاماً، بوحشية مع معظم أفراد أسرته في ضربة صاروخية عسكرية على منزل العائلة في مدينة غزة. كان طبيباً نابهًا وموهوبًا متخصصاً في صحة المرأة والطفل، عاد ليردّ خدمة لوطنه المحاصر والمحتل بعدما أنهى درجة الماجستير في كلية كينغز في لندن كمنحة تشيفنينغ عام 2019. حتى يوم مقتله خاطر مراراً بحياته ليقدّم رعاية صحية حيوية لشعبه تحت وابل الهجمات الإسرائيلية.

كان الدكتور ميسرة واحداً من أكثر من 1,700 من العاملين في القطاع الصحي الفلسطيني الذين قتلوا في غزة منذ 7 أكتوبر 2023.

وأثناء كتابتي لهذا النص وردتني أنباء من غزة تفيد بمقتل المسعف حسين حسن السامري، البالغ من العمر 48 عاماً، من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفت فرق إسعاف معروفة بوضوح في منطقة المواصي غرب خان يونس. أصابت الضربة فريق الإنقاذ بينما كانوا يحاولون الوصول إلى جرحى هجوم استهدف خياماً تؤوي عائلات مهجرة — هجوم أودى بحياة 21 شخصاً بينهم خمسة أطفال.

كان السامري رابع عامل صحي يُقتل في غزة منذ ما أُطلق عليه «الهدنة» في أكتوبر 2025، والثاني خلال أقل من 24 ساعة. قُتل في هجوم مزدوج النَّسق: ضربة أولية تلتها ضربة ثانية متعمدة استهدفت المستجيبين والطواقم الطبية أثناء إسعافهم للجرحى. هذه الجريمة الحربية وُضعت في كتاب أدوات اسرائيل منذ عقود. لقد شهدت بنفسي هجمات مزدوجة على سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ في بيروت خلال الغزو الإسرائيلي الدموي عام 1982، ولاحقاً في غزة خلال هجمات لا حصر لها.

خلال العامين الماضيين أيضاًِ، أُعدم العديد من العاملين في الرعاية الصحية على أيدي قوات إسرائيلية لمجرد قيامهم بواجبهم.

في مارس الماضي، على سبيل المثال، أعدم جنود إسرائيليون 15 مسعفاً ومنقذاً من الدفاع المدني واحداً تلو الآخر في منطقة الحشاشين أثناء اندفاعهم لمساعدة الجرحى في موقع هجوم صاروخي، ثم دفنوا جثثهم في مقبرة جماعية ضحلة في محاولة واضحة لإخفاء الجريمة. لقطات الفيديو التي استُرجعت من هاتف أحد القتلى انتشرت لاحقاً على نطاق واسع في الإعلام الدولي.

يقرأ  انتصار لروب ييتن المعتدل بعد تراجع نفوذ اليمين المتطرف في الاقتراع

مثّلت عملية إعدام المستجيبين الطبيين في الحشاشين واحدة من أقسى صور استهداف العاملين في الصحة.

صدمت اللقطات الفظيعة الكثيرين، لكن — كما حصل مع أدلة لا تُدحض على الضربات المزدوجة — لم تكن كافية لتحريك حكومات غربية تدعم إسرائيل إلى اتخاذ إجراءات فعلية. أصدر بعضهم بيانات نَدِبية، وبادر آخرون بتحذيرات حازمة، لكن لم يتخذ أحد خطوات حقيقية لوقف الانتهاكات أو معاقبة مرتكبيها.

هل كانت تلك الحكومات ستبقى صامتة لو أن المقاومة الفلسطينية استهدفت العاملين في الصحة وفرق الإسعاف الإسرائيلية بنفس الطريقة؟ هل كانت ستكتفي ببيانات شكلية أم كانت ستدين سريعاً وتفرض عقوبات وتلاحق المجرمين؟ نعرف الجواب. استمرار المذبحة في غزة يعكس عنفاً بنيوياً عنصريا عميقاً يحظى بتغاضي غربي. هذا التجاهل يمنح حكومة المستوطنين الإرهابية حصانة، ويشكل تهديداً قاتلاً ليس فقط لحياة الفلسطينيين وصحتهم وحقوقهم، بل أيضاً لمصداقية ما يُسمى النظام الدولي القائم على القواعد.

حجم الدمار الذي يواجه سكان غزة مُريع. وفق وزارة الصحة في غزة، قُتل ما لا يقل عن 71,000 فلسطيني منذ 7 أكتوبر، وما زال عشرات الآلاف محاصرين تحت الأنقاض. تتجاوز نسبة الضحايا المدنيين 80 في المئة، ويشكّل الأطفال والنساء وكبار السن الغالبية الساحقة من القتلى. انهار متوسط العمر المتوقع في غزة من نحو 74 سنة إلى حوالي 35 سنة نتيجة العنف العسكري، والمجاعة، والتهجير، والأمراض، والتدمير المتعمّد للبنية الطبية.

يستمر اليوم العاملون في قطاع الصحة الفلسطيني بالعمل في ظروف لا تُتصوّر. قُصفت المستشفيات والعيادات واقتحمت واحترقت، ومع ذلك تستمر بالخدمة غالباً بقدرة تشغيلية أدنى بكثير من اللازم. صمود وشجاعة الكوادر الطبية في غزة استثنائية، لكنها لا تعوض تفكيك النظام الصحي المنهجي.

الهدنة المزعومة التي دخلت حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 وُصفت دولياً بأنها خطوة نحو إنهاء الأعمال العدائية، لكنها لم ترفع عن الفلسطينيين معاناتهم. استمرت المعاناة تحت ستار «السلام المزعوم». منذ تلك «الهدنة»، قتلت الهجمات العسكرية الإسرائيلية ما لا يقل عن 529 فلسطينياً وأصابت أكثر من 1,400 آخرين. وتُبلغ سلطات غزة عن أكثر من 1,450 انتهاكاً للهدنة بين أكتوبر 2025 ويناير 2026 عبر غارات جوية ونيران مدفعية وإطلاق نار مباشر.

يقرأ  ريان إير تقلص المقاعد الشتوية في إسبانيا بسبب ارتفاع رسوم المطارات

كان أحد الوعود المصاحبة لهذه المسرحية هو فتح طرق إخلاء آمنة للمرضى والجرحى. في 26 يناير تسنى لمنظمة الصحة العالمية (WHO) إخلاء 24 طفلاً فقط من غزة إلى الأردن برفقة 36 مرافقاً، وفي 2 فبراير سُمح بخروج خمسة مرضى في حالة حرجة فقط. في المقابل، ما يزال نحو 20,000 مريض محاصرين داخل غزة، بينهم 4,500 طفل بحاجة عاجلة لعلاجات غير متوفرة داخل الإقليم. توفي أكثر من 1,200 مريض وهم ينتظرون إذناً بالخروج لتلقي رعاية طبية تنقذ حياتهم.

لم تُدمّر اسرائيل القطاع الصحي في غزة بتدمير المستشفيات وقتل الأطباء والممرضين فحسب، بل حبست المرضى والجرحى داخل ما أصبح متحفة موت مفتوحة في الهواء الطلق.

الكارثة التي صنعها الإنسان والتي تلاحق النظام الصحي في غزة ليست فشلاً لمهنيي الطب هناك. إنها نتاج 18 عاماً من الحصار، مُضاعفة بأكثر من عامين من القصف المتواصل، وبالاحتجاز والتعذيب والقتل الممنهج للعاملين في الحقل الطبي. وثّقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 1,800 هجوم على منشآت وموظفي الرعاية الصحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أكتوبر 2023، أودت بحياة أكثر من 1,000 شخص وأصابت قرابة 2,000 آخرين.

تندرج هذه الهجمات في نمط تاريخي طويل. على مدى العقدين الماضيين، وثّقت منظمة الصحة العالمية ما لا يقل عن 3,254 هجوماً إسرائيلياً على خدمات الصحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما أدى إلى مقتل أو إصابة أكثر من 4,200 مريض وموظف طبي. كل دورة من هذه الدورات تقوّض النظام الطبي الهش في غزة، وتزيد من استنزاف بنية صحية سبق وأن تَعرّضت لعطلٍ كبير بسبب ندرة الأدوية، والمعدّات، والصيانة، والوقود، والقدرة على الإصلاح، وحماية دولية فعالة.

الآثار الإنسانية ظاهرة في كل مكان. تواجه غزة شتاءها الثالث على التوالي في ظل نزوح جماعي واسع. تضررت أو تدمرت أكثر من 80 في المئة من المباني. تعيش العائلات في ملاجئ مكتظة، معرضة للعواصف والبرد القارس، وقد تُوفي أطفال بالفعل نتيجة انخفاض حرارة الجسم. تنتشر موجات أمراض بسرعة، مع أكثر من 88,600 إصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة وحوالي 11,000 حالة إسهال مائي حاد في الأسابيع الأخيرة، وينال الأطفال حوالي 80 في المئة من هذه الحالات، وفق منظمة الصحة العالمية.

يقرأ  الاتحاد الآسيوي لكرة القدم يوقف موهون باغانرفض خوض مباراة في إيران يكلف النادي الإيقاف

المساعدات الإنسانية نفسها تتعرض لهجوم مباشر. رفضت إسرائيل تجديد تراخيص العمل، ومنعت ما لا يقل عن 37 منظمة إنسانية معترَفاً بها دولياً من العمل في غزة، بما في ذلك أطباء بلا حدود والمجلس النرويجي للاجئين. في الوقت نفسه، أقرّت برلمانها تشريعات تسمح بقطع الكهرباء والمياه عن وكالات الأمم المتحدة التي تقدم مساعدات حيوية وصحية وتعليمية لأكثر من 2.5 مليون لاجئ فلسطيني. العواقب واضحة ومقصودة: انهيار إنساني، وعقاب جماعي، وتطهير عرقي كسياسة.

ما يحدث في غزة ليس مجرد حرب على شعب، بل اعتداء مباشر على مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك الالتزام بحماية المدنيين والخدمات الطبية خلال النزاعات المسلحة. وبدعم متواصل من الولايات المتحدة، تستبدل إسرائيل المعايير القانونية بالقوة الغاشمة.

أوروبا ذات يوم تعهّدت «لا مرة ثانية» بعد المحرقة. كان ذلك التعهد تحذيراً للبشرية مفاده أن التسامح مع العنف العنصري لا يؤدي إلى استقرار بل إلى كارثة. اليوم يُتجاهل ذلك التحذير.

الإبادة الجماعية في غزة تُعد أحد الاختبارات الأخلاقية الحاسمة لعصرنا. المساعدات الإنسانية، رغم ضروريتها، لا تُعالج الأسباب الجذرية للأمراض والموت المبكر في غزة والضفة الغربية. تكمن هذه الأسباب في الحقائق البنيوية للاحتلال والفصل العنصري، التي تشكل كل جانب من حياة الفلسطينيين.

لم يأت العام الجديد بأي تجدد لغزة؛ بل جلب استمرار الإبادة البطيئة وانهيار القيادة الأخلاقية الغربية. ومع ذلك، يبقى الأمل في صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني وفي التضامن العالمي المتنامي الذي يطالب بالمحاسبة.

«لا مرة ثانية»، هكذا قال العالم عام 1945. بالنسبة للفلسطينيين، لم تكن لحظات الكلمات تلك ملحّة كما هي الآن.

الآراء الواردة هنا تعكس رأي الكاتب وحده ولا تعبّر بالضرورة عن سياسة الجزيرة التحريرية.

أضف تعليق