تُبرز اشتباكات حلب صعوبة دمج قوات سوريا الديمقراطية في سوريا — أخبار حرب سوريا

اندلاع الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية التي تقودها الاكراد كشف مجدداً عن ثوابت التوتر السياسي والأمني التي لا تزال البلاد تعانيها، بعد أكثر من عام على سقوط الرئيس السابق بشار الأسد.

تجدد القتال في حلب هذا الأسبوع — الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 22 شخصاً — أعاد إلى الواجهة التباينات الجوهرية بين دمشق و«قسد»، وهما طرفان تحظى كلٌّ منهما بدعم الولايات المتحدة. رغم توقيع الطرفين في مارس من العام الماضي على اتفاق لإدماج قوات يقودها الأكراد في مؤسسات الدولة، فإن تقدماً يذكر لم يتحقق، وتحولت العنف المتقطع إلى معارك عنيفة خلال الأيام الأخيرة.

أُعلن يوم الجمعة عن هدنة مؤقتة لوقف الاشتباكات، لكنها تبدو مترهلة بسرعة؛ ويحذّر محلّلون من أن غياب حلّ شامل للتوترات يجعل تجدد القتال أمراً مرجحاً. لا يبدو أن هناك رغبة داخلية أو دولية في اندلاع حرب شاملة في سوريا، لكن تعطّل عملية دمج «قسد» — التي تسيطر على مساحات واسعة في شمال شرق البلاد — يبقي شبح العنف متجدداً.

كما قال آرون لوند، باحث في مؤسسة Century International: «لا أظن أن هناك اهتماماً دولياً كبيراً باندلاع معارك واسعة الآن، خصوصاً من الجانب الأمريكي — وهذا قد يساعد على تهدئة الأمور. ومع ذلك، المسألة لم تُحَل بعد: القضايا الرئيسة لا تزال بلا حل، ولا طرف مستعد للتنازل عن مرتكزاته، لذلك سنشهد مزيداً من الاشتباكات في نهاية المطاف».

الاشتباكات وتأثيرها
أجبرت الاشتباكات هذا الأسبوع عشرات الآلاف من السكان على النزوح من أحياء حلب التي يقطنها بالأغلب الاكراد مثل الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، مع تبادل الاتهامات بشأن من بادر إلى إطلاق النار. في وقت مبكر من يوم الجمعة أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق نار مؤقتاً لمدة ست ساعات في الأحياء الثلاثة، ثم مددته ليمنح مقاتلي «قسد» مهلة إضافية للمغادرة.

يقرأ  خطر إغلاق الحكومة الأمريكية يتصاعد بعد انتهاء لقاء ترامب والديمقراطيين دون التوصل إلى اتفاق

قالت وزارة الدفاع إن مقاتلي «قسد» المنتشرين في أحياء حلب سيعاد نشرهم في مناطق شرقي الفرات، بينما وصفت مجالس كردية تدير الشيخ مقصود والأشرفية دعوات الخروج بأنها «دعوة للاستسلام» وأكدت أن قواتها ستدافع عن أحيائها.

تطغى هذه المعارك على اتفاق مارس 2025 بين حكومة الرئيس أحمد الشراع و«قسد» الذي يهدف إلى ضمّ القوات الكردية تحت مؤسسات الدولة. ينص الاتفاق على وقف حالي على مستوى البلاد، وتعاون «قسد» مع الدولة في مواجهة التشكيلات المسلحة الموالية للأسد، والاعتراف الرسمي بالأكراد كجزء لا يتجزأ من النسيج السوري مع ضمانات للمواطنة والحقوق الدستورية. كما ينقل إدارة المعابر الحدودية مع العراق وتركيا والمطارات وحقول النفط في الشمال الشرقي إلى سلطة الحكومة المركزية.

قسد ومسار الدمج
حتى الآن لم يُسجَّل تقدم فعلي نحو الدمج؛ الطرفان لا يزالان على خلاف في مسائل أساسية تتعلق بطريقة وهيكلية الاندماج — مثلاً هل تنضم «قسد» ككتلة موحدة أم تُحلُّ لتندمج عناصرها كجنود فرديين في مؤسسات الدولة. لقاء عُقد في 4 يناير بين قادة كبار في «قسد» ومسؤولين حكوميين اختتم بلا نتائج «ملموسة» وفق الإعلام الرسمي، وأُعلِق الحوار بانتظار تفاوض إضافي.

برزت «قسد» مع تفكك سوريا منذ احتجاجات 2011، وتأسست رسمياً عام 2015، مع تشكيل وحدات حماية الشعب (YPG) — وهي ميليشيا كردية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK) — قلب قوتها القتالية. ومع أن PKK مدرج لدى الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية كمنظمة «إرهابية»، تحالفت واشنطن بسرعة مع «قسد» في الحرب ضد تنظيم داعش، وقدّمت لها دعماً لوجستياً وتدريبياً ومعدّات متقدمة عبر تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة. يقدّر عدد عناصرها بين 50 و90 ألف مقاتل مدرّب وخبير بالقتال.

ومن زاوية أنقرة، تعتبر تركيا التي واجهت تمرد PKK لعقود والعديد من الهجمات، أن «قسد» تهديد لأمنها القومي. ولذا وصفت وسائل الإعلام الرسمية الحكومية «قسد» بـ«إرهابيي PKK» في تقاريرها عن الاشتباكات الأخيرة.

يقرأ  عشّاق الألعاب في الهند يلجأون إلى مواقعٍ غير قانونية بعد حظر القمار

المدى الإقليمي والدولي
في ظل شَكّ أنقرة، الحليف في حلف الناتو للولايات المتحدة، أعلنت وزارة دفاع تركيا استعدادها «لدعم» سوريا في محاربة الجماعات الكردية. أنقرة، التي تربطها تحالفات مع حكومة الشراع بحسب بعض المواقف، لطالما انتقدت واشنطن لدعمها «قسد» وشنت عمليات عسكرية شمال سوريا لطردها من حدودها.

وتزيد المنافسة المتصاعدة بين تركيا وإسرائيل من المخاوف من توسّع دور إسرائيلي قد يدعم «قسد» كقوّة موازنة لتأثير أنقرة في سوريا. تدخلت إسرائيل سابقاً في الصراع السوري عندما قصفت دمشق في يوليو دعمًا لمقاتلين دروز يقاتلون القوات الحكومية في الجنوب، كما وسّعت تواجدها خارج هضبة الجولان، وأنشأت نقاط تفتيش وشرعت في عمليات اختطاف داخل عمق الأراضي السورية.

تتواجد قوات أمريكية في شرق سوريا، والولايات المتحدة تحافظ على علاقات مع مختلف الأطراف: تركيا وإسرائيل والحكومة السورية و«قسد»، ولذلك سعت واشنطن إلى لعب دور الوسيط بين الجميع. وفي الأسبوع الماضي اتفقت سوريا وإسرائيل على آلية لتبادل المعلومات الاستخبارية عقب محادثات بوساطة أمريكية.

دعا المبعوث الأمريكي توم باراك إلى «أقصى درجات ضبط النفس» بعد اندلاع الاشتباكات في حلب وأشاد بالهدنة المؤقتة، مشدداً على استعداد الولايات المتحدة وحلفائها والشركاء الإقليميين المسؤولين لتسهيل جهود خفض التصعيد ومنح السوريين فرصة متجددة لاختيار طريق الحوار بدل الانقسام. مستقبل حلب، ومستقبل سوربا برمّته، ملك لشعبه ويجب أن يُصاغ بوسائل سلمية لا بالعنف.

الولايات المتحدة قد تفعل الأكثر
قال نانار حواش، كبير محللي شؤون سوريا في مجموعة الأزمات الدولية، إن الحفاظ على علاقات كل من الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية مع واشنطن قد يحدّ من مخاطر انهيار اتفاق مارس بشكل كامل، لأنه يضع سقفاً للتصعيد. وأضاف أن التدخل الأمريكي لا يضمن حلّاً نهائياً لكنه يقيّد نطاق النتائج ويُبقي الطرفين مربوطين بإطار تفاوضي لا يملكان رفاهية التخلي عنه.

يقرأ  مراقب استطلاعات الرأي في الهند يواجه اختبار المصداقية

من دمشق، قال أيمن أوغانا إن واشنطن يمكن أن تلعب الدور الأكبر في تعزيز المفاوضات بين حكومة دمشق وقسد. وأشار إلى أن الولايات المتحدة حافظت على علاقة قوية مع قوات سوريا الديمقراطية لأكثر من عقد، وساهمت في بنائها وتدريبها، وقاتلت إلى جانبها، ولا يزال هناك نحو ألف جندي أمريكي في مناطق القسد يعملون معاً في جهود القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). كما لفت أوغانا إلى أن الولايات المتحدة قد عززت في الآونة الأخيرة علاقاتها مع دمشق أيضاً.

ما الذي سيأتي بعد؟
يرى روب جيست بينفولد، محاضر في الأمن الدولي بكلية كينغز في لندن، أن الهدنة المؤقتة في حلب تؤجل ببساطة «القضايا الأكثر تعقيداً» إلى وقت لاحق. فوجود هدنة مؤقتة يُحسّن أوضاع الناس على المدى الفوري، لكنه قد يبعدنا عن التوصل إلى تسوية شاملة.

وحذّر لوند من أن استمرار الاشتباكات قد يقود إلى تصعيد أوسع. وقال إن سوء إدارة الوضع قد يدفع إلى تدخلات أجنبية ويزيد توتراً في العلاقة المتدهورة بالفعل بين اسرائيل وتركيا.

بعض المحللين يؤكدون أن المفتاح هو مزيدٌ من الحوار وأقل عنف.
أرمنك توكماجيان، باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، جادل بأن الضغط العسكري وحده لن ينهِي تفكك سوريا. «إعادة الاندماج لا يمكن أن تتحقق بالقوة فقط»، قال، مشدداً على الحاجة إلى استراتيجية متعددة المسارات تشمل إطاراً وطنياً شاملاً يطمئن الفصائل المسلحة. وأضاف أن الكثير من هذه المجموعات ترفض نزع سلاحها لأنها لا تعرف كيف سيكون شكل الدولة المستقبلية، وبالتالي تحتاج إلى ضمانات سياسية واجتماعية قبل التخلي عن أسلحتها.

أضف تعليق