باعتبارها مبانٍ رئيسية، ومنها البرلمان، تتعرض لانقطاعات كهربائية متكررة، فبات العثور على الضوء — مجازيًا وعمليًا — تحديًا يواجه العاصمة.
في حي بوديل التاريخي ساد هدير مولدات البنزين بينما يحاول المارة عبور الشوارع المتجمدة في ظلام شبه دامس. نحو نصف منازل المدينة بلا تدفئة أو كهرباء بعدما استهدفت الضربات الجوية الروسية البنى التحتية في الأسابيع الماضية. درجات الحرارة دون الصفر بكثير.
مع دوي صفارات الإنذار الجوي، اجتمع شبان في كييف في صف من المقاهِي والبارات؛ المولدات وفرت التدفئة والضوء والموسيقا. قالت كارينا سيما، صحفية تبلغ من العمر 24 عامًا، لـ”الجزيرة”: «من المهم حقًا أن يلتقي الشباب ويفعلوا أمورًا معًا حتى لا ننهار نفسيًا». وأظهرت لقطة مصورة جمعًا يقارب المائة شخص يحيطون بمكبر صوت ويتغنون بنشيد بعنوان All I Need Is Your Love Tonight.
جاءت أكبر هجمة ليل الثلاثاء الماضي، عندما أطلقت روسيا طائرات مسيرة وصواريخ باليستية عبر البلاد، ما أغرق المدينة — ومن بينها مبنى البرلمان الأوكراني — في ظلام تام، وذلك بينما كانت فرق الإصلاح قد بدأت للتوّ بإعادة تشغيل أجزاء من الشبكة بعد هجوم سابق في يناير.
حالة طوارئ
تكرر الهجمات دفع الرئيس فولوديمير زيلينسكي لإعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، متهمًا روسيا باستغلال موجة الصقيع القارس كسلاح حرب. ندد المفوض الأممي لحقوق الإنسان فولكر تورك بالضربات واصفًا إياها بـ«القاسية» ومنتهكة بوضوح للقانون الدولي.
غياب التدفئه أدى إلى انفجار مواسير المياه في بعض المباني ما تسبب في فيضانات مع تجمّد المياه. رواد منطقة على الضفة اليسرى للمدينة — التي تعرَّضت لضربات مسيرة متكررة وتراوح دون كهرباء — رووا لـ”الجزيرة” عن حلول إبداعية لمواجهة الأزمة. من الأساليب الشائعة تسخين لبنة على موقد محمول يعمل بالبنزين لتبقى دافئة وتبقى الحرارة داخل الشقة طويلًا بعد إطفاء الموقد.
عصية ميلنيك، أم عازبة في الثلاثينيات، استقبلت فريق التغطية في شقتها التي ظلت بلا كهرباء طوال اليوم. قالت ممسكة مصباحًا صغيرًا: «بصرى يتراجع لأنني أقرّب عيني من الظلام طويلاً». وأضافت: «من الصعب البقاء دافئين؛ نرتدي سترات ونغطّي أنفسنا ببطانيات. أفكر دائمًا في ابنتي وكيف أحافظ عليها صحيًا ونفسيًا».
الأثر الاقتصادي
الهجمات على البنية التحتية ألقت بظلالها أيضًا على أصحاب الأعمال الذين يعانون منذ قرابة أربع سنوات تحت اقتصاد الحرب. قال إينس لطفيّا، شاب عمره 24 عامًا من تركيا الأصل، إنه يفكر الآن بإغلاق مطاعمه وباراتِه، لأن تكلفة تشغيل مولده تقارب 500 دولار أسبوعيًا. وأضاف محزونًا: «لا زبائن، الشباب يتجمعون في الشوارع أو في المنازل، كثير من الرجال يقاتلون، وكثير من النساء غادرن البلاد».
دفاع البلاد عن قطاع الطاقة يكلف أوكرانيا أيضًا؛ قال زيلينسكي إن صواريخ الدفاع الجوي المستخدمة بعد هجوم الثلاثاء كلفت نحو 90 مليون دولار.
«تبقى مع عقلك»
لم تقتصر الانقطاعات على كييف؛ فقد شهدت مدن مثل خاركوف وأوديسا ظلامًا مقاربًا. في بولتافا بوسط البلاد، قال أناتولي، ميكانيكي سيارات يبلغ من العمر 54 سنة، إنه يحصل على كهرباء لساعات قليلة ليلاً فقط ويعمل في مرآبه في ساعات الصباح الباكر حين تُضاء الأضواء. أفاد أنه يفكر في مغادرة أوكرانيا: «سأرحل بمجرد أن تُفتح الحدود».
في مطعم وسط المدينة قال ماكسيم سينتشوك (23 عامًا) إن البقاء في المنزل بلا كهرباء يؤثر على الحالة النفسية: «تبقى مع عقلكن». واعتبر أن ما يجري هو «حرب نفسية على المجتمع»، لكنه أضاف: «كل عائلتي وأصدقائي ليسوا خائفين؛ لقد مررنا بأربع سنوات. الآن نحن فقط مللنا من هذا».