حركة تتار القرم تسعى لتقويض الجيش الروسي من الداخل — أخبار حرب روسيا وأوكرانيا

في عطلة نهاية الأسبوع توقّف خط سكة حديد ينقل أسلحة وإمدادات روسية إلى خطوط القتال في منطقة بريانسك بشمال غرب روسيا قرب الحدود مع اكرانيا، بسبب انقطاع في التيار الكهربائي.

لكن لم يكن الأمر مجرد انقطاع عادي؛ فقد نشب حريق في محطة فرعية مجاورة أضرمت ناره عميلة تابعة لحركة المقاومة الأوكرانية المعروفة باسم «آتِش».

مقالات مقترحة

«آتِش تستهدف بدقّة نقاط ضعف شبكة الكهرباء لدى العدو، معطّلةً عمقاته الخلفية»، هذا ما أعلنته المجموعة لمتابعيها البالغ عددهم نحو 52 ألفاً على قناتها في تيليغرام.

بينما تشدّ روسيا قبضتها على الأراضي المحتلة في أوكرانيا، تواجه قواتها مقاومة ليست على الجبهات الأمامية فحسب، بل من الخلف أيضاً. من بين ما يُسمّى بالمجموعات الحزبية، برزت «آتِش» — واسمها يعني «النار» باللغة التترية القرمية — كأكثرها نشاطاً، إذ تُنسب إليها أكثر من نصف هجمات التخريب على الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية خلال العام الماضي.

«نحن في حرب استنزاف، ودور المقاومة الداخليّ سيصبح حاسماً»، قال الممثل لموقع الجزيرة عبر تيليغرام.

«لا يستطيع المحتلون حراسة كل شاحنة أو كل متر من السكة الحديدية في خلفياتهم».

تأسست «آتِش» في سبتمبر 2022، بعد سبعة أشهر من بدء الغزو الروسي الشامل. يتكوّن النواة الصلبة للحركة من تتار القرم، وهم أقلية عرقية تملك شكاوى متجذّرة ضد حكم موسكو، لكن الأعضاء يشملون أيضاً أوكرانيين وقليلاً من الروس والبيلا روس بحسب ممثّل الحركة.

«أدركنا أن القرم وغيرها من المناطق المحتلة لن تنتظر التحرير سلماً فحسب؛ بل يجب أن تصبح شوكة في جانب المحتل من الداخل»، قال المصدر، الذي رفض الإفصاح عن اسمه لأسباب أمنية.

«نعمل على انهيار منظومتي للآلة العسكرية الروسية من الداخل. نضمن أن يشعر كل جندي روسي على أرضنا بعدم الأمان، وأن تتحول لوجيستياتهم ومعدّاتهم ومقارّهم إلى رماد».

عمليات التخريب

وقعت أعمال تخريب على الأراضي الروسية منذ بدء الغزو الشامل، ابتدأت بموجة من حرائق مقرات التجنيد العسكرية. منذ ذلك الحين، أصبحت بنية السكك الحديدية والقطارات المخصّصة لإمداد القوات الروسية أهدافاً مفضّلة لمخربين يسعون لإبطاء آلة الحرب الكرملين. بين هؤلاء نجد روساً وبيلا روس مناوئين للحرب، وشبكات سرية مثل «BOAK» (منظمة قتال الأناركو-شيوعيين)، فضلاً عن مخربين مُستأجرين جنّدتهم الجهات الأوكرانية عبر الإنترنت.

يقرأ  شقة سوداكوف تضررت إثر هجوم في روسيا

«غالباً ما تنسّق الاستخبارات الأوكرانية وجهاز الأمن الأوكراني (SBU) عمليات التخريب، وتُنفّذ إما من قبل أشخاص يدعمون أوكرانيا أو أشخاص جُندوا بوعد مكافآت مالية أو بترويعهم أو بخداعهم»، قالت أولها بوليشتشوك، مديرة الأبحاث في مرصد مسار النزاع ACLED، للجزيرة.

«قد يكون من الصعب فصْل العمليات التي تقودها أوكرانيا عن تلك التي تقودها خلايا حزبية محلية. هناك تنسيق في كثير من الأحيان بين الطرفين. أحياناً لا نستطيع إثبات رابط مباشر بالحكومة الأوكرانية، لكننا نعلم أن أشخاصاً شاركوا في التخريب جُندوا عبر الإنترنت من قبل جهات لم تُحدد هويتها».

لجأت الاستخبارات الروسية إلى تكتيكات مشابهة، حسب تقارير، فدفعت لمجرمين محليين لاستهداف خطوط الإمداد سواء داخل أوكرانيا أو في أجزاء أخرى من أوروبا.

وذكرت تقارير ACLED أن «آتِش» كانت مسؤولة عن أكثر من خمسين بالمئة من أعمال التخريب في أوكرانيا المحتلة من روسيا عام 2025.

وتشمل عشرات عملياتها داخِل روسيا إحراق قاطرة في روستوف وتدمير برج اتصالات في مصنع دفاع جوي في تولا جنوب موسكو، بحسب ما نُقل.

«من الصعب تقدير التأثير بدقة»، تقول بوليشتشوك. «كثير من أعمال التخريب لها أثر محدود وقد تسبب إزعاجات وتأخيرات في الإمداد. لكن هذا الأثر يمكن أن يتراكم ويجبر روسيا على إنفاق موارد إضافية للتصليح وتعزيز الإجراءات الأمنية وتوقيف أبناء المناطق».

رغم أن إدعاءات «آتِش» لا تخضع دائماً للتحقق المستقل، فإن الجماعة تنشر بانتظام إحداثيات وما تدّعي أنه أدلة فيديو لأعمالها على تيليغرام.

«نضرب نقاط العدو الأكثر ضعفاً»، قال ممثل آتِش. «نختار أهدافاً حاسمة للوجستيات أو لقيادة القوات، مثل مقرات القيادة والجسور ومستودعات الذخيرة. التخطيط يقوم على معلومات من عملائنا الميدانيين. إذا وردتنا معلومة عن طابور مهم أو قافلة ذخائر، نركّز كل جهودنا على ذلك الهدف مع إعطاء أولوية دائمة لسلامة عناصرنا».

يقرأ  قائد السكك الحديدية الإقليمي في ألمانيا يتولى منصب الرئيس التنفيذي

قالت المجموعة إنها تقلّل مخاطر التسلّل من قبل الأجهزة الأمنية الروسية عن طريق اعتماد هيكلية قيادية لامركزية والتواصل حصرياً عبر تطبيقات مشفّرة.

«الوكلاء الأفراد لا يعرفون بعضهم بعضاً، والخلايا تعمل بشكل مستقل»، قال المصدر. «نستخدم أساليب تشفير متقدمة وندرب الجميع على النظافة الرقمية. حتى عندما تحاول الـFSB زرع محرضين، فإن أنظمة التحقق ومطابقة البيانات لدينا تسمح لنا بالتعامل السريع مع التهديد».

تدعم عناصر متعاطفة من داخل المؤسسة الروسية عمليات «آتِش» أيضاً، بحسب الجماعة.

«لدينا عملاء نشطون داخل القوات المسلحة الروسية والحرس الوطني وحتى أجهزة استخبارات»، قال المصدر. «بعضهم يفعل ذلك لأسباب أيديولوجية بعد أن أدرك جرمية الحرب، وآخرون يفعلونه من أجل مستقبل عائلاتهم وهم يدركون الانهيار الحتمي للنظام. معلوماتهم من الداخل تتيح لنا معرفة تحركات المركبات القتالية وما يحدث في الملاجئ القيادية المغلقة».

بحلول 2023، قالت «آتِش» إنها درّبت أربعة آلاف جندي روسي على كيفية «النجاة» في الحرب عن طريق إتلاف معداتهم بأنفسهم.

وبخلاف التخريب، تشمل أنشطة «آتِش» ما تصفه بـ«الدعاية» — لصق ملصقات تحمل رسائلها في مدن روسية ومحتلة — إلى جمع المعلومات الاستخباراتية عن القواعد والمستودعات وقطارات الإمداد ومشاركتها مع الاستخبارات الأوكرانية. وادّعت المجموعة أن معلوماتها كانت سبباً مباشراً في موجة ضربات أوكرانية ناجحة عام 2023 أجبرت روسيا على إعادة تموضع أسطولها في البحر الأسود.

أشارت بوليشتشوك إلى عملية «سبايدر ويب» الأوكرانية العام الماضي، وهي هجوم واسع بطائرات مسيرة على قواعد جوية روسية، كمثال على عملية أوكرانية فعّالة نُفّذت بتنسيق مع مجموعات حزبية.

إذا دعت الحاجة، فلا يتردد عملاء «آتِش» في استخدام القوة القاتلة. على سبيل المثال، في يوليو أفاد التنظيم بأنه قضى على عدد من العسكريين الروس عبر إحراق شاحنتهم في منطقة زاپوروجيا جنوب شرق أوكرانيا.

«أهدافنا هم أولئك الذين جاؤوا إلى أرضنا لقتلنا والخونة الذين يشاركون بنشاط في قمع السكان المدنيين»، صرّح منسق الحركـة.

يقرأ  الزعيم الشعبوي التشيكي أندريه بابيش يسعى للسلطة في الانتخابات — لكنه قد يضطر للاعتماد على دعم الأحزاب المتطرفة

«المتعاونون الذين يخونون جيرانهم والضباط الذين يأمرون بضرب المدن هم أهداف ذات أولوية».

يبذل المنفذون جهوداً كبيرة ويعرضون أنفسهم لمخاطر جسيمة.

«اتبعت روسيا منذ البداية سياسات قمعية ووحشية، ومن هنا ولدت أنشطة التخريب التي اضطرت للتكيّف مع هذه الظروف فوراً»، أوضحت بوليشوك. وأضافت: «التعبير عن أي تأييد لأوكرانيا خطرٌ سواء في الأراضي المحتلة أم داخل روسيا. أولئك المشبوه بهم بأي تعاون مع الجيش الأوكراني قد يُعتقلون أو يختفون من دون أي إجراءات قانونية عادلة، حتى لو لم يُعثَر على دليل ضدهـم».

ومع ذلك، قالت إن المقاومة وأنشطة التخريب «مستمرة رغم كل ذلك».

بالنسبة لعدد من عناصر «آتِش»، المهمة لطرد الاحتلال الروسي من أرضهم تحمل بعداً شخصياً عميقاً.

«بالنسبة لشعبنا، إنها مأساة متواصلة لا تنقطع إلا بين حين وآخر بوهج قصير من السلام»، عكس مصدر الجزيرة ذلك.

من هم التتار القرم؟

التتار القرم هم شعب تركي الأصل أصيل شبه جزيرة القرم، وقد تكبدوا قمعاً متواصلاً منذ احتلال الإمبراطورية الروسية لأرضهم في القرن الثامن عشر. أبلغ الآلام ما حلّ بهم في 1944 حين أمر الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين بترحيلهم قسرياً إلى آسيا الوسطى بدعوى الشك في ولائهم خلال الحرب العالمية الثانية، رغم أن آلافاً منهم خدموا بإخلاص في الجيش الأحمر وساهموا في هزيمة النازيين.

حُشروا في عربات القطار بوقت قصير للتحضير، وربما مات نحو ثلثهم في طريق الترحيل.

تعتبر أوكرانيا الحديثـة عملية التهجير هذه إبادة جماعية. سُمِح للمهجَّرين وذريتهم بالعودة بعد عقود، ما أثار توترات مع الروس والأوكرانيين الذين استقرّوا في الأرض أثناء غيابهم.

ومنذ سيطرة واحتلاال وضم روسيا لشبه الجزيرة في 2014، حُظرت مجلس الميجلِس التقليدي للتتار ووُصِف بأنه «منظمة إرهابية»، كما اختفى ناشطون في حقوق الإنسان وبعضهم عُثر عليه لاحقاً جثثاً. غادر عشرات الآلاف من التتار القرم منازلهم إلى البرّ الأوكراني بعد سيطرة روسيا.

«ستظل لهيبنا متقداً حتى يزول آخر غازٍ عن تربتنا»، وعد أحد عناصر «آتِش».

أضف تعليق