حلب بعد سنوات من الحرب ماذا يلزم لعودة السوريين؟ حرب سوريا

العودة إلى المدينة القديمة

عاد الأحكم شعر من ألمانيا إلى حلب وقرر أن لا يقيم في فندق ولا عند أصدقاء، بل في مكتب كان والده يملكه داخل المدينة القديمة. واجهته مشكلة واحدة واضحة: لم يكن في المكان أي نافذة أو باب يمكن إغلاقه، وفي الشتاء تنخفض درجات الحرارة في حلب إلى ما دون الصفر فتكون البرودة قاسية. اشترى حقيبة نوم وصفت بأنها تتحمّل ظروفاً جوية قاسية، لكنه استيقظ في ليال عدة وأصابعه باردة. رغم ذلك، لم يندم على قراره؛ شعر بأنه لم يأت كسائح وإنما عاد إلى بيته، فالشعور بالانتماء أغناه عن كلّ سبل الراحة المؤقتة.

خلال إقامته القصيرة، التي امتدت نحو أسبوعين بسبب إلغاءات رحلات إثر اشتباكات في المدينة، شرع في ترميم بيت العائلة القديم داخل المدينة نفسها. السقف كان يتهاوى وباب الشارع قد أزيل، وما بدا له في البداية كمهمة مستحيلة لم يثنه عن العمل: ركّب باباً معدنياً، علّمه أنّ البيت لم يعد مهجوراً، وشعر بسعادة صادقة حينما استعاد إحساسه بأنه «من هناك»، لا مجرد زائر.

تجمّع الآلاف من السوريين للعودة إلى حلب، تلك المدينة العريقة التي آل إليها الإهمال والدمار جراء سنوات الحرب. ومع ذلك، ما زالت أجزاء واسعة منها تُعاني أضراراً بالغة في البُنى التحتية وتحتاج إلى جهود إعادة بناء مكثّفة. الحكومة السورية الجديدة، التي تولّت السلطة منذ ديسمبر 2024، باشرت أعمالاً لإعادة تأهيل بعض المرافق، لكن السكان يشككون ما إذا كانت هذه البدايات كافية لاستعادة مجد المدينة السابق.

سنوات من الدمار

كانت حلب قبل الحرب أكثر المدن السورية سكاناً، وموقعها الجغرافي جعلها محطة محورية في طريق الحرير، مروراً بشبه جزيرة الأناضول نحو العراق أو دمشق. ومع افتتاح قناة السويس تراجع دورها الإقليمي في التجارة البحرية، لكنها احتفظت بمكانتها كعاصمة صناعية للبلاد.

يقرأ  السلطات الهندية تحقق في احتمال ارتباط شراب للسعال بوفاة ما لا يقل عن تسعة أطفال | أخبار الصحة

خلال حقبة حكم حافظ الأسد، وامتداداً إلى سنوات لاحقة، تعرضت المدينة لقمعٍ دموي وصل ذروته في تسعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ كما امتد أثر عمليات القمع والقتل إلى حلب وألحق خسائر بشرية ومجتمعية كبيرة. ومع اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011 تفاقم تراجع الاستثمار الرسمي في المدينة، ثم انقسمت حلب بين غرب خاضع لنفوذ النظام وشرق صار معقلاً للمعارضة.

في 2016 سيطرت قوات النظام المدعومة من حزب الله وإيران وروسيا على الجزء الشرقي، وقد تَمت خلال تلك الحملة عمليات تدمير واسعة طالت أحياء بأكملها وطردت آلاف السكان. وبعد أن انهار النظام لاحقاً — بعد أكثر من ثماني سنوات من تلك الأحداث — عاد بعض أبناء المدينة كمحرّرين، لكنهم وجدوا أن ما غادروا عليه لم يُبنَ من جديد. أحياؤها المحيطة، التي كانت قبل الحرب مراكز إنتاج صناعي، صارت أشبه بمدن أشباح بعد انقطاع المياه والكهرباء عن أجزاء واسعة منها.

الوضع الإنساني والخدماتي لا يزال متردياً: مخيمات ومستوطنات غير رسمية مكتظة، ومدارس تعمل تحت ضغوط، وتقارير أوروبية رسمت صورة صعبة حين ذكرت أن نحو 2.3 مليون شخص يقيمون في مخيمات ومستوطنات غير رسمية في شمال سوريا، وغالبهم من النساء والأطفال. كثيرون من السكان يخشون أن تستمر المدينة في فقدان ما كان يميزها من حيوية وتماسك: «لا شيء سيعود كما كان»، هكذا عبّر روجر أسفر، مدير برنامج في مؤسسة أدْيان، مشيراً إلى أن حلب تواجه مشاكل مشابهة لتلك التي تعانيها مناطق سورية أخرى مستنزفة بفعل الحرب.

إعمار وقيوده

باشرت السلطات، بالتعاون مع منظمات دولية مثل أغا خان ترست للثقافة، أعمال ترميم لجزء من المدينة القديمة وسوقها التاريخي المغطى الذي يمتد لعدة كيلومترات، كما جرت أعمال شبكات مياه وتركيب إنارة في محيط القلعة التاريخية، فضلاً عن تعاون بلدية حلب مع مديرية الآثار والمتاحف لإصلاح أجزاء من القلعة ومسجد الجامع الأموي الكبير. لكن نطاق الدمار ضخم، والجهد المطلوب يفوق الإمكانات الحالية.

يقرأ  رئيس كولومبيا غوستافو بيترو: «نجوت من محاولة اغتيال» — أخبار الجريمة

أحد التحديات الأساسية هو الحوكمة: لا يكفي أن تفرض دمشق قرارات مركزية من أعلى إلى أسفل من دون استشارة المجتمع المحلي ودمجه في صنع القرار. يحتاج الأمر إلى آليات تشاركية تتيح للمجالس المحلية والفاعلين المدنيين أن يساهموا في تحديد الأولويات وإدارة المشاريع، وإلا ستبقى جهود الإعمار هشة وغير متكافئة. المحافظة على الطابع التاريخي للمدينة تتطلب استثمارات رهيبة وحساً مهنياً عالياً في الترميم والتخطيط العمراني.

محافظة حلب، التي تضم المدينة وثمانية أقضية في الشمال السوري، تعد من أكثر مناطق البلاد كثافة سكانية؛ ويعيش فيها نحو 4.2 مليون نسمة وفقاً لليونيسيف، ويتشاركون نفس المشكلات الوطنية من بنية تحتية متدهورة وانقطاعات طويلة للتيار الكهربائي.

آفاق مترددة وأمل شخصي

من بين العائدين من أبناء المدينة، الأحكم شعر ليس مجرد زائر؛ فهو باحث مشارك في «مشروع حلب» التابع للجامعة المركزية الأوروبية، الذي يطرح حلولاً علمية لقضايا إعادة الإعمار. يرى أن تحسناً تدريجياً في البنية التحتية ممكن مع ارتفاع عائدات النفط والغاز، لكنه يحث على ضبط التوقعات وعدم المبالغة في التفاؤل. رغم ذلك، يبقى متفائلاً بشيء ما في داخل المدينة: أن الإنسان حين يعيد فتح باب وإدراك أن بيت العائلة لم يعد مهجوراً فإنه يعيد كذلك جزءاً من كرامته وهويته، وفي ذلك بذرة لإعادة حلب إلى الحياة. العودة أم البقاء؟

أشار إلى أن ما قد يُعدّ جانبًا مُضيئًا في إهمال الأسد، اضحى أنّ المدينة لم تُحوّل إلى أحياء راقية تصادر المكانة التقليدية لسكانها لصالح النخب السياسية والاقتصادية للحكومة السابقة، على عكس ما جرى في حمص أو دمشق.

لطالما كانت حلب مدينة يُعرف بها الثقافة والتنوّع. يأمل بعض الحلبيين أن تعود إليها تلك الملامح التي كانت تميّزها.

يقرأ  أفادت فرقُ الإنقاذِ والجيشِ بإصابةِ عشرينَ شخصًا في هجومٍ بطائرةٍ مُسيَّرةٍ من اليمن على إسرائيل

الموسيقار باسل حريري، حلبّي الأصل ويقيم الآن في لندن، تعلّم العزف على يد والده. يتذكّر تراث مدينته الغني والمتنوّع الذي انتقل من جيل إلى جيل وخلّف شبكةً ثقافية متماسكة.

«الموسيقى، والفن، والطبخ — كلّها تنتقل مباشرة من المجتمع»، يقول حريري. «وهذا الثراء، وإتاحة السبل للولوج الثقافي، وتنوّع حلب يجعلونها من أجمل المدن في سوريا».

رغم صعوبة استعادة المدينة مجدها السابق بالكامل، يواصل آلاف السوريين العودة إلى منازلهم في حلب وريفها؛ وهناك من لم يعد لديهم مكان آخر يلجأون إليه.

بالنسبة لشار، حلب لا تزال تناديه. شيئان يعيقان عودته: وظيفة زوجته بدوام كامل كمحاضرة في ألمانيا، وعدم وجود راتب مستقر في سوريا. «لا يتطلّب الأمر إلا القليل… شخصياً، ليس هذاا كثيرًا ليجعلني أعود إلى حلب.»