«حياة مغطاة بالسخام» نقص الغاز يدفع عائلات غزة إلى الطهي على الحطب

مدينة غزة، قطاع غزة — قبل قليل من آذان صلاة المغرب، مدت إسلام الدردونه يدها نحو قدر معلق فوق موقد مؤقت مصنوع من علبة معدنية بالية، تغذّي النار تحته بقطع من الورق وأعواد الخشب.

توقفت للحظة، وأبعدت وجهها عن لهيب الدخان المتصاعد. وجهها مغطّى بطبقة رقيقة من السُّخام، وملابسها مشبعة برائحة الأدخنة المتبقية؛ أخذت نفسًا عميقًا لكنها لم ترفع الغطاء فورًا.

بيدها اليمنى تمسك الدردونة باسمَة الربو كما لو كانت مغرفة أو ملاقط، وباليد الأخرى تحاول إعداد طعام لأطفالها الثلاثة.

تقول المرأة البالغة من العمر 34 عامًا بصوت مبحوح وهي ترفع جهاز الاستنشاق إلى فمها: «لم أعد أطيق هذه النار إطلاقًا. نغلي الماء عليها، نطبخ … كل شيء. هذا أفسد صحتي تمامًا» ثم أشارت إلى صدرها.

تعاني إسلام من مشاكل تنفسية تفاقمت كثيرًا نتيجة التعرض المستمر لدخان الحطب، وتعتمد بانتظام على بخاخات الربو.

أُهجرت الدردونة من جباليا شمال غزة منذ بداية الحرب الإسرائيلية التي تصفها منظمات وناشطون بأنها إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في أكتوبر 2023. تعيش الآن مع زوجها معاذ الدردونة (37 عامًا) وأطفالهما في مخيم الشيخ عجلين بغرب المدينة.

قبل عام ونصف دُمّر منزلهم. ومنذ ذلك الحين تنقلوا من مكان إلى آخر حتى استقرّوا أخيرًا في هذا المخيم بين عائلات أخرى مشردة. تغيّرت حياتهم كلها بعد اندلاع الحرب، لكن ما تعتبره الدردونة من الأسوأ هو الاضطرار إلى الطهي يوميًا على نار مكشوفة لغياب غاز الطهي والوقود.

تقول: «كل حياتنا الآن باتت كفاحًا؛ نبحث عن الحطب وأشياء لم نتوقع يومًا أننا سنحتاجها». وتضيف: «لا يوجد غاز للطهي ولا أسطوانات غاز. فقدنا كل ذلك أثناء التهجير».

تزداد معاناة الدردونة لكونها مصابة بالربو وحساسية صدرية مزمنة، وهي حالات بدأت بحسب حديثها خلال حرب غزة عام 2008 حين استنشقت دخان قنبلة فوسفورية سقطت على منزلهم. تحسنت حالتها خلال السنوات، لكنها تفاقمت بشكل دراماتيكي في الحرب الحالية.

تقول إنه «تطورت لديّ حالة انسداد في المجاري التنفسية، ومؤخرًا وُجدت كتل في رئتيّ»، وأضافت أنّها نُقلت في يناير إلى المستشفى لستة أيام إثر معاناتها من نقص الأكسجين. «وصف الأطباء أسطوانة أوكسجين لي»، تقول بهدوء، «لكن للأسف لا أتحمل تكاليفها».

يقرأ  توقيع رئيس بيرو قانون عفو يطال الشرطة والجنود المتهمين بارتكاب فظائع

ندرة مستمرة

مثل كثيرين في أنحاء غزة، تكافح الدردونة وسط ندرة مستمرة في غاز الطهي والوقود منذ بداية الحرب. رغم هدنة دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر تضمنت بنودًا للسماح بدخول الوقود والسلع الأساسية، إلا أن الكميات التي وصلت كانت أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية للسكان، بحسب مصادر رسمية في غزة ووكالات الأمم المتحدة.

تقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن توفر غاز الطهي في غزة «مقيد بشكل حرج»، وأن الكميات المحدودة التي دخلت تغطي أقل من ثلاثة بالمئة مما هو مطلوب. ونتيجة لذلك، اضطرت العديد من الأسر للاعتماد على طرق طهي بديلة وغالبًا ما تكون خطرة.

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 54.5 بالمئة من الأسر تعتمد على الحطب للطهي، وحوالي 43 بالمئة تحرق النفايات أو البلاستيك، وفقط نحو 1.5 بالمئة قادرة على الطهي بالغاز. وتحذّر الجهات الإنسانية من أن مثل هذه البدائل غير الآمنة تهدد صحة الناس والبيئة بسبب التعرض الطويل للدخان والأبخرة السامة الناجمة عن حرق البلاستيك والنفايات الأخرى.

في ظل هذه الظروف، أصبح الطهي على نيران مفتوحة مصنوعة من الحطب والمواد الخردة أو البلاستيك واقعًا يوميًّا في مخيمات النزوح والأحياء المختلفة في غزة. وتفاقمت الأزمة خلال شهر رمضان، إذ تضطر العائلات لتحضير وجبات السحور قبل الصيام والإفطار بعده.

أصبح الحطب مكلفًا ويستلزم ميزانية يومية. وغالبًا ما يكون إشعال النار قبل الفجر صعبًا بسبب انعدام الإنارة والظروف الجوية غير الملائمة، فتتخلى العائلات أحيانًا عن وجبة السحور بالكامل.

يقول زوج إسلام معاذ، الذي كان يعمل سابقًا في الدعم النفسي للأطفال ويساعد الآن في الطهي اليومي: «اليوم، على سبيل المثال، تمطر والرياح قوية. لم أتمكن من إشعال النار». ويضيف: «حتى عند الإفطار، نتمنى أن نحتسي كوب شاي أو قهوة لكن لا نستطيع، لأن إشعال النار مرة أخرى معاناة أخرى».

يقول معاذ إنه يتألم لرؤية أطفاله يصومون بلا سحور. «كل تفاصيل حياتنا معاناة حرفيًا»، يوضح، «جلب الماء معاناة، الطهي معاناة، حتى الذهاب إلى الحمام معاناة. نحن مرهقون حقًا».

يقرأ  هيروكيدار تصميم تراهن على العاطفة في عصر الأنظمة والتوسّع

يشير إلى أن حياتهم مغطاة بالسخام، فيبرز سواد الدخان على أيدي إسلام وكثير من النساء اللواتي اضطُرن للطهي على نيران مفتوحة منذ بدء الحرب.

يصف الغاز بأنه «أحد أحلامنا»، ويتذكر شعوره عندما حصلت العائلة على أسطوانة غاز قبل أشهر: «شعرنا كأنها يوم عيد». لكنه يضيف مريرًا: «لم نكن نملك حتى الموقد لاستخدامها، والعديد من العائلات حالتها مثل حالنا».

«نعيش على حافة اللاشيء. نزوح الحرب نزعت منا كل شيء»، يقول معاذ. «نحن على استعداد أن نعيش بأبسط الحقوق داخل الخيام. لكن لا تدفئة، لا غاز، لا إنارة» . «كأننا نعيش في قبورٍ مفتوحة على هذه الأرض»

تداعيات خطيرة

في بيان صادر يوم الأربعاء، حذّرت الهيئة العامة للبترول في غزة من “العواقب الكارثية والخطيرة لاستمرار توقف إمدادات غاز الطهي” إلى القطاع، مشدّدة على أن الأزمة “تمسّ مباشرة حياة أكثر من مليوني نسمة” في ظل ظروف إنسانية بالغة السوء. وأوضحت الهيئة أن القطاع كان يعاني بالفعل من عجز يقارب 70٪ من احتياجاته الفعلية من الغاز مقارنة بالكميات التي دخلت بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار.

وأضافت الهيئة أن “التوقّف التام لإمدادات الغاز يضع قطاع غزة أمام كارثة وشيكة تهدّد الأمن الغذائي والصحي”، خاصة خلال شهر رمضان. كما أكدت أن منع الغاز من دخول القطاع يشكّل “انتهاكاً واضحاً لتفاهمات وقف إطلاق النار”، ودعت الوسطاء والجهات الدولية للتدخّل العاجل لضمان التدفق المنتظم لغاز الطهي وإمكانية ادخال شحناتٍ منتظمة إلى القطاع.

في أنحاء غزة، باتت الكثير من الأسر تعتمد على الوجبات الجاهزة من توزيعات المساعده والمطابخ الخيرية نتيجة الانهيار الاقتصادي وصعوبة الطهي. «حتى عندما تصل الوجبة جاهزة قبل الإفطار بساعات، يصبح تسخينها مشكلة أخرى»، يقول معاذ، واضعاً على عاتقه ضغوط البقاء اليومي.

الإحباط من السعي إلى البقاء يدفع معاذ إلى حافة الانهيار. «كأب الآن، لا أستطيع توفير أبسط الأشياء»، يقول. «تخيّل أن ابني يريد مجرد فنجان شاي… حتى نسمة هواء صغيرة قد تمنعني من إعداده».

يقرأ  احتفلوا بوقف إطلاق النار — لكن لا تغفلوا: غزة صمدت بمفردهاالصراع الإسرائيلي الفلسطيني

«النار تخنقك»

في خيمة مجاورة، تجلس أماني عيد البشلقي (26 عاماً) تراقب طهي الطعام على نار مكشوفة استعداداً للإفطار بينما يقلب زوجها القدر. تقول إن الطبخ على النار يجعل الطعام يبدو “بلا طعم” — ليس لأن النكهة تغيّرت، بل لأن “الإرهاق والمعاناة أصبحا جزءاً من كل لقمة”.

«نبدأ الطهي مبكراً لننتهي قبل الإفطار، وبعد الإفطار نكون أنا وزوجي مرهقين ومغطّين بالسواد». وفي أحيانٍ كثيرة، لا تتمكّن من غلي الماء لحليب طفلها لأن إشعال النار صعب ولا يتاح دوماً.

تقول البشلقي مثل دوردونة إن الدخان يسبّب صداعاً شديداً ومشكلات صحية. «النار تخنقك. كل النساء في المخيم يعانين مشاكل صحية نتيجة الطهي على النار»، تضيف. لديها طفل يبلغ سبعة أشهر، والقلق الأكبر لديها هو غلي الماء لحليب الرضاعة: «أحياناً أغلي الماء وأحتفظ به في ترمس مستعار، لكن ليس لدي دائماً واحد. وأحياناً عندما يستيقظ في الليل أخفق في غليه وأخلطه بالماء كما هو، رغم أني أعلم أن هذا غير صحي. لكن ماذا أفعل؟»

قريباً منها، تجلس إيمان جنيد (34 عاماً) النازحة من جباليا إلى غرب مدينة غزة مع زوجها جهاد (36 عاماً) أمام النار يجهّزان الطعام. تنفخ جنيد على اللهب بينما تدفع بزجاجة زيت بلاستيكية فارغة تحت النار. خلفهما، أكياسٌ مكدّسة مليئة بزجاجات بلاستيكية جمعتها الأسرة لإشعال النار لأن غاز الطهي لم يكن متاحاً لأشهر.

أم لستة أطفال، تعرف جنيد مخاطر احتراق البلاستيك على الصحة، لكنها «لا تملك خياراً آخر». «طفلتي الصغيرة تبلغ سنة، وصدرها يتألم دائماً لأنها تستنشق الدخان»، تقول. «حياتنا الآن هي جمع وحرق البلاستيك والنايلون».

«مع ارتفاع سعر الحطب، باتنا نتمنى لو جدنا سوى قطعة حطب. الغاز أصبح شبه مستحيل… نسيناه». كانت هناك وعود بدخول الغاز بعد “التهدئة”، لكنها لم تُنجز.

بالنسبة لدردونة، الحل لا يقتصر على إدخال غاز الطهي فحسب: «ما نحتاجه هو أن تصبح الحياة ممكنة مرة أخرى»، تقول. «دعوا الغاز يدخل. دعوا السلع تدخل بأسعار معقولة. دعوا متطلبات الحياة الأساسية متوفرة لحياة طبيعية.»

أضف تعليق