يزور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تركيا في أول رحلة خارجية له منذ توليه منصبه في مايو الماضي. يرافقه في هذه الزيارة عدد من الوزراء وكبار المسؤولين، وتهدف إلى مناقشة التعاون الاستراتيجي بين البلدين، بالإضافة إلى قضايا الأمن والمياه والاقتصاد، حسب ما قال الناطق باسم الحكومة حيدر العبودي.
العلاقات بين العراق وتركيا تذبذبت خلال العقد الماضي لكنها ظلت أولوية للطرفين، خصوصاً للعراق في ما يتعلق بالنفط والمياه. وبعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير وإغلاق مضيق هرمز، ازدادت أهمية تركيا بالنسبة لبغداد، مما دفعها إلى الضغط على السلطات التركية لاستئناف وزيادة تصدير النفط عبر خط الأنابيب العراقي-التركي بعد سنوات من التوقف.
اتفاق نفطي جديد
يسعى البلدان لتوقيع اتفاقية جديدة لإدارة تصدير النفط العراقي بعد انتهاء الاتفاق السابق يوم الاثنين. وأفاد مصدر في وزارة النفط العراقية للجزيرة أن وفداً فنياً وصل إلى أنقرة في نهاية الأسبوع الماضي لتمديد الاتفاق القديم لمدة عام لحين إبرام اتفاق جديد. وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن الشروط التركية الجديدة صعبة جداً على العراق، ولن يتخذ قراراً بشأنها إلا مجلس الوزراء. وتريد تركيا رفع الرسوم من 1.35 دولار للبرميل إلى 7 دولارات، وألا تقل طاقة التصدير عن 1.5 مليون برميل يومياً سواء استطاع العراق الوصول لهذا المستوى أم لا.
جزء من خطة الزيدي هو إيجاد صفقات طاقة جديدة وتأمين طرق بديلة لتصدير النفط الخام عبر تركيا وسوريا إلى البحر المتوسط. وقد وقع العراق اتفاقيات طاقة بقيمة 200 مليار دولار مع شركات أمريكية خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن في وقت سابق من هذا الشهر، وتسعى الحكومة لزيادة إنتاج النفط والغاز وتنويع خيارات التصدير. قال وزير النفط العراقي باسم خضير: "هناك حاجة ملحة لإيجاد منافذ تصدير جديدة بعيداً عن مضيق هرمز الذي لم يعد يلبي احتياجات العراق، ويجب تسريع الوقت المحدد للمفاوضات والتعاقد لإنشاء طرق تصدير جديدة".
طريق التنمية
خلال زيارته، من المتوقع أن يسعى الزيدي لإقامة علاقات تجارية وتنموية واقتصادية قوية، والاستفادة من الخبرات التركية في مختلف الصناعات. وقال مصدر حكومي للجزيرة إن رئيس الوزراء سيركز على أهمية استخدام الخبرة التركية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل لتعزيز مشاريع التنمية في العراق. ومن أبرز المشاريع "طريق التنمية"، وهو مشروع نقل حيوي يربط ميناء الفاو في الجنوب وصولاً إلى مثلث الحدود العراقية-التركية-السورية عبر شبكة سكك حديد وطرق سريعة بطول 1200 كيلومتر تمر بعشر محافظات عراقية.
لكن الأستاذ في العلوم السياسية عبد الجبار أحمد قال إن الهجمات المستمرة من الجماعات المسلحة "عرقلت بشكل فعال" المشروع، وأعرب عن شكه في أن تحقق زيارة الزيدي نتائج كبيرة بخصوصه، مشيراً إلى أن تركيا تشارك في ممر نقل يربطها بالأردن عبر سوريا ثم السعودية، مما يجرد مشروع طريق التنمية العراقي من جزء كبير من جاذبيته الاقتصادية والاستثمارية في رأيه.
المياه والأمن
من المتوقع أيضاً أن تكون إدارة المياه من أولويات مناقشات الزيدي في تركيا. يلوم العراق تركيا على بناء سدود أثرت على تدفق المياه من نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من الأراضي التركية. وقال المصدر الحكومي: "العراق يعتبرها قضية تمس مستقبل ملايين العراقيين".
أما القضية الأكثر تعقيداً وحساسية فهي الأمن، وتحديداً وجود القوات التركية على الأراضي العراقية لمحاربة حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنظمة "إرهابية". تشير التقديرات العسكرية إلى أن تركيا تملك حوالي 50 قاعدة صغيرة وكبيرة في ثلاث محافظات عراقية هي أربيل ودهوك ونينوى، تضم نحو 5000 جندي وأسلحة تشمل مدفعية وآليات مدرعة وأسلحة ثقيلة ومتوسطة. في منتصف 2025، أعلن حزب العمال الكردستاني أنه بدأ خطواته الأولى نحو نزع السلاح كجزء من اتفاق سلام أوسع مع أنقرة لإنهاء 40 عاماً من الحرب التي قتلت أكثر من 40 ألف شخص. ورغم ذلك، لا تزال تركيا تعتبر وجود الجماعة المسلحة في مناطق جبلية بشمال العراق تهديداً لأمنها القومي.
برغم التحديات، هناك دعم واسع في العراق لتقوية العلاقات مع تركيا، بناءً على اعتقاد أن العلاقات مع الجارة تظل مهمة وتخدم المصالح الوطنية. قال عصام الفيلي، أستاذ العلوم السياسية: "هناك رغبة عراقية قوية لتعميق العلاقات مع تركيا في جوانب كثيرة خاصة النفط، حيث أصبحت تركيا من أهم دول المنطقة كممرات عبور لتصدير النفط إلى أوروبا والعالم. المشكلة تكمن في طبيعة المناخ السياسي العراقي المتأثر بالصراعات المستمرة على السلطة. التنافس الخفي بين تركيا وإيران قد يكون أحد الأسباب التي تمنع الزيدي من تحقيق طموحاته في العلاقات مع تركيا. عليه أن يوازن بين هذه القضايا الحرجة إذا أراد لهذه الزيارة أن تنجح".