روسيا تستهدف قطاع الطاقة في أوكرانيا مع اقتراب محادثات ثلاثية الأطراف

بينما يستعد رؤساء أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة لعقد أول لقاء ثلاثي بينهم هذا الأسبوع بهدف إنهاء حرب روسيا في أوكرانيا، تعيش البلاد أزمة طاقة حادة: ما يقرب من نصف الأراضي الأوكرانية بلا كهرباء وتدفئة في ظل درجات حرارة دون الصفر، عقب موجات متكررة من الضربات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت بنيتها التحتية للطاقة.

تبدو هذه الهجمات مصممة للضغط على أوكرانيا للتنازل عن أراضٍ مقابل تهدئة القتال — نقطة الخلاف الوحيدة التي ظلّت عالقة بعد محادثات دافوس بين رئيس أوكرانيا فلاديمير زيلينسكي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع. بعد تلك المشاورات يوم الخميس، أعلن زيلينسكي أن ضمانات أمنية تم الاتفاق عليها، وأن الخطوة التالية هي الاجتماع الثلاثي الذي يبدأ اليوم في ابو ظبي ويشمل مشاركة فلاديمير بوتين. من جهته قال المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف إن المفاوضات حلت جميع المسائل عدا واحدة دون تفاصيل؛ وزيلينسكي أكّد للصحفيين في دافوس أن الخلاف الفعلي هو مسألة الأراضي.

مسألة الأراضي
ترغب موسكو في أن تتخلى أوكرانيا عن الخُمس المتبقية من إقليم دونيتسك الشرقي التي لم تسيطر عليها بعد. وأظهر استطلاع هذا الأسبوع أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS) أن 54% من الأوكرانيين يوافقون مع موقف زيلينسكي الرافض القاطع لأي تنازل، بينما يؤيد 39% التنازل بتردد مقابل ضمانات أمنية قوية للغاية.

حاولت روسيا تصوير نصرها المحتوم، مُبالغةً في وصف سيطرتها على مناطق صغيرة كإنجازات استراتيجية، مدّعية احتلال مدن لا تسيطر عليها، ومضخمةً من مساحة الأراضي التي زعمت استعادتها. الأسبوع الماضي ادّعى القائد العام الروسي فاليري جيراسيموف أن قواته سيطرت على 300 كيلومتر مربع هذا العام، في حين قدّرت تحليلات مبنية على لقطات موقّعة جغرافياً أن الحقيقة أقرب إلى 74 كيلومتر مربع، بحسب معهد دراسات الحرب في واشنطن.

وبدون نجاحات ميدانية حاسمة، تبدو أزمة الطاقة الآن محاولة يائسة من موسكو لكسب نفوذ يتيح لها حيازة أراضٍ قد تعجز عن بسط سيطرتها عليها حتى على المدى البعيد.

شهدت كييف انخفاضاً حاداً في الإمداد: بقي ما يقرب من 60% من العاصمة بلا كهرباء في 21 يناير، بعد أن ألحقّت الضربات في 9 و13 من الشهر أضراراً جسيمة بشبكات الكهرباء، واستهدفتها موجة جديدة الثلاثاء. وكتب زيلينسكي على منصات التواصل: «حتى صباح اليوم، هناك نحو 4,000 مبنى في كييف لا تزال بلا تدفئة، وما يقرب من 60% من العاصمة بلا كهرباء.» وأضاف أن هذا الانعكاس يَعمّ البلاد حيث لا تُلبى الان سوى 60% من احتياجات الكهرباء. منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) حذّرت من أن أزمة الطاقة تعرض الأطفال الأوكرانيين لخطر انخفاض حرارة الجسم والالتهابات الرئوية.

يقرأ  هجوم طائرةٍ مُسيَّرة روسية يودي بحياة ١٣٠٠٠ خنزير في أوكرانيا بحسب المسؤولين

وفي خطاب مساء الأحد قال زيلينسكي: «عملياً وعلى مدار الساعة، يعمل قرابة 58,000 شخص في طواقم الإصلاح على شبكات التوزيع ومحطات التوليد وشبكات التدفئة.» وأضاف أن «إذا كانت روسيا جادة في إنهاء الحرب لكانت ركزت على الدبلوماسية لا على الضربات بالصواريخ، والانقطاعات، ومحاولات إلحاق الضرر بمحطاتنا النووية.»

التأقلم مع الأسلحة الروسية
أبلغ المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن روسيا قطعت جميع إمدادات الكهرباء عن محطة تشيرنوبل النووية يوم 20 يناير. تُبقي المحطات النووية على وصلات كهربائية حتى حين لا تولّد للحفاظ على أنظمة تبريد المفاعلات، بحسب الوكالة. في ذات اليوم شنت روسيا هجوماً واسعاً شمل 339 طائرة مسيّرة هجومية و34 صاروخاً على بنى أوكرانيا التحتية للطاقة.

اعترضت أوكرانيا 27 من الصواريخ و315 طائرة مُسيّرة، لكن زيلينسكي اعتبر «أداء القوات الجوية ضد الـ(شهيد) غير مُرضٍ»، في إشارة إلى الطائرات المسيرة الإيرانية التصميم ذات المروحة التي تصنّعها روسيا. أعلن زيلينسكي تغييرات كبرى في يوم الاثنين: «سيُعتمد نهج جديد في استخدام قوات الدفاع الجوي لدى السلاح الجوي، لا سيما مجموعات النار المتنقلة والطائرات الاعتراضية المسيرة ووسائل الدفاع الجوي قصيرة المدى الأخرى. سيُعاد تحويل هذا النظام»، قال ذلك في كلمة مسجلة مساء.

وتسخدم روسيا أيضاً طائرات شهيد مزودة بمحركات نفاثة ما يمنحها سرعة أكبر ويصعّب اعتراضها، بحسب القوات الجوية الأوكرانية. لكن أوكرانيا بدأت تتكيّف؛ فقد نشرت القوات الجوية في 15 يناير شريطاً يُظهر طائرة من نوع «Sting» تعترض بنجاح طائرة شهيد ذات محرك نفاث. «Sting» طُورت بمبادرة «وايلد هورنتس» الخيرية الأوكرانية التي تجمع تبرعات للدفاع الجوي وصُممت لتدمير الشهيدات.

يرى زيلينسكي ضرورة تسريع الابتكار لمواجهة تكيفات روسيا مع دفاعاته. وفي إطار ذلك عيّن ميخايلو فيدوروف وزيراً للدفاع في 2 يناير لتسريع إنتاج الطائرات المسيرة، وأعلن الثلاثاء تعيين العقيد بافلو يليزاروف نائباً لرئيس السلاح الجوي. كتب أولكسندر سيرسكي، القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية: «بمشاركة بافلو يليزاروف، ومع مراعاة خبرته ونهجه الابتكاري، سيُحسّن نظام “الدفاع الجوي الصغير”».

يقرأ  ترامب يردّ على مراسل عقب سؤال عن إبستين

حذّر زيلينسكي الأوكرانيين منذ وقت طويل من تفاقم الوضع، وجدد التحذير الأحد: «روسيا أعدّت لضربة — ضربة هائلة — وتنتظر اللحظة لتنفيذها.» وقال سيرسكي لوسائل إعلام محلية إن روسيا تخطط لرفع إنتاج الشهيدات يومياً من 404 إلى 1,000 جهاز.

وبينما سافر زيلينسكي إلى سويسرا للقاء ترامب هذا الأسبوع كانت الأوضاع في أوكرانيا بالغة الصعوبة. وكتب وزير الطاقة دينيس شميهال يوم الخميس: «كان اليوم في أوكرانيا الأصعب لنظام الطاقة منذ انقطاع التيار في نوفمبر 2022. الوضع بالغ الصعوبة. أُجبرت الفرق مراراً على اللجوء إلى الإغلاق الطارئ.»

فشل أعقب الاحتدام
اللقاء بين ترامب وزيلينسكي جرى على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، حيث كان القادة الأوروبيون يأملون في دعم إعلان خطة لإعادة الإعمار بقيمة 800 مليار دولار لأوكرانيا. واجه هذا الأمر عقبة بعد إطلاق ترامب ما أسماه «مجلس السلام» ومحاولاته المثيرة للجدل للحصول على جرينلاند من الدنمارك. (الجزيرة) فشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام العام الماضي بدا أنه لا يزال يراوده.

كتب ترامب يوم الأحد إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره أنه «نظراً لأن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لوقوفي ثمانية حروب زائد، لم أعد أشعر بأنني ملزم بالتفكير حصراً في السلام، رغم أنه سيظل سائداً، لكن يمكنني الآن التفكير فيما هو جيد ومناسب للولايات المتحدة الأميركية»، مضيفاً أنه يطمح إلى «السيطرة الكاملة والمطلقة على غرينلاند».

أدّت تلك التصريحات إلى استنفار ثماني دول من دول بحر البلطيق وبحر الشمال وإرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة، التي تتمتع بالحكم الذاتي لكنها تندرج تحت مملكة الدنمارك.

ثم تراجع ترامب يوم الأربعاء في خطاب مطوّل استمر 71 دقيقة في دافوس، قائلاً إنه لن يتصارع مع حلفاء الناتو من أجل غرينلاند، لكن الضرر الدبلوماسي كان قد وقع بالفعل. كما قال مسؤول لصحيفة فاينانشال تايمز: «لا أحد في مزاج لإقامة عرض بهيج حول اتفاق مع ترامب الآن».

يقرأ  وزير الدفاع الباكستاني يحذّر من احتمال اندلاع «حرب مفتوحة» مع أفغانستان حال فشل محادثات السلام

في دافوس ظلّت مواقف المسؤولين الأوروبيين متحفظة إلى حدّ بعيد إزاء الولايات المتحدة، لكن ثمة تصريحات كشفت عن مزاج مختلف تحت السطح.

قال دبلوماسيون أوروبيون إن بروكسل طرحت فكرة منح أوكرانيا عضوية مبدئية في الاتحاد الأوروبي عام 2027 كجزء من ضمانات أمنية، على أن تتبعها العضوية الكاملة لاحقاً. وتخالف هذه الفكرة العملية التقليدية للانضمام المبنيّة على الجدارة، لكن الدبلوماسيين رأوا أن أمن أوكرانيا يجب أن يُعطى الأولوية على قواعد الانضمام. وعلق أحد مسؤولي الاتحاد قائلاً: «علينا أن نعترف بأننا في واقع مختلف تماماً عمّا كُتبت فيه قواعد (الانضمام) لأول مرة».

في نقاش حول الأمن قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستب إن أوروبا قادرة «بشكل قاطع» على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، وأضاف أن روسيا لا تنتصر في حربها، وأنها لم تسيطر «في أحسن الحالات» سوى على نحو واحد في المئة من أراضي أوكرانيا خلال الألف يوم الماضية، وذلك بثمن بشري باهظ بلغ مئات الآلاف من الأرواح.

وفي 15 يناير ذكّر ماكرون القيادات العسكرية الفرنسية بأن ائتلافاً مكوّناً من 35 دولة، لا يشمل الولايات المتحدة، هو الذي يقدم اليوم كل الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، بعد أن اتبعت واشنطن سياسة حياد خلال الحرب في عهد ترامب. وقال ماكرون: «حيث كانت أوكرانيا تعتمد اعتماداً شديداً على القدرات الاستخباراتية الأميركية، التي كانت تشكّل الغالبية قبل عام، صار في غضون عام اليوم ثلثا هذه القدرات تُقدَّم من فرنسا».

وفي بروكسل كانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أكثر وضوحاً بشأن ضرورة انفصال أوروبا عن السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية الأميركية. وقالت أمام البرلمان الأوروبي: «التحول في النظام الدولي ليس مجرّد زلزال مؤقت، بل هو دائم»، وأضافت أن من الضروري لأوروبا أن تُسرّع سعيها نحو الاستقلال، وأن لديها حاجة إلى رافعات قوة خاصة بها، وقبل كل شيء إلى قدرة حقيقية على الدفاع عن نفسها.

أضف تعليق