أظهرت صورٌ نُشرت يوم الأحد على مواقع التواصل الاجتماعي كورفيت تجريبية صينية غير مسماة، أمضت سنوات في اختبار تقنيات التخفي، وهي تحمل نظاماً جديداً صندوقي الشكل في المكان الذي كان يشغله قاذف صواريخ. وانقسم مراقبو الشؤون البحرية حول وظيفة هذا النظام: هل هو سلاح صوتي يهدف إلى إرباك أفراد الطاقم، أم نسخة بحرية من سلاح يعمل بالموجات الدقيقة عالية الطاقة ويُصمَّم لمواجهة أسراب المسيّرات؟
الصور التي نشرها حساب صيني على منصة «إكس» يُعرف باسم «دي إس بي فونغ»، ووصفها بأنها لسفينة تجريبية مزوَّدة بسلاح صوتي، انتشرت بسرعة بين الحسابات المتابعة للشؤون العسكرية، ومن بينها حساب «بي إل إيه ميليتري أبديتس». وتبيّن الصور السفينة بهيكلها الزاوي المنخفض قرب قاطرة بحرية، وبجانبها تركيب صندوقي في مكان كان يشغله سابقاً إمّا نظام إطلاق عمودي صغير للصواريخ، أو نسخة من صاروخ الدفاع الجوي قصير المدى «إتش كيو-10».
تقوم نظرية السلاح الصوتي على تاريخ الصين الموثَّق مع الأجهزة الصوتية. فقد عرضت الصين عام 2019 سلاحاً صوتياً محمولاً باليد، طوّره باحثون عسكريون بالتعاون مع الأكاديمية الصينية للعلوم، ووصفته بأنه أداة للسيطرة على الشغب. وقال العلماء وقتها إن تأثيره يتمثل في إحداث اهتزازات في طبلة الأذن ومقل العين والمعدة والكبد والدماغ لدى أي شخص يصاب به. كما استخدمت الصين أجهزة صوتية بحرية، من بينها أنظمة نداء صوتية بعيدة المدى وأدوات تعمل بالسونار، فيما يصفه باحثون في مجموعة «سي لايت» لتتبع المصادر المفتوحة بأنه تكتيكات «المنطقة الرمادية»؛ أي وسائل مضايقة غير قاتلة وقابلة للإنكار، توظّفها السفن الصينية ضد سفن وأطقم الدول المتنافسة في بحر الصين الجنوبي، وعادةً ما يكون هدفها تعطيل الطاقم أو إرباكه بدلاً من إغراق السفينة أو إلحاق ضرر جسيم بها.
أما التفسير الثاني، الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، فيقول إن النظام الجديد لا علاقة له بالصوت إطلاقاً. فشكله الصندوقي وموضعه في مكان كان مخصصاً سابقاً لأسلحة الدفاع الجوي يطابق إلى حد كبير مواصفات سلاح الموجات الدقيقة عالية الطاقة، وهو نوع من أسلحة الطاقة الموجَّهة التي تستخدم نبضات كهرومغناطيسية مركّزة لتعطيل الهدف بدلاً من قذيفة أو موجة صوتية. وقد استثمرت الصين بكثافة في هذا النوع من التقنيات دفاعاً عن سفنها ضد أسراب المسيّرات. ففي معرض تشوهاي الجوي عام 2024، كشفت شركة الدفاع الحكومية «نورينكو» عن نظام «إعصار 3000» المثبَّت على شاحنة، وأوضحت في يناير/كانون الثاني الماضي أن هذا السلاح قادر على تعطيل المسيّرات الصغيرة وأسرابها على مسافات تتجاوز ثلاثة كيلومترات، عبر إغراق إلكترونياتها بالنبضات الكهرومغناطيسية. ونُقل عن خبير في الشركة يدعى يو جيانجون قوله: «مدى اعتراضه الفعال يتجاوز ثلاثة كيلومترات ضد المسيّرات الخفيفة والصغيرة وأسرابها، مما يضعه في طليعة الأنظمة المماثلة محلياً ودولياً».
كما نشر باحثون عسكريون صينيون أعمالاً أكاديمية تقترح استخدام هذه التقنية في البحر. فريق بقيادة باحث اسمه تشوانفو أصدر ورقة بعنوان «بناء أنظمة بحرية لمواجهة الأسراب: إطار لحروب المستقبل» في مجلة «القيادة والتحكم والمحاكاة» المحكَّمة، جاء فيها أن السفن الحربية الشبحية معرَّضة فعلاً لتهديد أسراب المسيّرات الكثيفة. واقترح الباحثون نظام دفاع متعدد الطبقات يجمع أجهزة استشعار رادارية وحرارية وبصرية وراديوية وصوتية، مع أسلحة مثل الموجات الدقيقة عالية الطاقة والليزر البحري والصواريخ بعيدة المدى، بهدف اعتراض الطائرات الحاملة للمسيّرات قبل وصولها إلى مدى الهجوم.
إذا تبين أن النظام الجديد على الكورفيت هو نسخة بحرية من تقنية الموجات الدقيقة لا سلاح صوتي، فسيكون ذلك تطوراً أشد أهمية. فأسراب المسيّرات باتت من أكثر التهديدات إلحاحاً على السفن الحربية الحديثة، إذ تستطيع بأعدادها الهائلة إغراق الدفاعات الصاروخية التقليدية، التي تعتمد على صاروخ واحد لكل هدف، ولا تقدر على مواكبة هذا الكم الكبير من الأهداف.
وليست هذه المرة الأولى التي يظهر فيها هذا النوع من السفن. فقد أورد موقع «نافال نيوز» أول تقرير عنها في نوفمبر 2023 بعد ظهورها في حوض «ليانون» بمقاطعة لياونينغ شمالي الصين، وهو منشأة أصغر من المعتاد، اشتهرت ببناء كورفيتات من طراز 056 للبحرية الصينية، إلى جانب أعمال صيانة أوسع للفرقاطات وسفن الإنزال والغواصات التقليدية. وفي مايو 2024، خرجت السفينة إلى البحر فيما بدا أنها تجارب أولى. وقد صُمِّم هيكلها بأسطح مستوية وزاويّة لتقليل بصمتها الرادارية والحرارية والصوتية والمغناطيسية، وهي خيارات تجعل السفينة أصعب كشفاً بكل الوسائل التي تستخدمها الجيوش الحديثة في البحر. ولم يؤكد المحللون لها اسماً رسمياً أو رقماً لهيكل السفينة، واكتفت التصريحات العسكرية الصينية عند الكشف عنها بوصفها منصة اختبار شاملة، أي أنها موجودة لتجربة أسلحة وأجهزة استشعار وأنظمة دفع جديدة، وليس لتكون مقاتلة جاهزة، وهذا يجعلها مرشَّحاً منطقياً لاختبار أجهزة مكافحة المسيّرات.
ويبقى تأكيد نوع هذا الجهاز من الصور المتاحة مفتوحة المصدر مستحيلاً، سواء أكان سلاحاً صوتياً أم نظام موجات دقيقة بحرياً أم شيئاً آخر مختلفاً تماماً. ولم يصدر أي تصريح حكومي أو عسكري صيني حول وجوده أو وظيفته. لكن المؤكد أن هذه ليست أول تغييرات كبيرة تُلاحَظ على السفينة؛ فالتجهيزات القتالية السابقة، بما فيها المدفع الرئيسي ونظام الإطلاق العمودي الذي اعتقد المحللون أنه يحمل صواريخ «إتش كيو-10»، تغيّرت مرات سابقة. كما رصد «نافال نيوز» في وقت سابق من هذا العام ما بدا أنه مدفع سطح مختلف ذو عيار كبير بشكل غير معتاد على سفينة اختبار صينية مماثلة، مما يعزز الانطباع بأن هذه السفن التجريبية تغيّر معداتها باستمرار بين مشاهدة وأخرى.