استمع إلى هذه المادة | 8 دقائق
لا يشبه مسار دونالد ترامب مسارات سابقيه الخمسة والأربعين؛ فقد دخل السباق إلى البيت الأبيض مباشَرةً دون أن يبنِ سيرته عبر مناصب انتخابية أو تعيينية تقليدية، وكان انتخابه حدثًا استثنائياً في السياسة الأميركية. وبغياب سجل طويل في العمل السياسي، شكّل عهده الأول تجربة تعلم عملية لأساليب واشنطن وإدارة الشؤون الدولية. لكن النجاحات التي حققها في تلك المرحلة أتاحَت له فهمَ تعقيدات الحكم الأميركي وأعدَّته لولايته الثانية التي وضعت تركيزًا أكبر على السياسة الخارجية.
بعد عام من انتخابه الثاني، أعاد ما يُعرَف بـ«عقيدة ترامب» تشكيل النظام الدولي وأعاد تحديد دور الولايات المتحده في العالم بسرعةٍ لافتة، شملت تحوّلات في التحالفات الدفاعية واستراتيجيات أمن الموارد. ويصف منتقدوه هذه العقيدة بأنها مزيج فوضوي من الانعزال وتفكيك التعددية والهيمنة، لكن الواقع أظهر نهجًا منهجيًا يركّز على النتائج الإستراتيجية. رغم أساليبه غير التقليدية وتصريحاته الاستفزازية أحيانًا، فإنها غالبًا ما تُربك الخصوم وتستدعي تنازلات تحقق أهدافه. سواء كانوا حلفاء أم أعداءً، فإن مبدأ «أميركا أولاً» يوجّه أجندته وتكتيكاته، وهو يمارس ببراعة «فن الصفقة» لتحقيق ما يصبو إليه. ولا يبرز ذلك بوضوح أكبر من ملف غرينلاند، حيث هدد بفرض موقف مساومة أقصى — وبلغ حد التوعد بالاستحواذ — إن رفضت الدنمارك التنازل عن الجزيرة التي يراها ضرورية للأمن الأميركي. النتيجة كانت تفاهمًا يقضي بتوسيع الوجود العسكري المشترك وفتح أبواب الاستثمار بشكل شبه حصري أمام الولايات المتحدة مع استبعاد النفوذ الصيني والروسي؛ مهمة تحققت: توسيع النفاذ الاستراتيجي الأميركي وتعزيز بنية الأمن الغربي.
في رؤيته، وضع ترامب دور الولايات المتحدة ومصالحها في صدارة العملية الدولية، واعتبر أن تعزيز القوة الأميركية يُصبّ في مصلحة العالم الحر ويزيد من ازدهاره وأمنه. لذلك تخلّى عن الثقة المطلقة في الأمم المتحدة، واعتبر المنظمة التي أتمّت ثمانين عامًا فاعلةً إلى حدّ ما أو على الأكثر ساحةً لنشاطات معادية لأميركا وذيلية لليسار، وغالبًا ما تُشلّ بسياسة الفيتو وغير قادرة على مساءلة فعّالة. بدلاً من ذلك، اتخذ ترامب نهجًا ثنائياً وإقليمياً يعطي الأفضلية للعلاقات المباشرة للسلطة على حساب الإجماع متعدد الأطراف.
أعاد تعريف التحالفات الإقليمية، خصوصًا حلف شمال الأطلسي (ناتو)، من خلال إصراره على مشاركة أوسع والتزامات مالية أكبر من جانب الدول الأعضاء؛ هدفه إعادة توازن الالتزامات لتعزيز الردع وتقليص التشبّع الأميركي. على أن الدول الغنية في أوروبا وآسيا ستتحمّل الآن نسبة أكبر من أعباء دفاعها. وتقوم عقيدة ترامب على دعائم إستراتيجية رئيسية تهدف إلى تحقيق السلام بالقوة والازدهار بالنفوذ: أولًا، تعزيز القوة العسكرية الأميركية عبر مقترح لزيادة ميزانية الدفاع إلى مستوى يقارب ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لاستعادة رادع عسكري ساحق في عصر المنافسة بين القوى الكبرى؛ وثانيًا، استخدام الاستثمار والتجارة الحرة العادلة كأدوات نفوذ. فالتعريافات والاتفاقيات التجارية عند ترامب ليست مجرد تدابير اقتصادية؛ بل أدوات سياسية لتشكيل السلوك الدولي وتحقيق أهداف خارجية، من تقييد مشتريات النفط الروسية دعماً لأوكرانيا إلى مكافحة تجارة المخدرات غير المشروعة العالمية، دلالة على إيمانه بأن النفوذ الاقتصادي لا يقلّ حسمًا عن القوة العسكرية في صياغة النتائج الدولية.
لم يستثمر ترامب طاقة سياسية أكبر في أي منطقةٍ من العالم كما فعل في الشرق الأوسط، الذي صار ميدانًا محورياً لنهجه الخارجي. أعادت عقيدته ترسيخ وتعزيز العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي الوقت عينه وسّعت الروابط التاريخية مع حلفاء عرب عبر اتفاقيات إبراهيم التي روّج لها في ولايته الأولى، وجعلها إطارًا للتعاون الإقليمي الأوسع. بينما وصف بايدن السعودية بـ«دولة منبوذة»، رأى ترامب المملكة حليفًا محوريًا وركيزة للاستقرار الإقليمي. ولا شك أن نفوذه لدى شركاء عرب، من مصر والسعودية إلى الأردن وقطر والإمارات، كان عاملًا مهمًا في الوصول إلى هدنة في غزة، مستفيدًا من التحالفات الإقليمية لتيسير المسار التفاوضي.
تقوم رؤية ترامب للشرق الأوسط على فلسفة ترى في الازدهار الاقتصادي، لاسيما للفلسطينيين، قاعدة أساسية لتحقيق السلام؛ ولهذا يكرر الإشارة إلى تنمية غزة والاستثمار فيها لجعلها منطقة قادرة على الازدهار. خطة ترامب للسلام في غزة تتألف من عشرين بندًا موزعة على ثلاث مراحل، ومجلس سلام يسعى للتوازن بين الحكم الذاتي الفلسطيني ومتطلبات امن إسرائيل. وبحشد موارد والتزامات تركيا وبعض الحلفاء العرب الرئيسيين، يبدو ترامب مستعدًا للمجازفة المحسوبة لحل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي المستفحل، مستندًا إلى جهود بناء تحالفات إقليمية مماثلة لما فعله في حالات الصراع بسوريا ودعمه لحكومة بقيادة شـراء (تحريف أو اسم مستعمل في النص الأصلي).
أما مع إيران فقد وضع ترامب خطًا أحمر واضحًا: يحمّل النظام الإيراني مسؤولية جزء كبير من عدم الاستقرار الإقليمي عبر تدخله ودعمه لمنظمات إرهابية وميليشيات في اليمن وغزة ولبنان. فضلاً عن كونه راعٍ للإرهاب، تشكل طموحات إيران النووية تهديدًا عالميًا قد تفتح مجالًا لهيمنة طهران على الإقليم إن تحققت. وبغض النظر عن الوسيلة — قوة عسكرية أو اتفاق تفاوضي قابل للتحقق — فقد جزم ترامب عزمَه على إنهاء التهديد الإيراني بشكل قاطع، ساعيًا لاحتواء أو تقويض قدرات إيران الاستراتيجية على المدى الطويل. وهو أول رئيس أميركي يشن ضربات على إيران ومستعد لتكرار ذلك؛ ومع احتواء إيران أو تغيّر نظامها بفعل ثورة داخلية مدعومة أميركيًا، سيحظى ترامب بمساحة مناورة أكبر لفرض دولة فلسطينية وترتيبات أمنية ملائمة لإسرائيل والفلسطينيين على حد سواء. وفي تصور ترامب، تكون الولايات المتحدة إلى جانب مجموعة من القادة العرب، ضمن إطار موسع لاتفاقيات إبراهيم يضم السعودية وقطر وسوريا ولبنان ودولًا عربية أخرى ملتزمة بالتعاون الأمني الإقليمي، ضامِنين لأي تسوية.
من الضروري قراءة إنجازات وأهداف إدارة ترامب في السياسة الخارجية ضمن منظار واسع، باعتبارها جزءًا من عقيدة استراتيجية متماسكة ومتعمدة. تستند مبادئ عقيدة ترامب إلى توسيع غير مسبوق للدفاع الوطني، والسعي لتجارة عادلة ومتوازنة، ودعم راسخ للحلفاء الأميركيين. ورغم أساليبه غير التقليدية، يقول أنصاره إن نتائجها أفضت إلى مكاسب استراتيجية ملموسة. وفي كثير من النواحي يُستعاد في صورته مقارنة مع ثيودور روزفلت في القرن الحادي والعشرين: زعيمٌ لا يتردد في إظهار القوة لتأمين المصالح الوطنية، كلاهما وضعا أميركا أولًا وحملا عصًا ثقيلة، معتبرين القوة الوطنية أساس التأثير والاستقرار العالميين.
الآراء الواردة في هذه المادة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.