سيناريو ترامب لعام 2026 بشأن «حرب» إيران: صدى وتحريف لسيناريو حرب العراق 2003 أخبار الأسلحة النووية

في يناير 2003 وقف الرئيس جورج دبليو بوش أمام الكونغرس الأميركي محذِّرًا من «خطر جسيم» مصدره «طاغية» كان في السابق حليفًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومزودًا بأسلحة دمار شامل. وبعد ثلاثة وعشرين عامًا، عاد المشهد إلى نفس القاعة ولكن بوجه مختلف: في خطاب حالة الاتحاد استخدم الرئيس دونالد ترامب سردية تبدو منقولة من ذلك الزمن نفسه — نظام مارق، تهديد نووي و«ساعة» تُعدّ للانفجار.

التقاطع المرير للتاريخ: من صدام إلى خامنئي

في مفارقة تاريخية قاتمة، صاحب السلاح الذي جهزته واشنطن لصدام حسين في حربه مع إيران (1980–1988) تحول لاحقًا إلى «عدّ عامّ» لواشنطن، متجاوزًا حتى أسامة بن لادن في خوْلِ العداء العام. اليوم يبدو أن تسمية «العدّ العام» قد وُجهت إلى المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، الذي كان من أبرز قادة إيران خلال تلك الحرب الكارثية التي أدمت المنطقة وراح ضحيتها نحو مليون إنسان.

غير أن النص السينمائي للحرب بات يتعامى عن تحولات جوهرية في ميزان القوى والجغرافيا السياسية.

سيمياء الخوف: من الغيوم إلى الأنفاق

في 2003 كان الخطاب البصري للحرب عموديًا: سحابة فطرية فوق مدن أميركية أو سلاح بيولوجي ينفذ إلى التجمعات السكانية. اليوم انقلبت المخاوف إلى الأسفل: يُرسم التهديد «في أعماق تحت الأرض»، منشآت وكهوف وأمكنة يصعب الوصول إليها.

«الإدراة تُحدّث قاموس الخوف البصري»، يقول المحلل السياسي المقيم في واشنطن أسامة أبو إرشيد. «هم يضخمون التهديد النووي كما فعلت إدارة بوش مع استعارة «المسدس الدخاني». لكن هناك فرق جوهري: في 2003 تم تكييف الاستخبارات لتتماشى مع الكذبة. في 2026 تُظهر تقديرات الاستخبارات تناقضات مع تصريحات ترامب».

ففي حين أكد ترامب أن إيران «تعيد بناء» برنامجها النووي لضرب الأراضي الأميركية، خرجت روايات متضاربة من داخل إدارته نفسها. إذ أصرت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، مقلدةً رئيسها، على أن ضربات 2025 في «عملية مطرقة منتصف الليل» قد «محوّت» منشآت إيران، بينما روّج مبعوث ترامب قبل أيام بأن طهران «على بعد أسبوع» من القنبلة. هذه الفوضى المعرفية، وفق محللين، تخدم غرضًا محددًا: إبقاء التهديد غامضًا بما يكفي لتبرير ضغوط عسكرية دائمة.

يقرأ  عامان بعد اندلاع الحربهل ستغتنم إسرائيل وحماس فرصة إنهائها؟

«بوش استفاد من الغضب الذي أعقب 11 سبتمبر لربط العراق بتهديد وجودي»، قال أبو إرشيد لقناة الجزيرة. «ترامب لا يملك هذا الرصيد؛ إيران لم تهاجم التراب الأميركي. لذا يضطر إلى اختراع تهديد مباشر، مدعيًا أن صواريخها الباليستية يمكنها الوصول إلى أميركا — ادعاء لا تدعمه الوقائع الفنية».

مستنقع تغيير النظام

أحد أبرز الفوارق مع 2003 هو مدى تماسك فريق الحكم آنذاك. فريق بوش — ديك تشيني، دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز — تحركوا في انسجام أيديولوجي واضح. تشيني تنبأ علنًا بأن القوات الأميركية ستُستقبل «كمحرّرين».

الحقيقة كانت مختلفة: مشهد إسقاط تمثال صدام وسرعة تناقله على التلفزيون لم تلبث أن تحوّل إلى قتال منظّم ضد الاحتلال، خسائر أميركية ثقيلة، وإراقة دموية طائفية دفعت العراق إلى شفا حرب أهلية واسعة. إعلان بوش عن «انتهاء العمليات القتالية الرئيسية» تحت لافتة ضخمة «المهمة أنجزت» في مايو 2003 لاحق إدارته والبلاد لسنوات.

فريق ترامب في 2026 يبدو أقل تماسكًا بكثير، ممزقًا بين عزلة «أميركا أولًا» وتيارات تدخلية عدوانية. السطر الرسمي يقول — بحسب تصريحات نائب الرئيس جي.دي. فانـس ووزير الدفاع بيت هيغسِث — إن الهدف ليس تغيير النظام: «لسنا في حرب مع إيران، نحن في حرب مع برنامجها النووي»، كما قال فانـس. لكن غرائز الرئيس مغايرة: علق ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي متسائلاً لماذا لا يُجري تغييرٌ للنظام إذا عجز النظام الحالي عن «جعل إيران عظيمة مجددًا» — صياغة جاذبة لشعور الانقسام.

«النيوقنونيين الذين اختطفوا السياسة في عهد بوش ضعفوا»، يلاحظ أبو إرشيد، «لكنهم استُبدلوا بشخصيات مثل ستيفن ميلر، الموالية المطلقة لترامب وذات روابط وثيقة باليمين الإسرائيلي. ترامب يقود بعاطفته لا باستراتيجية؛ يبحث عن «نصر» لم تحققه إدارات سابقة: تفريغ إيران من قدراتها نهاية الأمر، إما بالاستسلام الكامل لخفض التخصيب أو بانهيار داخلي».

يقرأ  ماذا قد تكون الخطوة التالية للولايات المتحدة بعد فنزويلا؟نيكولاس مادورو

الذروة الوحيدة: الإكراه بدل التحالف

في 2003 عمل بوش وتوني بلير بلا كلل لتشكيل «تحالف الراغبين». كان غطاء دبلوماسيًا، لكنه موجود. بلير ظل شخصية مكروهة في الشرق الأوسط وبعض دوائر الغرب لكونه قدّم غطاءً دبلوماسيًا لكارثة العراق.

في 2026 تعمل الولايات المتحدة في عزلة لافتة. «ترامب لا يبني تحالفًا؛ إنه ينفر الحلفاء»، يقول أبو إرشيد، مشيرًا إلى نمط من «الابتزاز» يمتد من الرسوم الجمركية على الاتحاد الأوروبي إلى محاولات شراء غرينلاند. «الأوروبيون يرون في الضغوط المطبقة على إيران سابقة قد تُستخدم ضدهم. خلافًا لـ2003، لا إيران هنا من يساندها — إسرائيل هي الوحيدة المتفاعلة بالكامل».

تكشف هذه العزلة عندما رفضت المملكة المتحدة، بحسب تقارير، السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعد جزر للقيام بضربات على إيران، ما اضطر قاذفات من طراز بي-2 للانطلاق في بعثات مدتها 18 ساعة مباشرة من الأراضي الأميركية خلال حملة 2025.

انهيار الضوابط والتوازنات

بعد الفشل الاستخباري الكارثي وكذبة الحرب في العراق وُعد بتقوية إشراف الكونغرس. بعد عقدين تبدو تلك الحواجز قد تآكلت.

رغم محاولات من النواب رو خاتا (ديمقراطي) وتوماس ماسي (جمهوري) لتفعيل «عريضة إزاحة» لمنع حرب غير مصرح بها، فإن الواقع السياسي قاتم. «مفهوم الضوابط والتوازنات يواجه اختبارًا خطيرًا»، يحذر أبو إرشيد. «الحزب الجمهوري صار فعليًا حزب ترامب. المحكمة العليا تميل يمينًا. وترامب يعمل بصلاحيات ما بعد 11 سبتمبر الموسعة التي تتيح «ضربات محدودة» — ضربات قد تتسع بسرعة إلى حرب مفتوحه».

مع استناد الإدارة إلى رقم «32,000» قُتلوا على يد طهران — وهو رقم أعلى بكثير من تقديرات مستقلة ووصفت طهران الادعاء بأنه «أكاذيب كبيرة» — تُتهيأ الأرضية الأخلاقية للتصعيد دون اللجوء إلى قرارات الأمم المتحدة أو موافقة الكونغرس.

يقرأ  رسالة إلكترونية تزعم أن ترامب قضى ساعات مع ضحية في منزل إبستين

ختام مفتوح: هل صفقة أم فاجعة؟

بينما يلتقي مفاوضو واشنطن وطهران في جنيف لمحادثات قد تكون فاصلة، وتحت ظل عملية «مطرقة منتصف الليل»، يبقى السؤال قائمًا: هل البلدان، بعد عقود من العداء، على شفير اتفاق يخفف من التوتر، أم في مقدمة فصل يؤدي إلى حرب قد تشعل المنطقة برمتها؟

أضف تعليق