شهادات الناجين: رعب حريق بمركز تسوق في باكستان

رياض سهيل وزبير خان وقيسر كامران — بي بي سي أردو

تصاعدت أسباب الحزن واليأس بين ذوي المفقودين بعد اندلاع حريق هائل في مركز “غول بلازا” التجاري مساء السبت، وما زال العشرات من الأشخاص في عداد المفقودين.

محمد أمين يعيش حالة من الصدمة والعجز. شقيقه نويد ميمون كان داخل المركز عندما اندلع الحريق في هذا التجمع التجاري المكتظ في كراتشي، عاصمة البِزنس الباكستانية. وحتى الآن لم يُعثر عليه، شأنه شأن عشرات آخرين.

“ماذا أقول لأمّي حين أعود؟ ماذا أقول لبناتي الصغيرات؟” يتساءل أمين بصوت يختنق. “يبكين لوالدهن، ويسألّنني عن سبب تأخره. كيف أبلّغهن أنّ والدهن ليس هنا بعد الآن؟”

يضمّ المبنى، الذي كان يحوي نحو 1200 متجر في الطابق السفلي والمستوصف وثلاثة طوابق فوقه، سوقًا جملة تبيع سلعًا منخفضة السعر: ألبسة أعراس، ألعابًا، زينات، ملايات، زهورًا صناعية وملابس أطفال. وكان سكان المدينة يتوافدون إليه بكثافة خاصة قبيل المناسبات والأعياد والأفراح.

مصدر الحريق لا يزال غير محدد، لكن شهود عيان يقولون إن سرعة انتشار النار، وقلة مخارج الطوارئ الصالحة للاستعمال، وكثافة المتسوقين والبسطات داخل البناء، كلها عوامل فاقمت الكارثة.

رهان الهروب كان محظوظًا لدى بعض التجار. ريهان فيصل، صاحب محل ملاءات، قال إنه استطاع الخروج لأن متجره كان بجانب أحد المخارج وكسر الباب لينقذ نفسه. أضاف أن العاملين سمعوا أولًا عن حريق في جزء آخر من السوق فلم يبالوا ظانين أنه بعيد عنهم، ثم تفاقمت الأمور بسرعة.

“لم يظن أحد أنه سينتشر بهذه السرعة” قال فيصل، موضحًا أن كل شيء احترق أمام أعينهم خلال خمس إلى سبع دقائق تقريبًا.

شعيب، شاب في التاسعة عشرة يعمل في محل زينة، روى أنه سمع عن الحريق في طابق أدنى حوالى الساعة العاشرة مساءً. “تدفّق الزبائن والتجار إلى الأعلى وهم يقولون إن هناك حريقًا في الأسفل. كنت أحاول استيعاب الموقف حين أمرني صاحب المحل بإغلاقه والمغادرة”، قال لشبكة بي بي سي أردو.

يقرأ  ترامب يهدد بـ«حرب» على شيكاغو بينما يحتج الآلاف رفضًا للقمع الاتحادي

تحولت الرؤية سريعًا إلى حجب بالدخان، عمّت الذعر والارتباك، والناس تركض بلا اتجاه واضح. حاول شعيب الوصول إلى مخارج يعرفها، لكنه وجد الأول مغلقًا وتكدّس الجماهير حال دونه من الاتجاه الآخر.

مع اقتراب موعد الإغلاق، كانت معظم بوابات المركز مغلقة؛ وقال مسؤول شرطي كبير إن 13 من أصل 16 مخرجًا كانت مغلقة وقت الحريق، ما صعّب عمليات الإخلاء بصورة كارثية.

نجا شعيب بأعجوبة بعد أن فقد وعيه وسط الدخان، وسحبه مجهول إلى خارج المبنى، لكن زميله الذي حاول الهرب معه ما زال مفقودًا.

الهيكل المتبقي من المبنى لا يزال يُهدّد بالانهيار، ما يعرقل جهود الإنقاذ ويزيد من خطورة دخول فرق الإطفاء والإنقاذ إلى الداخل. أما الحصيلة المؤكدة حتى الآن فبلغت 27 قتيلاً، بينما يزال أكثر من 70 شخصًا مفقودين، فيما يتصاعد الدخان من بقايا المبنى.

قال الدكتور عبد الجلال الدين شيخ، مسؤول رفيع في فرق الإنقاذ، إن وتيرة البحث تُبطئها حالة المبنى المتدهورة وخطر انهياره المفاجئ. وأضاف أن بعض الجثث لا يمكن التعرف عليها بالعين المجردة، وسيكون من الضروري اللجوء للفحوصات الجنائية لتحديد عدد الضحايا بدقة.

تجمّعت حشود حول البناية باحثة عن ذويها، في انتظار أي خبر يفرّج عن معاناة الأسر. محمد قيسر قال إن زوجته وأخته وكنّته من بين المفقودين، وأن آخر اتصال معهم كان عند الساعة الثامنة مساءً حين تم الإبلاغ عن الحريق. “لم نعلم بعد ما الذي حلّ بهم”.

اشتكى قيسر من تشتّت المعلومات وتردّد الجهات المعنية في تقديم المساعدة، وقال إن أفراد أسرته وُجهوا بين مركز الحروق والمشرحة دون رسم خطة واضحة للبحث والإرشاد.

هرون، من سكان المنطقة، فقد أحد إخوته الثلاثة داخل المبنى؛ نجا اثنان بينما بقي الثالث في عداد المفقودين. “اتصل أخي بوالدينا من داخل البلازا يناشدهم إنقاذه، ونادى أصدقائه، لكن لم يستطع أحد إنقاذه” قال وهو يروي اللحظات الأخيرة قبل الغياب.

يقرأ  البيت الأبيض يستهدف قطعًا فنية محددة في متاحف سميثسونيان

الناجون، وفي مقدمتهم شعيب، لا يتركون المكان أملاً أن يظهر قريبهم على قيد الحياة. “كنت أذهب إلى العمل مع ابن عمي كلّ يوم. لا أشعر أنني قادر على العودة إلى البيت بدونه. ما زلت أنتظر أن يُسحب حيًا من تحت الأنقاض”، قال بينما يتلقى اتصالات عائلة فايزان الحريصة على أي خبر جديد. “لا أملك إجابة لهم.”

مع تواصل عمليات البحث، تصاعدت موجة الغضب الشعبي والمطالب بمحاسبة المسؤولين. احتشد المئات حول البناية يوم الاثنين مطالبين بمساءلة الجهات المعنية. تعرض عمدة كراتشي، مرتضى وهَّاب، لهتافات استهجان عند وصوله إلى الموقع بعد نحو 24 ساعة من اندلاع الحريق.

يتهم كثيرون فرق الإنقاذ بالتأخر أو بسوء التنسيق: “لو بدأ عمل الإغاثة في الوقت المناسب لربما نجت أرواح ثمينة”، يقول محمد عارف، الذي يُعدّ ابن أخيه ضمن المفقودين. فيصل أشار إلى أن وصول سيارات الإسعاف كان أسرع من وصول فرق الإطفاء، رغم أن الأولية كانت لإطفاء الحريق وإخراج المحتجزين.

نقلت وكالة رويترز عن جهات الإنقاذ أن البلاغ الأول وصل عند الساعة 22:38 مساء السبت، مفيدًا باندلاع حريق في محلات الطابق الأرضي، وبحلول وصول رجال الإطفاء كانت النيران قد امتدت إلى الطوابق العليا واستولت على أجزاء واسعة من المبنى.

أعلن مراد علي شاه، رئيس وزراء إقليم السند الذي تضمّ كراتشي، فتح تحقيق في ملابسات الحريق وسرعة الاستجابة. كما أدان نواب من طيف سياسي واسع الحادث ودعوا إلى إصلاحات جذرية في معايير السلامة بالمباني، واستجابة الطوارئ والحكم الحضري، خلال مناقشة برلمانية طارئة.

توالت التعازي والتعهدات بالإجراءات من كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيس الوزراء، لكن لأهل الضحايا في موقع الحادث هذه التعازي لا تمثل تعويضًا كافيًا.

“هذه ثالث مرة تحدث فيها حرائق مماثلة في منطقة سدر خلال فترة قصيرة” يقول محمد عارف، متسائلاً بمرارة: “إلى متى ستستمر هذه الكوارث، وكم من أرواح يجب أن تُفقد قبل اتخاذ إجراءات حاسمة؟”

يقرأ  العثور على جثتي أم وطفل مفقودين داخل ثلاجات في النمسا

ملاحظات: بعض الكلمات فيها خطأ مطبعي بسيط: المفقودييّن، المركز التجارري.

أضف تعليق