ضحية للاختبارات النووية: لم أشعر يومًا بمثل هذا الخوف | الأسلحة النووية

الخطر النووي اليوم أعظم مما كان عليه في أي وقت منذ الحقبة ما بعد الحرب الباردة. يواجه العالم احتمال انطلاق سباق تسلح متجدد، هذه المرة بلا قيود تلجمته الاتفاقات التي لسنوات طويلة أبقت الكارثة في مأمن. يُقدَّر عدد الرؤوس النووية الآن بنحو 12,241 رأساً نووياً في أنحاء العالم. آليات ضبط التسليح تتفكك أمام أعيننا: فعمليات التفتيش بموجب معاهدة ستارت الجديدة، آخر اتفاقية ضبط تسليح قائمة بين الولايات المتحدة وروسيا، معلّقة، ومع انقضاءها في فبرابر 2026 لا يظهر خلف لها. معاهدة القوى النووية متوسطة المدى اختفت، ومعاهدة السماء المفتوحة تُركت، ومعاهدة الحظر الشامل لتجارب الأسلحة النووية لم تدخل حيز النفاذ بعد. وفي الوقت نفسه، تبدو الخريطة الجيوسياسية العالمية أكثر تقلباً من أي وقت مضى.

في العمق، كل إنسان يعلم أن الأسلحة النووية تمثل تهديداً. نعرف قوتها التدميرية: فناء فوري، أمراض الإشعاع، سرطانات، أراضٍ ملوَّثة، وأجيال من المعاناة. ومع ذلك، يتزايد قبول جزء من المجتمع الدولي بفكرة أن الأسلحة النووية تمنح الدول أماناً. صحيح أنها على مستوى السياسة الدولية قد تؤمن درع ردع، لكن على المستوى العالمي هي سيف داموقليس معلق فوق البشرية جمعاء. كلما طال زمن تظاهرنا بأنها ضمان للأمن، ازداد احتمال فشل الردع في يوم ما. وتزداد هذه المخاطر إزعاجاً مع الاعتماد المتنامي على الذكاء الاصطناعي في التقنيات العسكرية.

أنا أعرف هذا الخطر معرفة حميمة، ليس مجرد فهم نظري، بل في جسدي وتاريخ بلدي. ولدت بلا ذراعين، نتيجة لتجارب نووية أجرتها الاتحاد السوفيتي في أرضي، كازاخستان. من 1949 حتى 1989 أُجريت أكثر من 450 تجربة نووية في موقع سيميباتينسك للاختبارات. أكثر من مليون شخص تعرضوا مباشرة للإشعاع، وما تزال تبعات ذلك عالقة بالأجيال الثالثة والرابعة: سرطانات، تشوُّهات خلقية، تلف بيئي، وصدمات بينية الأجيال. حياتي نفسها شهادة على الثمن البشري الذي دُفع باسم ما يُسمى «الأمن القومي». أصبحت فناناً أرسم بفمي وقدمي، وناشطاً كي لا تتكرر مأساة بلادي في أي مكان آخر.

يقرأ  مائة هيروشيما — تهديد الأسلحة النووية

ما مرّت به كازاخستان هو سبب موقف بلادنا منذ الاستقلال كأحد أبرز دعاة نزع السلاح النووي. ورثنا رابع أكبر ترسانة نووية في العالم فاخترنا التخلي عنها طواعية. أغلقت بلادنا موقع سيميباتينسك للاختبارات بشكل نهائي. وأنشأنا، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مصرف اليورانيوم منخفض التخصيب الدولي كحاجز عالمي ضد أزمات وقود نووي. واليوم تستعد كازاخستان لبناء أول محطة للطاقة النووية لديها. هذا فرق مهم: بلادنا ليست ضد الطاقة النووية التي يمكن توظيفها سلمياً لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء وخفض انبعاثات الكربون. أما الأسلحة النووية فشأن مختلف تماماً؛ فهي لا تنير بيوتاً بل تدمرها. ومن هنا جاءت مبادرة كازاخستان في الأمم المتحدة التي أدت إلى إعلان 29 أغسطس، تاريخ إغلاق موقع سيميباتينسك رسمياً، كاليوم الدولي ضد التجارب النووية.

قامت كازاخستان بدورها. لكن هذه المعركة أكبر منّا جميعاً. يحتاج العالم إلى دعم أوسع بكثير إذا رغبنا في تقليص الخطر الذي تمثله الأسلحة النووية. أعترف أن حلم عالم خالٍ من الأسلحة النووية قد يبدو اليوم بعيد المنال، لكن هناك خطوات عملية يمكن للمجتمع الدولي اتخاذها فوراً لتقليل الخطر، لو توافرت الإرادة.

أولاً: علينا أن نتصدى لجنون إبقاء آلاف الرؤوس على حالة تأهب قصوى. نحو 2,100 سلاح نووي تبقى في حالة إنذار قصير الأجل، مع منح القادة دقائق معدودة فقط لاتخاذ قرار بإطلاقها. في مثل هذه الإطار الزمني المضغوط يرتفع احتمال الإنذارات الكاذبة، الأعطال التقنية، أو حتى الأخطاء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى مستوى لا يُحتمل. تخفيض مستوى التأهب لهذه الأسلحة هو أبسط خطوات تقليل المخاطر على المدى القريب. لا ينبغي لوجود البشرية أن يعتمد على قرار مُتخذ على عجل في دقائق معدودة.

ثانياً: على الدول الحاملة للأسلحة النووية أن تؤكد علناً وقفها للتجارب النووية، بغض النظر عن سياسات المعاهدات. وإذا كانت غير قادرة حالياً على التصديق على معاهدة الحظر الشامل لتجارب الأسلحة النووية، فعليها على الأقل أن تتعهد بعدم إجراء تجارب من جديد. هذا الحد الأدنى الواجب تجاه ضحايا التجارب الماضية، من سيمي إلى المحيط الهادي وما بعده.

يقرأ  المملكة المتحدة وفرنسا وألمانياعلى أهبة الاستعداد لإعادة فرض عقوبات على إيرانإذا لم تُستأنف المفاوضات

ثالثاً: يجب أن نؤكد مجدداً المبدأ الإنساني القائل بأن الأسلحة النووية بطبيعتها غير إنسانية. هذا هو القلب الأخلاقي لمعاهدة حظر الأسلحة النووية. وحتى إن لم تستطع الحكومات التوقيع أو التصديق عليها الآن، فيمكنها أن تحتضن روحها، معترفةً بأنه لا دولة ولا شعب قادر على الاستجابة بصورة كافية لتفجير جهاز نووي في منطقة مأهولة.

رابعاً: على العالم أن يمنع حدوداً جديدة للخطر النووي. علينا أن نؤكد حظر وجود أسلحة نووية في المدار، لضمان بقاء الفضاء الخارجي خالياً من هذه الأجهزة المدمرة. ويجب أن تتعهد جميع الدول بألا تُفوّض قرارات استخدام الأسلحة النووية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي أبداً.

أخيراً، علينا محاربة أعظم الأخطار: النسيان. في كل 29 أغسطس لا ينبغي أن نكتفي بإحياء اليوم الدولي لمناهضة التجارب النووية، بل يجب الالتزام بالتعليم والذاكرة. ينبغي لكل تلميذ وتلميذة أن يعرفوا ما حدث في سيمي، وفي هيروشيما وناغازاكي، وفي أتول بيكيني. فقط حين يتذكر العالم معاناتنا سيختار ألا يكررها.

رؤية عالم خالٍ من الأسلحة النووية ليست سذاجة ولا مستحيلة. أظهرت كازاخستان ما هو ممكن عندما أغلقت موقع سيميباتينسك وتخلت عن ترسانتها النووية. إذا كان بلد تحمل مئات التجارب النووية قد اختار أن يمضي في طريق خالٍ من الأسلحة، فبوسع الآخرين أن يفعلوا ذلك أيضاً. السؤال هو ما إذا كانت الإنسانية تملك الشجاعة للقيام به.

الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب الشخصي ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق