عثرنا على مسعفين في غزة — بعد عام ما زال القانون الدولي مطمورًا الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

رأيت كثيرًا من الموت في غزة. ليس موتًا عاديًا، بل قتلًا وحشيًا ومنهجيًا. ومع ذلك، ثمة مشهد ظل يطاردني: الحفر عن مسعفين مدفونين وهم يرتدون زيّهم الطبي.

في العام الماضي كنت أعمل مسؤولاً رفيعاً في الأمم المتحدة منسقًا للمساعدات الانسانية في فلسطين، حين اختفت فرق الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني في جنوب غزة. لأسبوع كامل بعد قتلهم لم نكن نعلم إن كانوا أحياء أم أموات. كل يوم حاولنا الوصول إليهم، لكن القوات الاسرائيلية منعتنا، واجهنا طرقًا مسدودة ووحدات ناطقة نطلق النار على النازحين.

في 30 مارس وقفنا، زملائي وأنا، فوق مقبرة جماعية في رفح أضاءت ساحة القبر أضواء إحدى سيارات الإسعاف التي دهستها القوات وأسقطتها بالقرب من المكان. لم يكن واردًا أن لا تعرف القوات أنهم مسعفون: أضواء السيارة كانت تومض، علاماتها تحمل رمز الهلال المحمي دوليًا، وكانوا يرتدون الزيّ الطبي والقفازات. لكن ذلك لم يغيّر شيئًا؛ قُتلوا، وبعضهم أُعدم عن قرب. إعادة بناء اللقطات الصوتية والمرئية كشفت اللحظات الأخيرة من حياتهم.

بعد التحقيقات اُقيل نائب قائد لواء غولاني بتهمة تقديم تقرير ناقص، وتلقّى قائد آخر خطاب توبيخ. لم تُحاكم أي جهة. تلك كانت محاسبة مَن ذبح مسعفين.

سبق أن كان الهلال الأحمر الفلسطيني هدفًا للهجوم، من بينهم محاولة إنقاذ الطفلة هند رجب ذات الست سنوات التي نزفت حتى الموت داخل سيارة صادر فيها 335 رصاصة، محاطة بجثث عائلتها. المسعفون الذين أُرسلوا لإنقاذها قُتلوا رغم حصولهم على تنسيق مسبق للسماح بوصول الإسعاف إلى المكان. التنسيق مع القوات الإسرائيلية لم يحم المسعفين الذين حاولوا الوصول إلى هند، ومع ذلك استُخدم غياب تنسيق آخر ذريعة لقتل فرق الإسعاف في رفح. أصدر الجيش أمر إخلاء لرفح بعد أن فقدنا الاتصال بطاقم الإسعاف، لكن حتى لو كانت سيارات الإسعاف تدخل منطقة عمليات عسكرية عن علم، فإن مسؤولية الجيش ألا يستهدف المدنيين.

يقرأ  مقتل تسعة أشخاص على الأقل في إطلاق نار داخل حانة بجنوب أفريقيا — أخبار العنف المسلح

أنشأنا نظام تنسيق — كما نفعل في أماكن كثيرة حول العالم — لمساعدة الأطراف على الوفاء بالتزاماتها. لكن النظام في غزة استُغِلّه السلطات الاسرائيلية للتحكم بمكان وصول المساعدات ولإضفاء منطق إطلاق نار حرّ من جانب القوات، ما لم يُنَسّق خلاف ذلك. المجتمع الإنساني صار ينسّق حركة المدنيين في محاولة للتملّص من أن يُقتلوا افتراضيًا.

في غزة كان البقاء ذاته تحت الهجوم. بمجرد أن يُؤمر الناس بمغادرة منطقة، يُدمر كل ما يلزم لحياتهم. لم تُسلم المستشفيات. مشينا في أنقاض الشفاء حيث كانت الجثث متراكمة في الباحة وأفراد العائلات ينقّبون بين الركام بحثًا عن أحبابهم. أقمنا إخلاء لمرضى من مستشفيات ناصر والإندونيسي، حيث جلست قطط الشوارع على أسرة العناية المركزة للمرضى الذين تُركوا ليموتوا، وحين خطف جنود رجلًا جريحًا من إسعافنا سخروا منه وهو يصرخ من الألم.

قضيت أنا وزملائي عامين نفاوض للحصول على استثناءات — وليست قاعدة — لتوريد الوقود والأدوية واللوازم الجراحية. كل بند كان يدخل غزة نتيجة تنازل سياسي، ممكن فقط بعد ضغوط سياسية مكثفة من حكومات لها نفوذ على إسرائيل أكثر من نفوذ القانون الدولي وحده.

أكدت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في 2025 أن السلطات الإسرائيلية كانت تعلم أن منع دخول المساعدات الانسانية إلى غزة سيؤدي إلى وفاة فلسطينيين. أؤكدُ ذلك لأنني كنت من بين من أخبروهم. كان نقص المساعدات ليس مشكلة لوجستية بل خيارًا سياسيًا متكررًا اتُّخذ مع العلم الكامل. وبينما قضينا أشهرًا نفاوض لكي يُسمَح للفلسطينيين بالبقاء على قيد الحياة، كنا نواجه يوميًا أدلة أن النية في الواقع كانت لموتهم.

هكذا تبدو الإبادة الجماعية: ليست مجرد القتل — وإن كان القتل واسعًا وموثقًا — بل أيضًا التفكيك المتعمد لكل ما يحتاجه السكان للبقاء: مستشفياتهم، مياههم، إمدادات طعامهم، سجلاتهم المدنية، شرطتهم، مسعفوهم.

يقرأ  أول زيارة دولة لنيجيريا منذ عام 1989الرئيس بولا تينوبو يتوجه إلى المملكة المتحدة

النجاة من ضربة جوية تعني الموت تحت الأنقاض. النجاة من الأنقاض تعني النزيف حتى الموت بينما تنتظر سيارات الإسعاف تصريحًا لا يأتي. النجاة من الإصابة تعني الوصول إلى مستشفى تحوّل إلى صدفة. النجاة من المستشفى تعني الخروج إلى خيمة لا تحمي من المطر.

أمضيت معظم حياتي المهنية أراقب كيف تصبح الهجمات على الرعاية الصحية أمرًا اعتياديًا. أربعة عشر عامًا مع أطباء بلا حدود أخذتني عبر صراعات دُمرت فيها مستشفيات وقتِل فيها الطاقم. في كندوز بأفغانستان في أكتوبر 2015 قُتل 42 شخصًا — مرضى احترقوا في أسرتهم وطاقم أُطلق عليهم النار من الجو أثناء فرارهم من مجمّع كانت إحداثياته مُبلّغة للقوات الأمريكية. الولايات المتحدة وصفته بالخطأ. لكن الإطار القانوني الذي جعل ذلك «الخطأ» ممكنًا صُيغ عمدًا — وكانت إسرائيل واحدة من مهندسيه.

حكم لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية عام 2006 مهد الطريق لتبرير الأذى المدني عبر توسيع تعريف «المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية»، فاختُرِع هجاء رمادي اتسع لاحقًا في حرب «مكافحة الإرهاب» التي قادتها الولايات المتحدة، ميسرًا تليين قواعد الاشتباك تجاه أي شخص قريب من المقاومة.

مجلس الأمن رد على تزايد الهجمات على المستشفيات بقرار 2286 في مايو 2016، مؤكِّدًا الحماية القانونية للمهام الطبية. وخلال العقد التالي وثّقت منظمة الصحة العالمية تصاعدًا سنويًا في هجمات على الرعاية الصحية. وفي معظم الحالات التي كانت فيها دولة مسؤولة، كانت التبريرات تدور في فلك «محاربة الإرهاب».

غزة هي حيث تصل هذه التراكمات إلى نهايتها المنطقية. نمط موثق، رُوّج له منفّذوه، يجعل من كلمة «خطأ» كلمة بلا معنى.

السياسة لم تتوقف بعد أن نبشنا تلك الجثث. خلال أيام ضربت القوات مستشفى الأهلي ودمرت قسم الطوارئ. أُخرج المستشفى الأوروبي عن الخدمة، ما قضى على أي إمكانية للجراحة العصبية أو جراحة القلب أو علاج السرطان في غزة. اضطر مستشفى كمال عدوان، المركز الوحيد لعلاج سوء التغذية في شمال غزة، إلى الإغلاق. وكمًّا من الضربات المزدوجة على مستشفى ناصر أودت بحياة 22 شخصًا، بينهم أربعة من العاملين في الصحة وخمسة صحفيين.

يقرأ  وزير العدل السوري إعادة بناء سيادة القانون بعد عهدِ الأسد — حقوق الإنسان

طردوني من فلسطين في يوليو لأنني قلت علنًا ما شهدته. لكن إبعاد الشهود لا يزيل الجريمة. في أغسطس أحال اثنان من المقررّين الخاصين بالأمم المتحدة تلك الهجمات على النظام الصحي إلى مصطلح «قتل الأطباء» أو medicide.

الهجوم المنهجي على الرعاية الصحية لم يقتصر على غزة. قتلت القوات الاسرائيلية ما لا يقل عن 222 عاملًا طبيًا ومسعفًا وإغاثيًا في لبنان من أكتوبر 2023 حتى نوفمبر 2024، واستهدفت 67 مستشفى و56 مركز رعاية أولية و238 فريق إسعاف. هذا العام وفي أقل من شهر رُصدت 128 غارة اسرائيلية على منشآت طبية وسيارات إسعاف في جنوب لبنان. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، قُتل 51 من العاملين في الصحة، مع تسع حالات وفاة إضافية لطاقم الاسعاف في يوم واحد، وأكثر من 120 جريحًا.

أسوأ لحظة كانت في 13 مارس عندما قصفت القوات مركزًا صحيًا في برج القلاوية فقتلته 12 طبيبًا ومسعفًا وممرضًا أثناء عملهم. «عقيدة غزة» وصلت إلى لبنان.

النمط واضح ولا يقبل الجدل. لكن من دون محاسبة تستمر حالة الإفلات من العقاب لتغذّي آلة القتل. مع مرور كل يوم يقوى سابقة، ويصبح المدنيون في كل مكان أقل حماية.

وجهات النظر الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتـب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق