غزو سام للمحاصيل — من هي «بوق الشيطان» التي تهاجم المزروعات في العراق؟

تاريخ النشر: 28 مايو 2026

تحذير من وزارة الداخلية العراقية للمزارعين والمواطنين من اجتياح وانتشار واسع لنبات الداتورا، المعروف أيضاً باسم تفاحة الشوك أو «بوق الشيطان» (جيمسون ويد). عادةً ما ينمو هذا النبات بشكل متناثر في المناطق الصحراوية، لكنه يُزرَع أحياناً للاستفادة من خصائصه الطبية والصيدلانية، وتقول السلطات إن نموّه مؤخراً خرج عن السيطرة.

في بيان رسمي أكدت الوزارة أن النبات يشكل خطراً كبيراً على المحاصيل الزراعية، لاحتوائه على مركبات كيميائية سامة تؤثر على الجهاز العصبي للإنسان والحيوان والنبات على حد سواء. يميّز هذا النبات أزهاره على شكل بوق بلون أبيض أو أرجواني، وثماراً خضراء شائكة، وأوراقاً كبيرة ذات رائحة نفاذة. وعلى الرغم من تصنيفه كنبات سامّ، فإنه يحتوي ضمنياً على مركبات صيدلانية ذات قيمة طبية عند استعمالها بجرعات دقيقة ومحكمة.

تتضمن هذه المركبات قلويدات التروبان مثل الأتروبين والهيُوسيامين والسكوبولامين، المستعملة في توسيع حدقة العين، ومعالجة دوار الحركة، وفي بعض أدوية مضادات التشنج. وأشار خالد محمد عمر، أستاذ الكيمياء بكلية العلوم بجامعة السليمنية، في حديث لـ«الجزيرة» إلى أن استخدام الداتورا لأغراض علاجية يمتد لنحو خمسة قرون.

ينحدر النبات من أمريكا الوسطى حيث استعمله السكان الأصليون قبل قدوم المستعمرين الأوروبيين في الطب التقليدي، لا سيما للتخدير وتسكين الألم. وعندما وصل الأوروبيون إلى الأمريكتين في أواخر القرن الخامس عشر لفت النبات انتباههم لتأثيراته القوية على الجهاز العصبي، فنُقِل إلى أوروبا ومنها انتشر إلى سائر قارات العالم، والآن بات يهدد الزراعة العراقية، بحسب عمر.

قفزات مذهلة

تُحيّر القفزات الانتشارية للنبات العلماء بسبب الفجوة المناخية الكبيرة بين مسكنه الأصلي وعدد من البلدان التي نجح في التأقلم معها. فعادةً ما تقتصر النباتات الغازية على بيئات تشبه موطنها الأصلي، لكن فريقاً علمياً من جامعة إشبيلية في إسبانيا درس قواعد بيانات تضم أكثر من 124000 رصداً للنبات عالمياً، ووجد في نهايتها نحو 7444 موقعاً موثقاً لانتشاره.

يقرأ  إنقاذ الألباتروس المهدد في جنوب إفريقيا من خيوط الصيد القاتلة

ولاحظ الباحثون أن 57% من هذه المواقع تقع في بيئات باردة، في تناقض صارخ مع موطنه الأصلي الحار. كما استغل النبات أيضاً البيئات الدافئة والرطبة المتوافقة مع موطنه، ليترك نسبة ضئيلة مقدارها 1% من المناطق الملائمة له على مستوى العالم غير مغزوّة.

في العراق، توافرت له ظروف «مثالية» للتمدد: تربة غنية بالنيتروجين على ضفاف الأنهار ومناخ حار شبه جاف، حسبما قال محمد الحجارِي، أستاذ في مركز البحوث الصحراوية المصري، لـ«الجزيرة». هذه العوامل مكنت النبات من إكمال خطته الانتشارية واستغلال تلك النسبة المتبقية عالمياً.

المفاجأة، بحسب الدراسة، أن الداتورا لا تحتاج مئات السنين لتتكيف مع جغرافية موقع جديد؛ فهي مزوّدة بقدر كامن من المرونة التكيفية الفورية منذ اللحظة الأولى لالتصاق بذورها بالتربة. وللأسف، ساعد تراجع النشاط الزراعي بفعل الحروب والنزاعات على تسريع انتشارها في العراق؛ إذ وجدت النبات في أراضٍ زراعية مهملة وتربٍ خصبة متروكة.

تقوم الجهات العراقية بحملات شاملة لمكافحة النبات عبر طرق متنوعة تشمل المكافحة البيولوجية ورش المبيدات والتوعية العامة، لكن الباحثين يحذرون من أن إمكانات الداتورا على التوسع الجغرافي لا تزال كبيرة، ومن غير المرجح أن تتوقف عند حدودها الحالية، خصوصاً في المناطق الدافئة التي لم يصلها بعد.

أضف تعليق