غضب الحريديم من التجنيد العسكري يتحول إلى مواجهات دامية في إسرائيل — أخبار بنيامين نتنياهو

مقتلَ يوسف إيسنثال، الفتى البالغ من العمر 14 عامًا الذي دهسته حافلة أثناء احتجاج مضاد للتجنيد في حيّ أصولي بغرب القدس ليلة الثلاثاء، أعاد تسليط الضوء على إحدى أكثر القضايا إثارةً للانقسام في السياسة الإسرائيلية: الإعفاءات الممنوحة للحريديم من الخدمة العسكرية.

يرى العديد من المحلّلين أن اتساع الهوّة قد يهدد وجوديًا ائتلاف اليمين الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الائتلاف الذي صمد حتى الآن أمام اتهامات متكررة بارتكاب «إبادة» في غزة وانتقادات بسبب هجمات أحادية الجانب على جيران إقليميين.

كان إيسنثال من بين عشرات الآلاف من المتظاهرين الحريديم عندما صدمته الحافلة عند مفترق طرق في حي رومما. وأُفيد بأن ثلاثة متظاهرين آخرين، جميعهم مراهقون، أصيبوا كذلك. نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية تقارير تفيد بأن سائق الحافلة تعرّض سابقًا لهجوم من بعض المتظاهرين قبل أن يقود مركبته نحو الحشد.

في صباح الأربعاء أصدر رئيس الوزراء بيانًا تعهّد فيه بإجراء تحقيق شامل وحثَّ على «ضبط النفس لمنع اتساع الاحتقان حتى لا تكون — لا قدر الله — هناك مآسي إضافية».

تعود جذور الغضب من إعفاءات طلاب الحريديم إلى محاولات مبكرة عام 1999 لتقنين ترتيب كان سائداً بحكم الواقع، إذ جادل قادة الحريديم بأن الشبان يجب أن يُسمح لهم بمواصلة الدراسة الدينية بدوام كامل للحفاظ على الشريعة والتقاليد اليهودية بدلاً من تجنيدهم كما يحصل لباقي مواطني الدولة اليهود.

إلا أن الطعون القانونية ضدّ هذا الإعفاء — وآخرها قرار المحكمة العليا في نهاية العام الماضي الذي طالب بإنفاذ التجنيد بين الحريديم — إلى جانب تقارير عن نقص في القوى البشرية جراء الصراعات العسكرية لإسرائيل في غزة ولبنان وسوريا وإيران، أعادت القضية إلى واجهة الاهتمام العام.

يقرأ  اعتقال زعيم شبكة الاتجار بالجنس في دبي بعد تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)

تظهر استطلاعات الرأي دعمًا واسعًا لإنهاء الإعفاءات، وهو موقف يدعمه نتنياهو علنًا. لكن اثنين من شركائه الرئيسيين في الائتلاف، تحالف «يهودية التوراة المتحدة» وحزب شاس، هدّدا مرارًا بالانسحاب من الحكومة أو التصويت ضد ميزانية الدولة، ما قد يفضي إلى انتخابات جديدة، ما لم تُقرّ تشريعات تحافظ على إعفاءات الحريديم أو تقيد تجنيد طلاب اليسيفوت (مدارس الحريديم الدينية).

«لابد أن نتذكر: هذه ليست أحزابًا بالمعنى التقليدي»، هكذا قال يوسي ميكلبرغ، زميل أقدم للاستشارات في تشاتم هاوس، مواصِفًا تحالفَي يهودية التوراة المتحدة وشاس بأنهما يعملان كقوى ضغط داخل الكنيست. «هم يعرفون أن لا أحد خارج مجتمعهم الحريدي سيصوّت لهم، ولا مصلحة لهم في محاولة إقناع الآخرين.» وأضاف ميكلبرغ: «كل ما يملكونه هو قاعدتهم الدينية، ونسبتها في المجتمع في تزايد مستمر. الحفاظ على تلك القاعدة، إلى حدّ كبير، يعني إبقاؤهم بعيدين عن الجيش حيث قد يواجهون أنماطًا دينية مختلفة، بما في ذلك العلمانية التي يخشى حاخاماتهم أن تغريهم أو تفسدهم.»

على الرغم من أن عدد القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي يظل محدودًا مقارنة بعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قتلوا خلال ما وُصف بأنها حرب إبادة في غزة، فإن الغضب من الإعفاء الظاهر لمجتمعات الحريديم ازداد وسط مجتمع إسرائيلي منهك بعد عامين من صراع لا يكلّ.

أظهر استطلاع في خريف العام الماضي أن الغالبية العظمى من المستطلعين الإسرائيليين يعتبرون الشقاق بين العلمانيين والحريديم من أكثر القضايا انقسامًا التي تواجه إسرائيل المعاصرة.

ردًّا على وفاة إيسنثال، قال مير بوروش من تحالف يهودية التوراة المتحدة للصحفيين: «لا يمكن تجاهل أن هناك، أكثر من مرة أثناء تظاهرات الجمهور الحريدي، جوًا عامًا يوحي بأن إلحاق الأذى بالمتظاهرين أمر مسموح به.» وأضاف: «الوضع الذي تنتشر فيه التحريضات ضد الجمهور الحريدي يجعل اليهود يخشون على سلامتهم في أرض إسرائيل. أنا أدعو جميع القادة إلى مناشدة وقف الأذى والتحريض ضد الجمهور الحريدي.»

يقرأ  اليابان تنشر القوات المسلحة في شمال البلاد لاحتواء موجة هجمات الدببة

«لا توجد تعاطف كبير مع الحريديم لدى شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي»، قال المحلل السياسي أوري غولدبرغ. «لقد بذلوا جهودًا كثيرة لعزل أنفسهم عن بقية السكان، لذلك معظم الناس لا يهتمون… المجتمع الإسرائيلي منقسم ومكسور.»

منذ قيام إسرائيل عام 1948 مُنح عدد محدود من العلماء الحريديم استثناءات من الخدمة الإلزامية التي تطال غالبية المواطنين اليهود. ومع ذلك، أدّى تأثير أحزاب دينية نافذة مثل شاس و«يهودية التوراة المتحدة» عبر السنوات إلى ازدياد كبير في أعداد المعفيين، ويُقدَّر الآن أن نحو 90 بالمئة من نحو 13,000 رجل حريدي يبلغون سن التجنيد سنويًا يحصلون على إعفاءات.

ورغم أن شاس و«يهودية التوراة المتحدة» لا يشغلان سوى 18 مقعدًا في البرلمان، فإن طبيعة المشهد السياسي الممزق واعتماد نتنياهو على يمين السياسة منحهما نفوذًا يفوق حجمهما الفعلي.

«صحيح أنهم لا يملكون كثيرًا من المقاعد، لكن نتنياهو يحتاج دعمهم للحفاظ على ائتلافه والبقاء رئيسًا للوزراء»، قال ميتشيل باراك، باحث استطلاعات وخبير سياسي سابق لشخصيات رفيعة، لـ«الجزيرة». «والحقيقة أن أحزاب الحريديم أيضًا بحاجة إلى نتنياهو وحكومته لتظل ذات قوة وفاعلية داخل مجتمعها. لكن مسألة التجنيد هي كل شيء؛ بالنسبة لهم، إن خسروا هذه المعركة فليس لديهم شيء.»

في عموم إسرائيل، يشكل الحريديم فئة اجتماعية وسياسية متنامية، فتزداد ثقلهم السياسي وتأثير الدين في المجتمع بالتناسب مع نمو أعدادهم. ففي عام 2009 شكّل الحريديم نحو 9.9 بالمئة من سكان إسرائيل، ومن المتوقع أن يتجاوزوا أكثر من 30 بالمئة بحلول عام 2065. مع هذا النمو، تعمل الأحزاب الحريدية على ضمان تلبية مصالح أعضائها وإبقائهم مخلصين، وكل ذلك قد ينذر بمشاكل في مستقبل إسرائيل.

قال ميكلبرغ: «أحزاب مثل شاس والكتلة المتّحدة للتوراة تعتمد على إبقاء أعضائها الشبان متديّنين ومعتمدين على المساعدات.»

يقرأ  في أول كلمة له أمام الأمم المتحدة الشعار السوري يدعو إلى إنهاء كافة العقوبات أخبار الأمم المتحدة

وأضاف: «هذه اشكالية خطيرة، لأن أعدادهم في تزايد مستمر. الأسرة الحريدية عادة ما تنجب ستة إلى سبعة اطفال. ومن غير المرجح أن يدرس أي من الأولاد المواد الأساسية مثل الرياضيات أو العلوم؛ بل سيلتحقون باليشيفا ويعتمدون على المعونات. إنها مشكلة ديموغرافية حقيقية، وليست مسألة مستقبلية فحسب — إنها تحدث الآن.»