أقدمت الحكومة الإسرائيلية على تعديل قواعد تسجيل الأراضي في الضفة الغربية، ما يسهل على المستوطنين اليهود شراء عقارات في الأراضي المحتلة بصورة غير قانونية، وهو ما أثار موجة قلق واسعة بين الفلسطينيين الذين يخشون أن تمهّد هذه التغييرات لضمّ فعلي للأراضي.
أعلنت الحكومة قراراتها رسمياً يوم الأحد. إلى جانب السماح لليهود بشراء ممتلكات في الضفة—التي تحتلها إسرائيل منذ 1967 بما يخالف القانون الدولي—أصدرت السلطات قراراً بفتح سجلات الأراضي في الضفة أمام الجمهور. هذا الإجراء يجعل من السهل على الراغبين في الاستحواذ على أراضٍ تحديد مالكيها وإخضاعهم لشتى أنواع الضغوط والمضايقات.
كما قررت الحكومة نقل صلاحيات إصدار تراخيص البناء لمستوطناتٍ يهوديةٍ غير قانونية في منطقة الخليل، ومحيط المسجد الإبراهمي، من بلدية الخليل الفلسطينية إلى السلطات الإسرائيلية.
معتز أبو سنينة، مدير المسجد الإبراهيمي في الخليل، شهد محاولات إسرائيل للاستيلاء على الأرض عن قرب. ووصف قرارات الحكومة الأخيرة بأنها تعكس نية واضحة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على البلدة القديمة ومحيط المسجد. وقال إن ما يحدث يعد أخطر تطور منذ عام 1967، معبّراً عن قلق بالغ على المدينة وعلى المسجد الذي يعد رمزاً وطنياً وخليجاً روحياً يعود إلى تربته ارتباطه بالنبي إبراهيم.
المسجد الإبراهيمي يُقدّس أيضاً لدى اليهود الذين يسمونه «قبر الآباء»، ومنذ مذبحة 1994 التي ارتكبها مستوطن يهودي وأودت بحياة 29 مصلّياً، قسمت السلطات الإسرائيلية الموقع إلى ساحات صلاة يهودية ومسلمة، فيما يواصل المستوطنون المتطرفون تقوية قبضتهم على أجزاء من المدينة. رغم محدودية عددهم الذي لا يتعدى بعض المئات، إلا أن المستوطنين سيطروا على مساحات واسعة من مركز الخليل بغطاء من الجيش الإسرائيلي.
شرح أبو سنينة أن إسرائيل تصعد من محاولاتها لتثبيت وجودها داخل المدينة والموقع المقدس، وأن الإجراءات الحكومية الأخيرة ليست إلا امتداداً لسياسة تزايدت منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023. وبيّن أن ذلك تجلّى في تصاعد اقتحامات المستوطنين، وتقييد حرية المصلين، والسيطرة على الدخول والخروج، ومنع الأذان أحياناً—كلها جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى السيطرة الكاملة على المكان.
وأضاف أن إسرائيل تخرق جميع الاتفاقيات، وعلى رأسها بروتوكول الخليل، من خلال إغلاق معظم مداخل المسجد وترك مدخل واحد تحت تحكّم كامل، ما يمهد لفرض تقسيم جديد أو واقع أشد قسوة من التقسيم الزماني والمكاني المفروض منذ المجزرة.
الاستيلاء على الخليل
قال مهند الجعبري، مدير لجنة إعادة تأهيل الخليل، وهي جمعية فلسطينية معنية بترميم البلدة القديمة، إن الحكومة الإسرائيلية تزيد تواجدها الميداني في المدينة في محاولة لفرض سيطرة كاملة عليها. وأشار إلى مصادرة محلات تعود لبلدية الخليل داخل البلدة القديمة، وبناء عشرات الوحدات الاستيطانية غير القانونية، وإعادة ربط شبكات المياه بشركة إسرائيلية، ما يخلق ما وصفه «نظام فصل عنصري ضخم».
وحذّر الجعبري من أن الهدف النهائي هو إنشاء حارة يهودية تربط المستوطنات بالموقع الديني عبر إفراغ الأحياء الفلسطينية من سكّانها. وقال إن مؤسسات الخليل تستعد لمرحلة صعبة وأنها تتوقع هجوماً شرساً على المؤسسات الفلسطينية، وعلى رأسها لجنة إعادة التأهيل.
ويرى خبراء أن القرارات الأخيرة تفتح الباب أمام تكرار نموذج الخليل في مدن فلسطينية أخرى، بتمدد للمستوطنين وتهجير للسكان المحليين.
نبيل فرج، صحفي ومحلل سياسي فلسطيني، وصف تحركات الحكومة الإسرائيلية بأنها «خطيرة» واعتبر أنها ضربت المسمار الأخير في نعش عملية السلام. وأوضح أن إسرائيل تعيد تشكيل الخريطة الجغرافية للضفة، بتوسيع شبكات البنية التحتية لخدمة المستوطنات والسعي لانتزاع السيطرة الإدارية والأمنية من السلطة الفلسطينية.
نموذج الخليل
يشعر الفلسطينيون في بيت لحم بقلق متزايد من احتمال تعميم ما يحدث في الخليل عليهم. إحدى قرارات مجلس الوزراء نصت على وضع مسجد بلال بن رباح في المدينة—الذي يعرفه اليهود باسم «قبر راحيل»—تحت إدارة إسرائيل لأغراض التنظيف والصيانة، بعد أن كان تحت إشراف بلدية بيت لحم. طالت التدخّلات أيضاً مقبرة المسجد، وهو ما أثار غضب السكان.
قال بسام أبو سرور من مخيم عايدة في بيت لحم: «سيؤثر ذلك على الأحياء والأموات على حد سواء. ضم المكان سيمنع الدفن والزيارة في المقبرة الإسلامية. هذا أمر خطير ومرفوض تماماً».
في بيت لحم والخليل وباقي الضفة، يشعر الفلسطينيون بالعجز أمام ما يعتبرونه ضمّاً تدريجياً ومتصلاً. ممدوح النشّاشة، صاحب متجر في الخليل، قال إنه بات يذهب إلى النوم مع شعور متزايد أن فرض واقع دائم هو الهدف، وأن المدينة تُنتزع من أهلها خطوة خطوة. القيود اليومية تحوّل المدينة إلى سياسة ثابتة تخنق تفاصيل الحياة، وتؤثر بشكل خاص على الأطفال والشباب الذين يكبرون في مدينة «مقسمة ومراقبة دائماً»، ما يسرق منهم أبسط تصورات المستقبل.
ختم قائلاً: «أخشى اليوم الذي نُعلن فيه رسمياً أن هذه المنطقة مُدرجة كجزء ملحَق، وأن وجودنا صار مشروطاً بتصاريح. في الخليل، البيت ليس جدراناً فحسب؛ إنه تاريخ وهوية. أي ضمّ يعني فقدان الأمن والاستقرار». لم ترسل أي نص. الرجاء لصق النص الذي ترغب في إعادة صياغته وترجمته إلى العربية.