قضية أعمال الشغب في دلهي لماذا ترفض الهند الإفراج عن عمر خالد وشرجيل إمام؟

نيودلهي — أفرجت المحكمة العليا الهندية بكفالة عن خمسة طلاب ونشطاء مسلمون ظلّوا في السجن لأكثر من خمس سنوات على ذمة التحقيقات المتعلقة بأعمال الشغب الدينية في العاصمة سنة 2020.

مع ذلك، رفضت المحكمة منح الإفراج بكفالة لاثنين من الأسماء البارزة، عمر خالد وشارجيل الإمام، اللذين سيبقيان رهن الاحتجاز في سجن تيهار شديد الحراسة انتظاراً لبدء محاكمتهما.

شهادات وأصداء
ابن شمشاد أحمد، شاداب أحمد، كان من بين المستفيدين من قرار الإفراج بالكفالة، منهياً انتظاراً مرهقاً استمر أكثر من خمس سنوات. قال الأب البالغ من العمر 67 عاماً لقناة الجزيرة بصوت تداخلت معه هتافات احتفالية في الخلفية: «تأخر تحقيق العدالة، لكن على الأقل لم تُحرمنا منها». وأضاف: «الجميع فرحون؛ سيعود ابننا إلى البيت بعد سنوات في السجن من أجل قضية اعتبرناها عادلة. لكن قلوبنا مثقلة على عمر وشارجيل؛ فهما أيضاً منّا».

خلفية الحراك والاحتجاجات
أثارت تعديلات أدخلتها حكومة ناريندرا مودي على قانون المواطنة عام 2019 غضب المسلمين الذين وصفوا التغييرات بالتمييزية، إذ سعت تعديلات القانون إلى تسريع منح الجنسية لمجموعات دينية محددة من مهاجرين من أفغانستان وبنغلاديش وباكستان. احتج المسلمون في أنحاء الهند، وتحولت اعتصامات قادته نساء في منطقة شاهين باغ في نيودلهي إلى بؤرة لأكبر موجة احتجاجات في البلاد منذ عقود.

قوبلت الاحتجاجات بتصعيد أمني وسياسي: استخدمت السلطات خطاباً معادياً للمسلمين قادته قيادات بارزة في حزب بهاراتيا جاناتا، وهاجمت حشود يمينية متظاهرين سلميين في شرقي دلهي، مما أشعل أعمال عنف أودت بحياة أكثر من 50 شخصاً، معظمهم من المسلمين، في أسوأ أحداث عنف شهدتها العاصمة منذ أعمال الشغب ضد السيخ عام 1984.

التحقيقات والاتهامات
قدمت الشرطة نحو 758 قضية جنائية واعتقلت أكثر من ألفي شخص. اتهمت شرطة دلهي قادة الاحتجاجات السلمية، كثير منهم من الشباب والنشطاء المسلمين، بالتآمر لإثارة التوترات الدينية وإسقاط الحكومة المنتخبة — اتهامات رفضها خبراء قانونيون والدفاع عن الحقوق. واعتُقل، على الأقل، 18 من قادة الطلاب والنشطاء في تحقيق رئيس تُعرف قضيته باسم «قضية المؤامرة الرئيسية».

يقرأ  قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا: نجاح رغم مقاطعة الولايات المتحدة؟اقتصاد وأعمال

وجهت السلطات للمتهمين تهمًا بمقتضى قانون «منع الأنشطة غير المشروعة» الذي يُعامل كقانون لمكافحة الإرهاب، ويجعل الحصول على كفالة أمراً شبه مستحيل. تسمح المادة للسلطات بإعلان أفراد «إرهابيين» واحتجازهم لمدد طويلة دون محاكمة، وهو ما أثار ادعاءات متكررة بأن الشرطة تستعمل قوانين مكافحة الإرهاب ضد فئات مهمشة، من ضمنها المسلمين.

أصدرت بلديات ووجوه دولية رسائل تضامن؛ من بينها رسالة كتبها عمدة نيويورك المنتخب حديثاً زهران ممداني إلى عمر خالد قال فيها: «نحن جميعاً نفكر بك».

من هم المتهمون؟
من بين 18 موقوفاً في قضية المؤامرة، أُطلق سراح ستة منهم بكفالات على مدار السنوات. اليوم تفصل المحكمة العليا في طلبات الإفراج بكفالة لسبعة متهمين، وهم:

– عمر خالد: باحث سابق في جامعة جواهر لال نهرو (JNU)، قدّم أطروحة دكتوراه عام 2018 بعنوان تتناول مطالب وواقع شعوب الأديفاسي في جهارخاند. كان من قادة اتحاد الطلاب الديمقراطي ومؤسس حملة «متحدون ضد الكراهية».

– شارجيل الإمام: باحث دكتوراه في مركز الدراسات التاريخية بـJNU، خريج المعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي، وعمل سابقاً كمهندس برمجيات قبل أن يعود إلى السلك الأكاديمي.

– ميرن حيدر: باحث دكتوراه في مركز دراسات الإدارة بجامعة جاميا مليا إسلاميا.

– غلفيشا فاطمة: حاصلة على ماجستير في إدارة الأعمال، شاركت في أعمال مجتمعية ونشاط مدني، وكانت تُعِدّ لتكون محاضِرة جامعية أثناء الاحتجاجات.

– شفاء الرحمن: رجل أعمال ورئيس جمعية الخريجين في جاميا مليا إسلاميا؛ ترشّح في انتخابات الجمعية التشريعية لدلهي عام 2024 من داخل السجن لكنه خسر.

– شاداب أحمد: محترف حاصل على بكالوريوس في تطبيقات الحاسوب، وكان متطوّعاً في أحد مواقع الاحتجاج.

– سليم خان: رجل أعمال يعمل في التصدير، وذكرت الشرطة أنه كان منظماً ومقدِّماً للغذاء في موقع احتجاج.

لماذا أثارت القضية هذا القدر من الجدل؟
تُعتبر قضية «المؤامرة» واستخدام الاتهامات ضد المتهمين اختباراً للمؤسسات القضائية في الهند، في ظل التحول الحاد نحو القومية الهندوسية والسياسات السلطوية بحسب منتقدين. أشار محللون وسياسيون إلى أن سلسلة الجلسات الطويلة، وتبدّل تشكيلات المحاكم، والتأجيلات الإدارية التي شابت القضية، كشفت عن «طبيعة مزدوجة» لمؤسسات الدولة تُميل ضد المسلمين.

يقرأ  ملفات إبستين — من هو كلاي هيغنز، عضو الكونغرس الأمريكي الذي صوت ضد الإفراج؟ | أخبار دونالد ترامب

ووصف معلقون سياسيون أن الحكومة واجهت «حساباً» سياسياً بعد احتجاجات المواطنة؛ فيما يراه آخرون دليلاً على تسييس الأجهزة الأمنية والقضائية. كما قال محلل سياسي في نيودلهي، عاصم علي، إن ما تلا احتجاجات المواطنة كان له أثر عميق على المشهد السياسي والقضائي في البلاد.

القضية تبرز صِراعاً بين مطالب الحريات المدنية والتداعيات الأمنية التي استجابت لها الدولة، وتبقى المداولات القضائية الجارية محط أنظار الداخل والخارج لمعرفة ما إذا كانت العدالة ستردّ حقوق الموقوفين أم ستتواصل إجراءات السجن الطويلة دون محاكمات عادلة، مع استمرار الاتهامات والجدل حول طرق معالجة الأمن والنظام العام.

(ملاحظة: ثمة تقييْر واسع للمراقبين حول تأثير هذه القضايا على ثقة الأقليات بمؤسسات الدولة). «لا يمكن أن تتكرر هذه التعبئة مرة أخرى، أبداً» قال ذلك.

«ذلك الاحتجاج كان تصريحاً من مجتمع المسلمين في الهند بأننا نستعيد حقوق مواطنتنا – ولا يمكن لأحد أن ينتزعها منا هكذا»، لفت علي. «لكن الحكومة بيَّنت أنها وحدها تحتفظ بحق تقرير من يكون مواطناً — وقد فرضت ذلك بالقوة».

ورأى علي أن رفض المحكمة العليا الإفراج بكفالة عن خالد وإمام، وهما من الطلاب الأكثر شهرة بين المعتقلين، «يكاد يوازي تصنيف شريحة من السكان كأعداء داخليين أو مشتبه بهم، ومعاملتهم بمجاميع قانونية مغايرة، أو بالأحرى في ظل قانوني».

يُشير المحلل السياسي رشيد كيدواي إلى أن المحاكم الهندية تمنح الكفالات بانتظام حتى لمتهمين خطيرين ومغتصبين. «رفض الكفالة يثير تساؤلاً: هل تتأثر المحكمة بسردية سياسية؟ لأن خلاف ذلك، لا مبرر لعدم منحهما الكفالة»، قال ذلك.

لكي يحافظ أكثر من مليار هندي على ثقتهم بالمؤسسات القضائية، يحتاج الأمر، بحسب كيدواي، إلى «اتساق في تطبيق القانون ينسحب على الجميع بلا استثناء». ويبدو أن هذا المبدأ مفقود حين يتعلق الأمر بمدعى عليهم من المسلمين، كما أشار.

شارجيل إمام، طالب ومنظّم مشارك سابق لاعتصام ضد قانون جديد للمواطنة، أدلى بمقابلة في نيودلهي، الهند في 22 ديسمبر 2019 [أنوشري فادنافيس/رويترز]

يقرأ  التجريد في مواجهة نسيج الأنديز: تراكيب ديناميكية لميغيل أرزابيه — كولوسال

لماذا سيبقى خالد وإمام محبوسين؟

في جلسة صباح الاثنين بالمحكمة العليا في نيودلهي، قالت هيئة القضاة المكوَّنة من أرَفيند كومار وNV أنجاريا إنها لم تقتنع بأنّ الاحتجاز الطويل قبل المحاكمة وتأخر إجراء المحاكمة لا يعملان كـ«بطاقة رابحة».

أوضحت المحكمة أن الثنائي لم يكن في نفس مستوى التسلسل الهرمي للمؤامرة المزعومة مقارنة بمن مُنحوا الكفالة، واعتبرت أن هناك قضية ظاهرة (prima facie) بموجب قانون «مكافحة الإرهاب»، ووصفت دورهما بأنه «محوري وتكويني» في المؤامرة، مع إشارة إلى أنهما يمكنهما إعادة طلب الكفالة بعد عام.

«أشعر أن هؤلاء القضاة خُضِعوا لتأثير غير مبرر من ضغط الحكومة. وكان ذلك الضغط هائلاً لعدم الإفراج عنهما»، قال براشانت بوشان، محامٍ مخضرم في المحكمة العليا وناشط حقوقي.

الآن، بحسب بوشان، فإن الناشطين الطلابيين «في حالة جمود عملياً»، مضيفاً: «تُظهر هذه القضية أمرين: أن حكومة مودي مستعدة لاستغلال قانون مكافحة الإرهاب وأجهزة التحقيق؛ وثانياً أن المحاكم تنحني أيضاً أمام إرادات الحكومة». (قوله: «الهند لم تعد ديمقراطية تحت حكم مودي»).

يتزاحم الناس لتلقي مواد غذائية مجانية تُوزَع خارج مخيم إغاثة بعد فرارهم من منازلهم إثر اشتباكات هندوسية-مسلمة أثارتها قوانين المواطنة في مصطفى آباد بشمال شرق نيودلهي المتأثر بأعمال الشغب، 3 مارس 2020 [أنوشري فادنافيس/رويترز]

ما تأثير هذه القضية على الهند؟

منذ الاحتجاجات ضد قانون المواطنة والحملة الأمنية التي تَبِعَت، يقول مراقبون سياسيون وقادة إن السياسة الطلابية قد أُبطلت عمداً بواسطة الخوف والتشريع.

ناتاشا ناروال، ناشطة وباحثة أمضت أكثر من عام في السجن في نفس القضية، أخبرت الجزيرة أن القمع الحكومي جعل «أي احتجاج يشكل تحدياً للنظام وسياساته عرضة للتجريم بسهولة».

«هناك رقابة متزايدة في الجامعات، وملاحظة دقيقة لكل نشاط صغير — من تنظيم ندوة أو محاضرة أو عرض فيلم أو أي تجمع آخر»، قالت ناروال.

«وإذا لم يصل الأمر إلى قضايا جنائية، فإن الطلاب يستمرون في تلقي مَنابِر إنذار ومذكرات استيضاح ويواجهون أنواعاً متعددة من الإجراءات التأديبية.»