قمة المعادن الحرجة في واشنطن
تستضيف الولايات المتحده هذا الأسبوع وزراء من عشرات الدول في مؤتمر مكوّن من جلسات رفيعة المستوى مخصّص للمعادن الحرجة. تهدف اللقاءات إلى تعزيز وتنوّع مخزونات هذه المواد الحيوية التي أصبحت محورية لصناعات الدفاع وتطوير الذكاء الاصطناعي.
ما الذي يجري على الطاولة؟
من بين القضايا البارزة اقتراح وضع حد أدنى لسعر المعادن الحرجة، وهو مطلب تدفع به عدة دول كآلية لتقليل مخاطر الاستثمار، وضمان تدفّق الإمدادات من مصادر متعددة، ومنع اللاعبين الكبار من استخدام الأسعار المنخفضة لطرد المنافسين الأصغر. ولكن تقارير إخبارية تفيد بأن إدارة الرئيس ترامب تتراجع عن دعم هذا المقترح.
إطلاق «مشروع فولت»
أعلن الرئيس ترامب يوم الاثنين إطلاق مخزون استراتيجي للمعادن في الولايات المتحدة تحت اسم Project Vault، بتمويل مكوَّن من 2 مليار دولار رأسمال خاص وقرض بقيمة 10 مليار دولار من بنك التصدير–الاستيراد الأميركي.
ما هو «الاجتماع الوزاري للمعادن الحرجة»؟
الاجتماع هو أول لقاء ضمن مبادرة أميركية تهدف إلى بناء تحالفات تحدّ من هيمنة الصين على سلاسل إمداد المعادن الحرجة عالمياً. يعقد الاجتماع الرئيسي لمندوبي الدول يوم الأربعاء، ويستضيفه وزير الخارجية ماركو روبيو في مقر وزارة الخارجية قرب البيت الأبيض.
من يحضر المؤتمر؟
تشارك الولايات المتحدة وفوداً من أكثر من 50 دولة، بينها دول مجموعة السبع (كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة والولايات المتحدة) إضافة إلى الاتحاد الأوروبي وأستراليا ونيوزيلندا. التقى روبيو على هامش المؤتمر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، حيث ناقشا التزامات سيول الأخيرة بزيادة الاستثمارات لإعادة بناء صناعات أميركية حيوية وأهمية تنويع وتأمين سلاسل إمداد المعادن الحرجة. كما التقى روبيو وزير الخارجية الهندي سوبرهمانيام جايشانكار لبحث التعاون في هذا المجال.
ما هي المعادن الحرجة ولماذا تهم؟
المعادن الحرجة ليست من مصادر الوقود، لكنها تُستخدم في تصنيع البطاريات، الأسلاك، الساعات، الأجهزة العسكرية والرقائق الصلبة وغيرها من المنتجات التكنولوجية. تصفها الولايات المتحدة بأنها «أساسية للأمن الاقتصادي أو القومي» وأن سلاسل إمدادها «عرضة للاضطراب». من بين أشهر هذه المعادن النيكل، الكوبالت، الليثيوم، الألومنيوم والزنك. بالنسبة إلى 12 معدنًا حرجيًا تعتمد الولايات المتحدة كلياً على الواردات، ولـ29 معدنًا إضافيًا تعتمد على الواردات لنحو نصف احتياجاتها على الأقل.
وتشمل المعادن الحرجة أيضاً 17 عنصراً من عناصر «الأراضي النادرة»؛ وهي 15 لانثانيداً بالإضافة إلى الإسكنديوم والإيتريوم. لدى الصين رواسب من 12 من هذه العناصر، وتتمتع بقدرات معالجة تغطي حوالي 90% من المعروض العالمي.
لماذا تقلق الدول الغربية؟
تتمتع معادن الأراضي النادرة بخصائص مغناطيسية خاصة تُستخدم في صناعة المغناطيسات الدائمة الضرورية للتشغيل الآلي الصناعي، محركات السيارات الكهربائية، مولدات الطاقة المتجددة، الإلكترونيات والعديد من الأجهزة الطبية. بسبب سيطرة الصين شبه الكاملة على هذه المعادن، تخشى دول غربية من انقطاع إمداداتها؛ فمثلاً يأتي جزء كبير جداً من توريد المغناطيسات الدائمة إلى أوروبا من الصين. كما أن تكاليف معالجة هذه المعادن مرتفعة، والتعدين يتطلب استخدام مواد كيماوية تنتج نفايات سامة تضر بالبيئة.
من يهيمن الآن؟
تقدّر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن الاحتياطيات العالمية من الأراضي النادرة تبلغ نحو 110 مليون طن حتى عام 2024. لدى الصين أكبر احتياطي ولها «احتكار يقارب الشبه» بحسب مراكز بحثية، كما سجّلت آلاف براءات الاختراع لتقنيات المعالجة. في 2024 و2025 بدأت بكين تقيّد صادرات 12 معدنًا نادراً؛ ففي أبريل فرضت قيوداً على سبعة عناصر ثم أضافت الخمسة المتبقية في أكتوبر. وفي أواخر أكتوبر أبرم ترامب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ هدنة تجارية تقضي بتجميد قيود الخمسة عناصر الأخيرة لمدة عام مقابل تراجع ترامب عن تهديده برفع الرسوم الجمركية إلى 100% على البضائع الصينية.
قضايا مفتاحية أخرى على جدول الأعمال
من المقرر أن يلقي نائب الرئيس جيه دي فانس، وروبيو، وغيرهم من كبار المسؤولين كلمات افتتاحية. إحدى النقاط الجوهرية هي مناقشة تحديد «سقف سعري أدنى» للمعادن. المدافعون عنه يقولون إنه سيقلل مخاطر المستثمرين ويشجّع توريدات من أماكن متعددة؛ أما الإدارة الأميركية فتبتعد عن تقديم ضمانات لضمان سعر أدنى، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر. أثّرت هذه التطورات سلباً على أسهم شركات التعدين الأسترالية.
أستراليا، التي تملك احتياطيات كبيرة من الأراضي النادرة، من بين الدول الداعية بقوة لسقف سعري لأنها تسعى لأن تكون بديلاً للصين عبر استثمارات ضخمة لتطوير قدراتها على المعالجة. كما يرى محلّلون أن المؤتمر يشكل فرصة للولايات المتحدة لتهيئة حلفائها لتبنّي سياسات أميركية بشأن المعادن الحرجة، بما في ذلك عقود تفضيلية لشركات أميركية للحصول على حقوق امتياز أو وصول إلى رواسب. وستسعى واشنطن أيضاً إلى الاستثمار في دول منتجة لزيادة إنتاج معادن محددة خصوصاً الأراضي النادرة، الكوبالت، النيكل والجرافيت، ومحاولة إعادة توجيه سلاسل المعالجة نحو أراضيها وأراضي الدول الحليفة. ومع ذلك، تبقى قدرات المعالجة الأميركية محدودة نسبياً مقارنةً بالصين.
دول أخرى تطوّر قدرات إنتاج الأراضي النادرة
تحتل أستراليا المرتبة الرابعة عالمياً من حيث الاحتياطيات، وتضم معادن مثل النيوديميوم المستخدم في مغناطيسات توربينات الرياح. في أكتوبر وقّع رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز وترامب اتفاقية للمعادن الحرجة تتيح للولايات المتحدة الوصول إلى معادن أستراليا مقابل استثمارات. ورغم ضخامة احتياطيات أستراليا، فهي تعادل نحو سبع أجزاء من احتياطيات الصين وفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، ولهذا تسعى واشنطن إلى تنويع مصادرها عبر دول أخرى. كما تُعد غرينلاند غنية بهذه المعادن، لكن التعدين هناك محدود بسبب معارضة السكان الأصليين الإنويت.
هل الدول تخزّن احتياطياتها من المعادن الحرجة؟
نعم. إلى جانب «مشروع فولت» الأميركي، أنشأت دول أخرى مخزونات استراتيجية لحماية نفسها من اضطرابات سلاسل الإمداد. في مارس 2020 اعتمدت اليابان استراتيجية موارد دولية عزّزت نظام التخزين لاحتياطياتها من الأراضي النادرة. كوريا الجنوبية تدير مخزوناً طويل الأمد تُشرف عليه شركة حكومية متخصصة. في ديسمبر اعتمدت المفوضية الأوروبية خطة RESourceEU لتأمين إمدادات المعادن الحرجة وأعلنت عن إنشاء مركز أوروبي للمواد الخام الحرجة في مطلع العام لتنويع سلاسل الإمداد ومن بينها من خلال التخزين. وفي يناير كشفت حكومة ألبانيز عن تفاصيل احتياطي أسترالي استراتيجي للمعادن الحرجة بقيمة 1.2 مليار دولار كجزء من جهودها لتأمين الإمدادات.
خلاصة موجزة
المؤتمر في واشنطن يعبّر عن رغبة دولية متزايدة في تقليل الاعتماد على طرف واحد في سوق المعادن الحرجة، ويجمع بين مبادرات تخزين استراتيجي، محاولات لتشجيع الاستثمار في الدول المنتجة وإعادة تشكيل سلاسل المعالجة العالمية—كل ذلك في ظل تنافس جيوسياسي متصاعد حول موارد تعتبر مفتاح التكنولوجيا الحديثة والأمن القومي. استراتيجيه التنويع وأساليب الضمان المالي والتجاري ستظل محطّ توافق أو خلاف بين المشاركين.