محمد محمد عثمان — خدمة بي بي سي العالمية، الابيض، السودان
كانت يومية طبيعية لِلتوأمتَين مكارم وإكرام، البالغتين من العمر ثمانية عشر عاماً، حتى تحوّل صفهما إلى هدف للقصف.
كانت مكارم في درس الأدب الإنكليزي، وإكرام في حصة علوم، حين لاحظتا «أصواتاً غريبة» قادمة من خارج المدرسة. ثم بدأ القصف.
تقول مكارم إن كتفها «انحرف» بعدما أصيبت. اختنق الصراخ في الفصل وانبطح زملاؤها على الأرض يحتمون ويبحثون عن ملجأ. «التخفّينا بجانب الجدار، والبنت التي كانت أمامي وضعت يدها على كتفي وقالت: ‹كتفك ينزف›».
في فوضى الهلع حاولت الشقيقتان اللتان كانتا في صفين منفصلين الوصول إلى بعضهما لكن دون جدوى. فيما راحت إكرام تبحث عن أختها وهي لا تعلم أنها نقلت إلى المستشفى بالفعل.
مثل كثيرين من المجروحين، حملها الأهالي إلى المستشفى بالسيارات وعربات الجرّ والجمال لعدم وجود إسعاف في مدينة الأبيض، حيث يقطنون. وفي النهاية اقتنع معلموها وزميلاتها بإقناع إكرام بوقف البحث والعودة إلى المنزل.
لم تكتشف العائلة أن مكارم على قيد الحياة إلا عندما عادت من المستشفى في مساء ذلك اليوم. «وقفت أمام الباب أنتظرها، ولما رأيتها أبكينا جميعاً»، تقول إكرام التي كانت في جزء من المدرسة لم يصب بالقصف لذا نجت دون أذى.
أسفر القصف عن مقتل معلمة اللغة الإنكليزية لمكارم وإكرام و13 من زميلاتهن، وإصابة العشرات في مدرسة أبو سِتّة للبنات في الأبيض بولاية شمال كردفان في أغسطس/آب 2024. والمدرسة تستقبل عادة نحو ثلاثمائة تلميذة.
تتهم السلطات الإقليمية قوات الدعم السريع — الجماعة شبه العسكرية المتحاربة مع الجيش السوداني — بإطلاق قذائف الهاون. ولم يدلِ مكتب الدعم السريع بتصريح حول الحادث ولم يرد على طلب بي بي سي للتعليق، ولا تزال الدوافع وراء استهداف المدرسة غير واضحة عما إذا كان متعمداً أم لا.
تقول مكارم إن نصف صديقاتها في المدرسة قتلن والنصف الآخر جُرحن. إضافة إلى إصابة كتفها تعرضت أيضاً لجرح في الرأس، وخُرِجت من المستشفى بعد تلقي علاج أساسي، لكن بعد أيام وعند اشتداد الصداع أجريت لها فحوصات بالأشعة المقطعية فتبين وجود شظية صغيرة في رأسها. «كان الألم شديداً واضطررت لأخذ الكثير من المسكنات»، تقول.
بدأت الحرب الأهلية في السودان في أبريل/نيسان 2023 وأسفرت عن مقتل أكثر من 150 ألف شخص وتهجير ملايين. وتصف الأمم المتحدة ما يحدث بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم الآن.
واقتحمت الحرب إقليم كردفان الغني بالنفط — المقسّم إلى شمال وجنوب وغرب كردفان — ليصبح واجهة قتال رئيسية لكونه يمثل خط تماس بين مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الغرب ومناطق يخضع فيها الجيش للنفوذ شرقاً. ويقول المحلّلون إن من يسيطر على الإقليم يسيطر عملياً على إمدادات النفط وامتداد كبير من الأرض.
تُقدّر الأمم المتحدة أن نحو 13 مليون من 17 مليون طفل في سن الدراسة ما زالوا في السودان خارج المدارس. وتعد شمال دارفور، التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، الأسوأ تأثراً بحسب منظمة إنقاذ الطفولة، إذ لا تعمل سوى نحو 3% من مدارسها.
أُغلِقَت مدرسة أبو سِتّة لمدة ثلاثة أشهر بعد الهجوم لأعمال الترميم، ولم تتحول إلى ملجأ كسائر بعض المدارس الأخرى في المدينة.
في البداية لم تستطع مكارم وإكرام تخيّل العودة إلى المكان الذي فقدتا فيه صديقاتهن ومعلمتهن. «لكن عندما رأيت صديقاتي وقلن لي إن الأمور على ما يرام قررت أن أعود»، تقول إكرام. ومع ذلك أعادت العودة ذكريات مؤلمة: «كنت أغلق عينيّ في طريقي إلى الصف حتى لا أرى مكان القصف»، تضيف.
قدّم للطالبات عند العودة بعض الدعم النفسي، وفقاً لمديرة المدرسة إيمان أحمد. وأُتيحت أسرة وممرضات في المدرسة كي يؤدّي المصابون امتحاناتهم بظروف مريحة.
وعلى الرغم من استمرار قصف الدرون على الأبيض، كانت الفتيات يلعبن ويضحكن في ساحات المدرسة خلال زيارة فريق بي بي سي في ديسمبر. وتصف المديرة إصرار البنات على مواصلة الدراسة بأنه «نوع من التحدي والوفاء لمن فقدن».
لكن ظروف التعليم في الأبيض ما زالت صعبة. عاشَت المدينة حصاراً من قبل قوات الدعم السريع لأكثر من عام ونصف، حتى استعاد الجيش السوداني السيطرة في فبراير/شباط 2025. وبينما يسود هدوء نسبي الآن، حُوِّلَت عشرات المدارس إلى ملاجئ للنازحين.
يستضيف الأبيض نحو مليون مهجر داخل عدة مخيمات وملاجئ حسب مفوض الولاية للشؤون الإنسانية. وتقول ابتسام علي، طالبة في ثانوية جرى تحويلها إلى ملجأ، إنها لا تستطع مغادرة الصف حتى نهاية اليوم لأن الساحات ممتلئة بالمشردين: «حتى الذهاب إلى المرحاض أصبح مشكلة لنا».
وقال وليد محمد الحسن، وزير التربية في ولاية شمال كردفان، إن وجود الأسر النازحة داخل المدارس أحدث مشكلات، من بينها صحية وبيئية تتعلق بالصرف، لكنه وصف ذلك بأنه «ظروف الحرب وثمن الحرب».
رغم كل ما حدث، تظل مكارم وإكرام، واللتان أصبحتا الآن في التاسعة عشرة، متفائلتين بمستقبلهما. أنهت إكرام تعليمها الثانوي والآن تدرس اللغة الإنكليزية في جامعة الأبيض، مستلهمةً معلمتها فتحية خليل إبراهيم التي قُتلت في الهجوم. وتقول إن فقدان صديقاتها زادها عزماً على مواصلة الدراسة: «كنت أردد لنفسي أننا يجب أن نحمل نفس الطموح لنحقّق ما لم نستطع أن نحققه».
أما مكارم فترغب أن تصبح طبيبة مثل الذين عالجوها. نجحت في امتحانات الثانوية لكن لم تحصُل على الدرجة المطلوبة للالتحاق بكلية الطب، وتقول إن الشظية العالقة في رأسها، والتي لا يمكن إزالتها جراحياً، صعّبت عليها الدراسة في البداية. «كنت أستطيع الدراسة ساعة ثم الراحة ساعة. كان أمراً عسيراً جداً».
يقول الدكتور طارق زوبير، أخصائي أعصاب في السودان، إن تبعات وجود شظية في الرأس تختلف من حالة إلى أخرى؛ فبعض المصابين لا تظهر عليهم أعراض ويمكن أن يعيشوا دون تدخل جراحي، أما عند ظهور أعراض أشد مثل التشنجات فقد تستدعي الحالة إجراء عملية.
بالنسبة إلى مكارم، الألم لم يعد مستمراً، لكنه يشتد في فصل الشتاء، فتستعين بالمسكنات عند الحاجة. وقررت إعادة السنة الدراسية لتعيد امتحاناتها، «أؤمن أنني سأحقق الدرجة التي أطمح إليها. أنا متفائلة بالمستقبل».
تقرير إضافي: سلمى خطاب
لدعم الأطفال في السودان ودول عربية أخرى الذين تُحرم أو تُقيّد فرصهم في التعلم، تطلق خدمة بي بي سي العالمية موسماً جديداً من نسخة برنامجها التعليمي الحائز جوائز «درس». سيبثّ الحلقة الأولى يوم السبت 24 يناير على قناة بي بي سي نيوز عربية، وتبث حلقات جديدة أسبوعياً أيام السبت الساعة 09:30 بتوقيت غرينتش (11:30 بتوقيت شرق أوروبا)، مع إعادة يوم الأحد الساعة 05:30 بتوقيت غرينتش (07:30 بتوقيت شرق أوروبا)، وتتوافر الحلقات أيضاً على المنصات الرقمية بما في ذلك قناة بي بي سي نيوز عربية على يوتيوب.