كوبا متحدّية تتهيّأ لمرحلة ما بعد مادورو

توجه الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل إلى تجمع في هافانا للدفاع عن فنزويلا وإدانة ما وصفه بالعملية التي نفذتها واشنطن.

بعد فنزويلا، لا توجد دولة في الأمريكتين أكثر تأثراً بما جرى في كاراكاس من كوبا. فقد تشارك البلدان رؤية سياسية تقوم على اشتراكية تقودها الدولة منذ أن التقى المرشح الرئاسي الفنزويلي الشاب هوجو تشافيز بزعيم الثورة الكوبية العجوز فيدل كاسترو على مدرج مطار هافانا عام 1999.

عبر سنوات طويلة تعمقت هذه العلاقات: نفط فنزويلي خام كان يتدفق إلى الجزيرة الشيوعية، وفي المقابل أرسلت كوبا أطباء وممرضين إلى فنزويلا. وبعد رحيل الرجلين، ظهر نيكولاس مادورو—الذي تلقى تدريباً وإرشاداً في كوبا—كخليفة مختار لتشافيز، جزئياً لأن أخوي كاسترو قبلوه؛ وبذلك مثّل استمرارية للثورة الكوبية كما للثورة الفنزويلية.

الآن، غادر مادورو أيضاً مقعد السلطة في كاراكاس بعد خلع قسري نفذته قوات دلتا الخاصة التابعة للولايات المتحدة، وآفاق كوبا في غيابه تبدو قاتمة. وقد أدانت الحكومة الكوبية بصورة قوية هذه الهجمة واعتبرتها غير قانونية، وأعلنت يومي حداد وطني على مقتل 32 مواطناً كوبياً في العملية العسكرية الامريكية.

فضحت تلك الوفيات أمراً لطالما كان معروفاً إلى حدٍّ ما عن نفوذ كوبا داخل الرئاسة والفِيلق العسكري الفنزويلي: ففي الواقع كان الحرس الشخصي لمادورو يتكوّن في الغالب من حراس كوبيين، كما يتولى مواطنون كوبيون مناصب في أجهزة الاستخبارات والجيش الفنزويليين. ورغم إنكار ه طويل من جانب هافانا لوجود عناصر عسكرية أو أمنية نشطة داخل فنزويلا، يؤكد سجناء سياسيون أُفرج عنهم أنهم تعرّضوا للاستجواب على يد رجال لهجاتهم كوبيّة أثناء احتجازهم.

وعلى الرغم من الخطابات المستمرة عن التضامن الرسمي بين البلدين، قيل إن النفوذ الكوبي خلف كواليس الدولة الفنزويلية ساهم في شق صفّ الوزراء: فهناك فصيل يتقارب مع هافانا وآخر يشعر بأن العلاقة التي أسساها تشافيز وكاسترو أصبحت غير متوازنة أساساً. وباختصار، يرى هذا الفصيل أن فنزويلا هذه الأيام لا تحصل على مقابل يذكر مقابل نفطها.

يقرأ  مجوهرات «لا تُقدَّر بثمن» تُسرق في غارة على متحف اللوفر

يُعتقد أن فنزويلا ترسل نحو 35 ألف برميل يومياً إلى كوبا — ولا تضاهيها في ذلك شريكتان رئيسيتان أخريان للطاقة هما روسيا والمكسيك. أما سياسة إدارة ترامب في مصادرة ناقلات نفط فنزويلية خاضعة لعقوبات فقد بدأت بالفعل تفاقم أزمة الوقود والكهرباء في كوبا ولديها القدرة على أن تتصاعد سريعاً.

في أحسن الأحوال تبدو المستقبلات معقّدة للجزيرة الكاريبية المثقلة بالمآسي بعيداً عن مادورو في كاراكاس. فقد كانت كوبا قبل ذلك في قبضة أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الباردة: انقطاعات متكررة للكهرباء عمّت أرجاء الجزيرة لأشهر، وتأثّر المواطن العادي بشدّة: أسابيع من انعدام التيار الثابت، وطعام يفسد داخل ثلاجات بلا تبريد، ومراوح ومكيفات لا تعمل، وزحام البعوض في الحرّ، وأكوام نفايات لم تُجمع.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تفشياً واسع النطاق لأمراض منقولة بالبعوض كحمى الضنك والشيكونغونيا، مما أنهك نظاماً صحياً كان يُعتبر يوماً ما جوهرة الثورة، لكنه الآن يكافح لمواكبة الأعداد الكبيرة من المرضى. الصورة ليست جميلة، لكنها الواقع اليومي لغالبية الكوبيين.

فكرة أن تتوقّف تدفّقات النفط الفنزويلي إلى كوبا بأمر من دلسي رودريغيز تثير الرعب في صفوف الكوبيين، لا سيما إذا قررت الرئاسة المؤقتة أن تساير إدارة ترامب بعد الغارة على سلفها لتفادي مزيد من العنف. ويصرّ ترامب على أن واشنطن هي من يحدد الآن سير الأمور في فنزويلا. وقد تراجعت هذه التصريحات—إلى حد ما—بوساطة ما وُصف بأنه توضيح من وزير خارجيته ماركو روبيو، لكن لا شك أن إدارة ترامب تتوقع طاعة مطلقة من رودريغيز بصفتها رئيسة بالوكالة.

وحذّر ترامب من عواقب إضافية قد تكون أسوأ إن “لم تتصرّف كما ينبغي” على حدّ تعبيره. هذه اللهجة، فضلاً عن العملية نفسها، أثارت صدمة وغضب النقّاد في واشنطن وخارجها الذين وصفوا البيت الأبيض بأشد أشكال الإمبريالية والتدخّل في أميركا اللاتينية منذ الحرب الباردة. وذهب بعضهم إلى أن إزاحة مادورو تساوت مع اختطاف، وأن الاتهامات الموجّهة إليه يجب أن تُرفض حين يُعرض للمحاكمة المرتقبة في نيويورك.

يقرأ  ماكرون يقدّم خطة جديدة للخدمة الوطنية في فرنسا

غير أن ترامب يبدو غير مبالٍ بهذه الانتقادات، ومضى ليقول إنه قد يكرر العملية حتى ضد رئيس كولومبيا إن استدعى الأمر. وقد أطلق على هذا المناخ الجديد في أميركا اللاتينية تسمية “عقيدة دونرو”، في تورية على “عقيدة مونرو” القرن التاسع عشرية، التي حذّرت القوى الأوروبية من التدخّل في حيز النفوذ الأميركي بغرب الكرة الأرضية.

بمعنى آخر، تعتبر واشنطن أميركا اللاتينية “الفناء الخلفي” لها، ولها الحق الأوحد في تقرير ما يحدث هناك. وها هو روبيو يكرر مصطلح “الفناء الخلفي” نفسه وهو يبرّر الإجراءات ضد فنزويلا في برامج السبت والحوار السياسي التلفزيوني.

ويبقى روبيو لاعباً محورياً فيما سيأتي لكوبا؛ فالحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة منذ أكثر من ستين عاماً لم يفلح في إزاحة أخوين كاسترو أو تفكيك مشروعهما السياسي. وروبيو—الابن لـ مهاجرين كوبيين وكان سيناتوراً عن ولاية فلوريدا—لا يخفى عليه رغبته في أن يكون هو الرجل، أو الرجل الذي يقف وراء الرجل، الذي ينهي ستين عاماً من الحكم الشيوعي في وطن والديه.

يرى روبيو أن استراتيجيته تقوم على إسقاط مادورو وفرض شروط صارمة على حكومة رودريغيز المتهاونة نسبياً في كاراكاس كالمفتاح لتحقيق هدفه المعلن في هافانا. كوبا واجهت أوقاتاً عصيبة من قبل، والحكومة تبقى متصلبة في موقفها إزاء هذا التدخّل العسكري الإقليمي الجديد.

وصف ميغيل دياز-كانيل الثلاثة والثلاثين “مقاتلاً كوبياً شجاعاً” الذين سقطوا في فنزويلا بأنهم تصدّوا “للإرهابيين بالزيّ الإمبريالي”. وعلى متن “اير فورس وان” ردّ ترامب باختصار وقساوة: «كوبا مستعده للسقوط».