كيف تفرض إسرائيل سيطرتها على جنوب لبنان؟

اندلعت الاشتباكات مجدداً الشهر الماضي بين اسرائيل وحزب الله، حيث شنت اسرائيل ضربات جوية على أجزاء من لبنان وأدخَلت آلاف القوات البرية إلى الأراضي اللبنانية.

الآن تُعلن اسرائيل أنها تعتزم السيطرة على مساحة من الأراضي اللبنانية جنوب نهر الليطاني، ما يثير مخاوف من احتلال مطوّل وتشريد جماعي.

قليلٌ فقط من مناطق جنوب لبنان ظلت بعيدةً عن وطأة الحرب. خلت قرى بأكملها بعد أن أصدرت اسرائيل تحذيرات إخلاء شاملة لغالبية الجنوب. دمرت الضربات الجوية منازل، وجُزِّرت جسور، وتهدّمت أجزاء من بلدات. وتقدمت القوات البرية الإسرائيلية أعمق في جنوب لبنان، متصادمةً مع مقاتلي حزب الله في تضاريس وعرة وهضابية.

أثارت الحرب حالةً من عدم اليقين الشديد في الجنوب، الذي يغلب عليه المسلمون الشيعة ويشهد نفوذ حزب الله على مدى عقود.

هذا الأسبوع، قدّم المسؤولون الإسرائيليون خطتهم الأكثر وضوحاً حتى الآن لاحتلال شريط جنوبي من الحدود حتى نهر الليطاني بعد انتهاء الغزو البري، وهو ما سيشكّل نحو عشرة بالمئة من مساحة البلاد. قال المسؤولون إن هدفهم إقامة «منطقة أمان» لمنع استخدام تلك البقعة كمنطلق للهجوم على اسرائيل.

وقال وزير الدفاع اسرائيل كاتس يوم الثلاثاء إن مئات الآلاف من اللبنانيين المهجّرين من الجنوب لن يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم حتى «تَتَمَّ حماية أمن وسلامة سكان شمال اسرائيل».

حكومات لبنان دانت الحملة العسكرية الاسرائيلية وتوجّهت إلى المجتمع الدولي مناشدةً التدخّل. وحذّر رئيس الوزراء نواف سلام الأسبوع الماضي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من احتمال ضم اسرائيل للأراضي جنوب الليطاني.

تسوية القرى الحدودية

جدَّد كاتس يوم الثلاثاء أن خطة اسرائيل في جنوب لبنان تتضمّن هدم بلدات لبنانية كاملة على الحدود. لقد تضررت العديد من قرى الحدود بشدة في التصعيد السابق للقتال عام 2024؛ فقد شهدت ست قرى على الأقل دماراً واسع النطاق في تلك المواجهة. وقد جعلت الضربات الجوية المستمرة بعد وقف إطلاق النار من الصعب عملياً على السكان إعادة بناء قراهم.

يقرأ  تدقيق الحقائق — الصورة لا تُظهر تنظيم الدولة (داعش) يعرض نساءً يزيديات في أقفاص بالموصل قبل إحراقهن

«لم يبق شيء نعود إليه» بعد حرب 2024، قال علاء سليمان، 40 عاماً، الذي فرّ من منزله في كفر كلا على الشريط الحدودي مع اسرائيل. «حتى عندما حاول الناس نصب مساكن جاهزة، كانت تُستهدف بالضربات. لم يعد هناك أمل في العودة.»

منذ اندلاع الحرب الأخيرة الشهر الماضي عقب إطلاق حزب الله صواريخ ردّاً على أحداث تتصل بإيران، بدا أن اسرائيل سرعت وتيرة تدمير البلدات الحدودية. يُظهر مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، وثّقته صحيفة نيويورك تايمز، انفجاراتٍ كبيرة متزامنة في 17 مارس في عيته الشعب، التي تبعد نحو ميل عن الحدود. وأكدت صور الأقمار الصناعية التي اطلعت عليها الصحيفة في ذات اليوم الضرر الواقع في المنطقة؛ فالبلدة كانت قد تعرضت لضربات قاسية عام 2024.

وقال كاتس إن تدمير المجتمعات على طول الحدود جزء من استراتيجية مقصودة تتبع «نموذج رفح وبيت حانون في غزة» حيث استخدمت اسرائيل جرافات وهدمًا مُسيطرًا لقَلب أحياء بأكملها.

قصف الجسور

في آذار/مارس، فجّرت القوات الإسرائيلية معظم الجسور الرئيسة فوق نهر الليطاني، في ما قالت إنه محاولة لمنع حزب الله من نقل التعزيزات والمعدات القتالية إلى الجنوب. ويقع المجرى المائي أحياناً على بعد يصل إلى عشرين ميلاً من الحدود الإسرائيلية، وقد شكّل طويلاً خط الفصل بين جنوب لبنان وبقيّة البلاد.

يقع كثير من مجرى الليطاني في قعر وادٍ، ما يجعل الجسور حيوية — سواء لوجود مدنيين ما زالوا في الجنوب يرغبون في المغادرة أو لوصول الإمدادات الطبية والغذاء والضروريات إلى من بقي. عبر تفجير الجسور الكبرى التي تربط شمال لبنان بالجنوب، أجبرت اسرائيل حركة المدنيين على معابر أصغر ومحدودة. وإذا استهدفت هذه المعابر، فسيُصبح جنوب لبنان معزولاً تقريباً عن الشمال.

يقرأ  أزمة الخطف في نيجيريا — خوف يُجبر الناس على الصمت

لم يوضح المسؤولون الإسرائيليون ما إذا كانت القوات ستصل حتى حافة النهر أو تسيطر عليه عن بُعد، ولا مدة البقاء المخططة هناك. ويُظهر شريط مصور صوّرته رويترز وتحقّقت منه الصحيفة عددًا من الانفجارات النارية عبر جسر كبير في القصمية جنوب لبنان، يتصاعد منه عمود دخان أسود ورُكام.

الهجوم البري

بعد انتهاء الحرب السابقة باتفاق وقف إطلاق النار أواخر 2024، احتل الجيش الإسرائيلي خمسة مواقع قرب الحدود داخل لبنان. ومنذ اندلاع الحرب الجديدة أرسلت اسرائيل ما لا يقل عن 5,000 جنديّ بري، حسبما أفاد مسؤولان إسرائيليان لم يُسمح لهما بالحديث لوسائل الإعلام.

أظهرت صور أقمار صناعية حلّلَتها الصحيفة وجود مركبات إسرائيلية في مواقع عسكرية جديدة في أربع بلدات لبنانية قرب الحدود. وحتى أواخر مارس، لم تكن المركبات مرئية بكثافة أبعد في عمق الأراضي اللبنانية مما وصلت إليه القوات الإسرائيلية خلال الغزو البري في 2024.

في بلدة الخيام الحدودية تكشف الصور مناطق مهدمة ومبانٍ مدمرة في أجزاء متفرقة من البلدة. وقال جيريمي بيني، مختص شؤون الدفاع في «جينس» بلندن، إن مزيجاً من دبابات ميركافا ومدرعات نقل جنود يظهر في هذه الصور.

مصدر: صور أقمار صناعية عبر إيرباص. نيويورك تايمز

أثارت أنباء الدمار في الخيام قلق السكان الذين فرّ معظمهم عند اندلاع القتال. «بعد الحرب الأخيرة أعِدنا بناء منزلنا. قلنا إن الأمر انتهى. والآن يُهدَم كل شيء مرة أخرى»، قال علي عكار، 78 عاماً، الذي نزح عن منزله في الخيام. «في الحرب الماضية كان لدينا بعض الأمل في العودة. الآن لم يعد لدينا أي أمل.»

تشير صور الأقمار الصناعية التي تحققت منها الصحيفة أيضاً إلى وجود تواجد عسكري إسرائيلي عند مستشفى قرب ميس الجبل، مع مركبات مصفحة متوضعة حول مجمّع المستشفى. وقد أعاقت غيوم كثيفة الرؤية على كثير من المناطق بعد 18 مارس، ما صعّب التحقق المستقل من مواقع القوات الإسرائيلية الحديثة.

يقرأ  إسرائيل بحاجة إلى نحو ١٠٠٬٠٠٠ جندي احتياط لشن عملية عسكرية في قطاع غزة

استهداف البنى التحتية

استهدفت الضربات الجوية أيضاً منازل ومحطات وقود وصرافات بنكية وبنيةً مدنية أخرى تقول القوات الإسرائيلية إنها تُستخدم من قبل حزب الله. في مارس استهدفت اسرائيل أربع محطات وقود على الأقل تديرها شركة الأمانة للبترول، وهي موزعٌ كبير للوقود سبق أن وُضِع تحت عقوبات أمريكية لِما زعمته واشنطن من علاقات مع حزب الله. ويعتبرها المسؤولون الإسرائيليون «بُنى اقتصادية مهمة» للحركة.

أظهر شريط مصور لوكالة فرانس برس الضرر الذي لحق بمحطة وقود بين الناقورة وصور في جنوب غرب لبنان؛ لوح يتهدّل من السقف المتضرر وحفرة كبيرة ظاهرة في الرصيف. وعلى الرغم من أن المسؤولين الإسرائيليين يقولون إن محطات الوقود تموّل حزب الله، إلا أنها كانت في أحيان كثيرة متنفساً للكثير من اللبنانيين، إذ باعت الوقود أحياناً بأسعار مدعومة، ما جعلها شريان حياة للفقراء مع صعود أسعار الوقود بسبب الحرب في إيران.

أهلك الدمار قلوب مهجّري الجنوب الذين راقبوا من بعيد كيف دُمّرت بلداتهم وقراهم. «هناك دمار أكبر بكثير، وقتال أشرس، ورهانات هذه الحرب أعلى بكثير من المرة الماضية»، قالت هدى رجب، 28 عاماً، التي نزحت من منزلها على مشارف الخيام. «نحن نسأل الآن: هل سنتمكن من العودة إلى بيوتنا يوماً؟ وحتى لو عاد بعضنا، هل سيبقى شيء نعود إليه؟»

أضف تعليق