لماذا أدى اعتراف إسرائيل بصوماليلاند إلى نتائج عكسية آراء

أدركت إسرائل اعترافها بصوماليلاند في 26 ديسمبر كخيار جيوسياسي أكثر منه تتويجاً لطموحات سكان الإقليم الانفصالي في شمال غرب الصومال. القرار لم ينشأ من مطلب محلي طويل الأمد بقدر ما جاء نتيجة تحولات في موازين القوى والانتشار السريع لتفتت النظام الدولي. ما كان موضوعاً هامشياً أصبح اليوم في صلب تنافسات إقليمية ودولية.

الهيوض الأفريقي وممر البحر الأحمر، مع مضيق باب المندب بوصفه أحد أهم نقاط الاختناق البحرية عالمياً، تحولا إلى ساحات تنافس محتدمة بمشاركة إسرائيل ودول الخليج وتركيا ومصر وإثيوبيا وإريتريا والصين. في هذا السياق، يرمز اعتراف إسرائيل بصوماليلاند إلى توجه أوسع: استخدام حركات الانفصال كأدوات تعكير للاستراتيجية الجيوسياسية في الشرق الأوسط وقرن أفريقيا.

محور الانفصال، كما يسميه بعض الخبراء، بات واضحاً في ليبيا واليمن والسودان والصومال وسوريا. تقوده إسرائيل وتدعمه شبكة من الشركاء الإقليميين ويستهدف دولاً أصبح فيها الحكم المركزي مخترقاً بالصراعات ويفرض سيطرة جزئية فقط على أراضيها. المنطق بسيط: إضعاف السلطة المركزية، تعزيز مناطق الانفصال، وخلق كيانات تابعة مستعدة للتحالف مع إسرائيل والانضمام لاتفاقات إبراهيم.

بالنسبة لإسرائيل، توفر هذه الكيانات العميلة قواعد استراتيجية في مناطق متقلبة تتيح مراقبة الخصوم، وإسقاط النفوذ، وتأمين طرق بحرية حيوية، وتوسيع شبكات الاستخبارات. وعلى المدى الطويل تأمل إسرائيل أن تضغط على الدول الأم لتقبل هي الأخرى باتفاقيات التطبيع. غير أن هذه المقاربة تتسم بتناقض: بدلاً من تعزيز الاتفاقات، قد تزيد من عدم استقرار المنطقة وتقوض شرعيتها. من جهتها، قادت السعودية جهوداً منسقة لصد ما يُنظر إليه كمحور انفصالي يهدد الأمن الإقليمي.

التنافس على البحر الأحمر

وراء الصراع الجيوسياسي الأكبر تقف منافسة واضحة للسيطرة على ممر البحر الأحمر. يمر عبر مضيق باب المندب نحو 10% من التجارة العالمية، والسيطرة على الموانئ والسواحل على طول هذا الطريق تمنح نفوذاً كبيراً على التجارة الدولية. لذلك أصبح الساحل الطويل لصوماليلاند هدفاً استراتيجياً، واعتراف إسرائيل يسعى لترسيخ وجودها الجغرافي في القرن الأفريقي.

تجلَّى هذا التنافس بوضوح حين وقعت إثيوبيا مذكرات تفاهم مثيرة للجدل مع صوماليلاند في يناير 2024 تقضي بالاعتراف السياسي مقابل الوصول إلى البحر، وهو ما بدا جذاباً لإثيوبيا كأكبر دولة في العالم دون منفذ بحري. لكن الاتفاق لم يدم طويلاً: في ديسمبر 2024، وبعد وساطة تركية في أنقرة، توصلت إثيوبيا والصومال إلى إطار يؤكد سيادة الصومال وينبئ بأن أي ترتيبات بحرية يجب أن تكون تحت سلطة الصومال، مما دلّ على هشاشة صيغ الاعتراف مقابل الوصول وشدة الصراع الجيوسياسي حول وضع صوماليلاند.

يقرأ  الأفغان بحاجة ماسة إلى تأشيرات سفر إلى ألمانيا

الصين أيضاً باتت لاعباً فاعلاً. إقامة صوماليلاند علاقات مع تايوان أثارت حفيظة بكين التي تتعامل بحساسية قصوى مع أي تقارب مع تايبيه، وفي الوقت نفسه تدعم الصين موقف الصومال بشأن السيادة والسلامة الإقليمية وتستخدم نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي لإحباط ديناميات انفصالية تراها مهددة للاستقرار. تعمل بكين الآن على ثني فاعلين إقليميين، بمن فيهم إثيوبيا، عن الاعتراف بصوماليلاند. بالنسبة للصين، القضية لا تتعلق بالموانئ والموارد فحسب، بل أيضاً بمنع سابقة انفصالية قد تشجع تايوان؛ النتيجة مسرح مكتظ ومتقلب تتقاطع فيه تنافسات القوى الكبرى مع تطلعات محلية لم تُحسم.

التحالف الجديد في الشرق الأوسط وخيارات الصومال

إقرار إسرائيل بصوماليلاند سرّع تحولات إقليمية أوسع. السعودية والإمارات الإسرائيليتان؟ — لا، جملة غير لائقة. على أي حال، الإمارات والسعودية تجاذبات بينهما، بينما بدأت تركيا ومصر وقطر والسعودية بالتنسيق لمواجهة ما يعتبرونه محورا مزيعا للاستقرار. تصاعدت هذه الديناميات بعد تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن وإعلانه مساراً نحو دولة مستقلة، ثم جاء اعتراف إسرائيل بصوماليلاند ليعمّق القلق لدى الرياض التي رأت في ذلك تهديداً مباشراً لدوائر نفوذها وأمنها القومي. فبادرت الرياض لتجميع محاربة مشتركة توجهها لإيقاف محاولات الانفصال المدعومة خارجياً.

لكل طرف في هذا التحالف الجديد مخاوفه الخاصة: مصر تخشى أن يؤدي الاعتراف لصوماليلاند إلى تشجيع إثيوبيا في نزاع السدّ الكبير، وتركيا التي استثمرت كثيراً في أمن وصوماليلاند ترى في تفكك الدولة تهديداً لمصالحها، والسعودية تعتبر المحور الانفصالي خطراً وجودياً بدءاً من اليمن. هذه الدول تحاول أن تقدم نفسها كحماة للسيادة والتماسك الإقليمي، وتنسق دبلوماسياً لثني واشنطن عن اتباع نهج إسرائيل.

بالنسبة للصومال، الخيارات صارمة وواضحة: ربط سياسته الخارجية بهذا التحالف لم يعد ترفاً بل ضرورة. للدول الثلاث — السعودية ومصر وتركيا وقطر — مصلحة مباشرة في الحفاظ على سيادة الصومال ووحدته. ومع ذلك، كانت علاقات الصومال الخارجية مضطربة أحياناً، متذبذبة في الإشارات ومتضاربة في المواقف. في مواجهة تهديد وجودي كهذا، لم يعد التوازن بين محاور متنافسة خياراً عملياً؛ على الصومال إعادة ترتيب دبلوماسيته سريعاً واستثمار أهميته الجيوستراتيجية لبناء شراكات متينة وموثوقة.

يقرأ  ساحل العاج يلتقي مصر في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بعد تجاوزه بسهولة منتخب بوركينا فاسو

من ناحية داخلية، لا تقل أهمية الوحدة الوطنية. مع انتخابات برلمانية ورئاسية مقررة في مايو، على الحكومة الفدرالية للصومال العمل على بناء توافق بين الأطراف السياسية حول قضايا خلافية مثل تعديلات 2024 على الدستور المؤقت وإطار انتخابات شفاف ومعتمد. حتى الآن أظهر الرئيس حسن شيخ محمود قدر محدود من الاستعداد للتنازل؛ وفشل تحقيق إجماع داخلي عاجل سيترك ثغرات يمكن لإسرائيل ووكلائها الإقليميين استغلالها.

مفارقة صوماليلاند

من المفارقات أن سعي صوماليلاند للاعتراف الدولي قد قُوض بتبني استراتيجية اعتماد على إسرائيل. سمعة إسرائيل على الساحة الدولية تضررت كثيراً بسبب عملياتها في غزة، فجعَل الاعتراف بها أمراً سياسياً حساساً في العالم العربي والإسلامي. بدلاً من تعزيز ملف صوماليلاند، عمّق الرباط مع إسرائيل عزلة الإقليم سياسياً.

ولم تقتصر العواقب على الساحة الخارجية؛ جزء كبير من سكان صوماليلاند يرفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وسط مزاعم متداولة عن نوايا لإعادة توطين لاجئين فلسطينيين من غزة في صوماليلاند — وهو ما تنفيه قيادة الإقليم. بالتالي، بدلاً من توحيد المطالب السيادية، تواجه صوماليلاند معارضة داخلية متصاعدة ومقاومة إقليمية متنامية.

تتعقد الأمور أيضاً بتغير السيطرة على الأرض. صوماليلاند لم تعد تسيطر على كامل أراضيها المزعومة من عهد الصومال البريطاني السابق؛ ففي يوليو 2025 تأسست ولاية فيدرالية جديدة، «ولاية الشمال الشرقي»، في مساحات واسعة من تلك الأراضي وأعلنت ولاءها للحكومة الفدرالية الصومالية، مما عزّز وحدة الأراضي الصومالية وأضعف ملف صوماليلاند للحصول على اعتراف دولي.

دبلوماسيًا، أدت خطوة إسرائيل إلى تحرك معاكس لصالح الصومال: أجمعت جهات إقليمية ودولية رئيسية — من الإيغاد والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي وصولاً إلى الهند — على إعادة تأكيد سيادة الصومال وسلامة أراضيه. وحتى الولايات المتحدة، أقوى حلفاء إسرائيل، شاركت أعضاء آخرين في مجلس الأمن في تكرار الالتزام بوحدة الصومال. ما كان يعتزم أن يكون إنجازاً لصوماليلاند انعكس تقويةً لموقف الصومال دبلوماسياً، وكشف تناقض اعتراف وحيد في زمن دولٍ مُفتت.

يقرأ  الولايات المتحدة تقلّص التعريفات على سويسرا إلى 15% بدلًا من 39% الخانقة — أخبار حرب التجارة

ما لم تتمكن إسرائيل من إقناع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالاعتراف بصوماليلاند — وهو أمر يواجه رياحاً معاكسة من تحالف تقوده السعودية — تبدو آمال تأثير سلسلة من الاعترافات متوقفة عند حد.

عندما ينعكس الاعتراف ضد أصحابه

اعتراف إسرائيل بصوماليلاند ليس فعلاً منفرداً بل جزء من استراتيجية أوسع، محور الانفصال، التي تستغل هشاشة دول ممزقة من ليبيا واليمن إلى السودان والصومال وسوريا. بمحاولة تمكين كيانات انفصالية، سعت إسرائيل بدعم شركاء إقليميين لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، لكنّ هذه المحاولة صادفت مقاومة قوية.

فشل اتفاقية إثيوبيا-صوماليلاند المؤقتة، ودفاع الصين الحازم عن سيادة الصومال، والتصدع العميق بين السعودية والإمارات، كلها أمثلة على حدود هذه الاستراتيجية وتقلبها. بالنسبة لصوماليلاند، ربط استراتيجية الاعتراف بإسرائيل آتى بنتائج عكسية: عزز العزلة الدبلوماسية، ورفع مستوى المعارضة الداخلية، وأضعف السيطرة الإقليمية.

أما درس الصومال فواضح أيضاً: بقاؤه كدولة ذات سيادة بات مرهونا بالإسراع في تحقيق التماسك الداخلي والانحياز الحازم للتحالف الإقليمي الجديد الذي وقف ضد التقسيم. بدلاً من دفع طموحات انفصالية، كرّس اعتراف إسرائيل بصوماليلاند الإجماع الدولي حول سلامة أراضي الصومال وأظهر محدودية الاعتماد على الاعتراف كأداة جيوسياسية في عالم متشظٍ.

الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق