لماذا انضمّ جي. دي. فانس إلى جهود باكستان الأخيرة للوساطة بين واشنطن وطهران؟ — أخبار الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران

إسلام آباد، باكستان — أمام الصحفيين في البيت الأبيض سئل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عمّا إذا كان وقف إطلاق النار مع إيران بات قاب قوسين أو أدنى. قال يوم الاثنين: «لدينا طرف راغب ونشط على الجانب الآخر»، ووصف المقترح المطروح بأنه «خطوة مهمة» قبل أن يضيف سريعاً أنه «ليس كافياً».

وعندما ضغط الصحفيون لمعرفة من يقود الدفع الدبلوماسي الأميركي، أقر ترامب بما كان يتم عبر قنوات خلفية طيلة الأيام الماضية. قال: «هم يعملون إلى جانب ماركو، وجي دي. لدينا عدد من الناس يقومون بذلك»، مذكراً نائب الرئيس جي دي فانـس ووزير الخارجية ماركو روبيو للمرة الأولى كمن يقودان جهود التفاوض نيابةً عن الإدارة.

في إدارة عانت لتظهير استراتيجية دبلوماسية موحدة لحرب أطلقتها قبل أكثر من خمسة أسابيع، حافظ فانـس إلى حد بعيد على مسافة متعمدة من عملية «الغضب الملحمي». لكن تصريح ترامب كان تأكيداً علنياً لكيفية بروز فانـس بهدوء كلاعب محوري في جهود أخيرة سهلتها باكستان لإبعاد الولايات المتحدة وإيران عن حافة تصعيد قد يكون الأكثر تدميراً حتى الآن.

هدد الرئيس الأميركي خلال عطلة نهاية الأسبوع بقصف منشآت الطاقة الإيرانية إن لم تعِد طهران فتح مضيق هرمز — الذي يعبره 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز العالمية في أوقات السلم — قبل صباح الأربعاء بتوقيت طهران. وفي يوم الاثنين شن هجوماً كلامياً ملطخاً بالألفاظ على إيران عبر منصة «ترث سوشيال» الخاصة به.

ثم، قبل نحو اثنتي عشرة ساعة من الموعد النهائي الذي حدّده بنفسه، صعّد ترامب لهجته على نحو أبعد عندما غرّد: «حضارة بأسرها ستموت هذه الليلة، ولن تعود أبداً. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه ربما سيقع». وردت قوات الحرس الثوري الإسلامي بتحذير مفاده أن كل قيودها تجاه الأهداف ستُرفع إذا ما أقدم ترامب على تصعيد عسكري، مما زاد من التوتر في المنطقة. وقد قُصفت جزيرة خارك — مركز التصدير الإيراني — في وقت سابق من اليوم، وردت طهران بضرب منشأة جبيل للبتر وكيمائيات في السعودية.

وسط هذه الهجمات والتهديدات، قالت مصادر متطلعة على جهود الوساطة إن المحاولات لبلوغ اتفاق بين واشنطن وطهران على مقترح باكستاني يقضي بوقف القتال على مرحلتين لا تزال جارية. ما إذا كانت هذه الجهود قادرة على الصمود أمام الخطاب العدائي المتبادل بين واشنطن وطهران وتقريبهما نحو اتفاق سلام سيشكل اختباراً لنفوذ فانـس لدى ترامب ولقدرة حضوره في المحادثات على دفع طهران نحو الحوار، وفق المصادر.

يقرأ  تسوية بين السكك الحديدية الإسرائيلية وبطلة الألعاب البارالمبيةبشأن قضية تمييز على أساس الجنس

دور فانـس المعروف
ليلة قبل حديث ترامب أكدت مسؤوليات مطلعة على جهود الوساطة لِـ”الجزيرة” أن رئيس أركان الجيش الباكستاني، المارشال عاصم منير، قد تحدث مع فانـس والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. جاء الاتصال ضمن حملة وساطة مكثفة قادتها باكستان منذ أواخر مارس. استضافت إسلام آباد وزراء خارجية من تركيا والسعودية ومصر في 29 مارس في دفع منسق لوقف الأعمال العدائية، وذلك عقب مشاورات سابقة في الرياض في 19 مارس اتفقت فيها القوى الإقليمية على نهج موحد.

وفي اجتماع لمجلس الوزراء في 26 مارس كلف ترامب نائبَه بإحاطة مسؤولين إيرانيين، معترفاً رسمياً بدور فانـس في الجهود الدبلوماسية. ونقلت وسائل إعلام باكستانية عن مسؤول مدني رفيع مطلع قوله إن وفداً أميركياً بقيادة فانـس كان مستعداً مرتين للسفر إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مباشرة مع نظرائهم الإيرانيين، لكن الزيارات ألغيت في اللحظة الأخيرة بعد طلب طهران مزيداً من الوقت للمداولات الداخلية ثم رفضها في نهاية المطاف المشاركة.

ومع ذلك، بحلول نهاية الأسبوع الماضي أحرزت الجهود تقدماً ملموساً، إذ أكدت إيران تلقيها مقترحاً لوقف إطلاق النار، ما فتح الباب أمام مفاوضات أوسع. لكن طهران رفضت الخطة لاحقاً ووصفتها بـ«غير المنطقية».

لماذا ترى طهران فانـس بشكل مختلف
تعود تفضيلات طهران لفانـس إلى ما قبل اندلاع الحرب. في 26 فبراير أنهى ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر — صهر ترامب وناشط عقاري مثله — جولة ثالثة من مفاوضات نووية غير مباشرة في جنيف مع عباس عراقجي، وكان وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي الذي توسط في المحادثات متفائلاً، وقال لوسائل إعلام أميركية بعدها إن «اتفاق سلام في متناول اليد»، ووصف تقدماً «مهماً وغير مسبوق»، بما في ذلك ما اعتبره التزاماً من إيران بعدم تخزين اليورانيوم المخصب.

يقرأ  شركة ترامب للإعلام تعلن عن خطط لمنح المساهمين رموزًا رقميةأخبار دونالد ترامب

مع ذلك، وبعد يومين شنت قوات أميركية وإسرائيلية ضربات على مواقع إيرانية فأطلقت الحرب. من منظور طهران بدا ذلك خيانةً ثانية: كانت هناك مفاوضات قبل الحرب أيضاً في يونيو، ثم قصفت إسرائيل تلتها الولايات المتحدة إيران خلال أيام القتال الاثني عشر. رأى بعض المحللين الإيرانيين أن المفاوضات السابقة هدفت أساساً لكسب الوقت لاستكمال التموضع العسكري.

قال جواد هيران نيا، مدير مجموعة دراسات الخليج الفارسي في طهران، إن إيران اعتبرت ويتكوف في البداية «معتدلاً» داخل الدائرة المقربة من ترامب وقبلت بدوره على هذا الأساس. وعندما انضم كوشنر إلى المفاوضات قبل جولة فبراير اعتُبر ذلك إشارة جدية لأن قربه من الرئيس كان يُسهِم في مصداقية المسعى. لكن قرار الولايات المتحدة الانضمام لإسرائيل في شن الحرب أثناء استمرار المحادثات قلب هذه الصورة.

وسائل إعلام غربية نقلت لاحقاً أن طهران رفضت التعامل مع كوشنر أو ويتكوف بعد جنيف، وذكرت شبكة سي إن إن نقلاً عن مصادر إقليمية أن إيران رأت فانـس أكثر ميلاً لإنهاء الصراع من مسؤولين أميركيين آخرين. وأضاف هيران نيا أن التحولات الداخلية في إيران عززت هذا التفضيل؛ فبعد وفاة المرشد الأعلى تنافست أجنحة النظام على النفوذ، وقوّتَت الحرب من موقع الحرس الثوري بينما تقلص نفوذ الحكومة التي يقودها مسعود بيزِشكيان في قضايا استراتيجية. وعموم قبول المفاوضات، بما في ذلك وساطة باكستان، جاء من مستويات عليا في النظام الإيراني، رغم أن شكل العملية ما يزال حساساً سياسياً.

إسلام آباد وصيغة الاتفاق
بحلول مساء الثلاثاء في إسلام آباد وصف مسؤولون حكوميون المفاوضات بأنها في مرحلة متقدمة. الإطار الناشئ يتصور عملية متدرجة: أولاً اتفاق لتأسيس تدابير بناء ثقة، يتبعه وقف إطلاق نار رسمي إذا ما ثبتت جدوى تلك التدابير. لم تُكشف تفاصيل هذه التدابير علناً، وتجنّب المسؤولون الباكستانيون استباق قرارات تعود لواشنطن وطهران.

وأشار السفير الإيراني في باكستان، رضا أميري مقدم، إلى تقدّم الثلاثاء، وكتب على منصة «إكس» أن مساعي إسلام آباد «الإيجابية والمنتجة، بحسن نية وبالوساطات الجادة لوقف الحرب» تقترب من «مرحلة حاسمة وحساسة». كان هذا أوضح مؤشر علني من مسؤول إيراني على أن الوساطة الباكستانية تجاوزت المناقشات التمهيدية.

يقرأ  لماذا حظرت بوركينا فاسو الأحزاب السياسية، وما الذي ينتظر البلاد بعد ذلك؟ — أخبار الجماعات المسلحة

لكن مع تزايد الزخم الدبلوماسي بدا أن ترامب يصرّ على تشديد خطابه. غرد الثلاثاء: «حضارة بأسرها ستموت هذه الليلة، ولن تعاد أبداً»، مقترحاً أيضاً أن «تغيير النظام الكامل والشامل» قد يكون جارياً في إيران. وأضاف: «47 عاماً من الابتزاز والفساد والموت ستنتهي أخيراً».

سياسة، التصور و2028
تفضيل إيران لفانـس ليس مسألة شخصيات فحسب، بل ينبع أيضاً من سجله تجاه التدخلات الخارجية. كم senatور كتب فانـس في 2023 مقالة في وول ستريت جورنال قال فيها إن نجاح ترامب جزئياً مبني على تجنبه حروباً جديدة. وفي 2024 حذّر من أن صراعاً مع إيران لن يخدم المصالح الأميركية وأنه سيكون «مشتتاً ضخماً للموارد».

أشار هيران نيا إلى عاملين يشكلان أساس رؤية طهران لفانـس: أولاً، رآه بعض الإيرانيين معارضاً للحرب في مبدئه، حتى لو انحاز لاحقاً لموقف الإدارة؛ ثانياً، على عكس ويتكوف وكوشنر، لم يكن مشاركاً في المفاوضات التي سبقت الضربات. من الناحية الرمزية، جعله ذلك أكثر قابلية للعرض داخلياً كوجه يمكن لطهران تبريره أمام الرأي العام.

أضاف أن سلوك فانـس خلال الحرب عزّز الانطباع في طهران بأنه يتموضع بحذر لخوض سباق رئاسي مستقبلي. يُنظر إلى فانـس على نطاق واسع كمرشح رائد لترشيح الحزب الجمهوري لعام 2028، ويحتاج إلى موازنة ولائه لترامب مع تشككه تجاه صراعات طال أمدها في الشرق الأوسط. لاحقاً قد يكون تصويره كشخص عمل على إنهاء الحرب طريقاً للخروج من هذا التوتر.

هذا الحساب السياسي لم يغِب عن صناع القرار في طهران؛ فقد «أوصل الانطباع داخل إيران أن نائب الرئيس يتبنّى نهجاً حذراً ليكون له دور رئاسي مستقبلي»، وفق هيران نيا، «وبينما يعمل ضمن منظومة ترامب يسعى للحفاظ على هامش من الاستقلال». وفيما تستمر الوساطات، يبقى السؤال ما إن كانت الدبلوماسية ستتمكن من درء نزعة التصعيد الاستعراضي وتحويلها إلى اتفاق ذي أثر دائم.

أضف تعليق