لماذا تراهن قطر على الدبلوماسية مع إيران؟ آراء

استمع الى هذا المقال | 8 دقائق

دخل الاحتكاك بين الولايات المتحدة وايران مرحلة أكثر تقلباً، تميّزت بضربات عسكرية مباشرة، وتصعيد خطابي متزايد، وتآكل متدرج للضوابط المتعارف عليها. من هجمات على منشآت نووية إيرانية إلى ردود طهران المحسوبة عبر المنطقة، أصبح خطر التصعيد ملموساً أكثر من كونه افتراضياً. ولدى دول الخليج، التي ترتبط أمنها واستقرارها الاقتصادي بصورة مباشرة بأي صراع أميركي–إيراني، انعكاسات فورية ومباشرة. وفي هذا الإطار ينبغي فهم دبلوماسية قطر بين واشنطن وطهران: ليس كحياد من أجل الحياد فحسب، بل كمحاولة محسوبة لاحتواء مخاطر قد تتضاعف مع أي تصعيد.

لطالما حملت فترات التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وايران تبعات تتجاوز واشنطن وطهران بمراحل. بعد موجة الاحتجاجات داخل ايران، التي أسفرت، وفق تقديرات متفاوتة، عن مقتل الآلاف، تصاعد الخطاب بين طهران وواشنطن بصورة ملحوظة. شمل ذلك تهديد الرئيس ترامب بالتدخل لصالح المحتجين، وهو ما زاد من إلحاح الجهود الدبلوماسية في الخليج. جغرافيا الخليج وتركيز بنيته التحتية الطاقية وتشابك بيئة الأمن الإقليمي تعني أن حتى مواجهة محدودة قد تنزلق بسرعة إلى امتداد إقليمي. وفي هذا السياق أولت قطر في تعاملها مع واشنطن وطهران أولوية دائمة لخفض التصعيد، والوساطة، والحفاظ على قنوات سياسية في لحظات بدا فيها استمرار تلك القنوات هشاً.

برزت قطر كوسيط فعّال وموثوق في لحظات التوتر الحاد بين الولايات المتحدة وايران، مقدمة مسارات عملية ساعدت في منع تفجر أزمات أوسع. وانطلاقاً من علاقاتها المستمرة مع طهران وشراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، حافظت الدوحة على قنوات اتصال سرية وموثوقة تتيح للطرفين التواصل عندما يَصعُب الانخراط المباشر لأسباب سياسية. وقد مكّنها هذا الموقع من تيسير نتائج خافضة للتصعيد حفظت ماء الوجه للطرفين، مما عزز دورها كوسيط يتيح مساحة سياسية للضبط بدلاً من المواجهة.

يقرأ  إجلاء نحو نصف مليون شخص عالقين بعد فيضانات عنيفة في باكستانأخبار أزمة المناخ

تجلّى هذا الدور بوضوح في سبتمبر 2023 عندما ساعدت قطر في تيسير تبادل أسرى بين ايران والولايات المتحدة، إلى جانب إطلاق أموال إيرانية مجمَّدة لأغراض إنسانية. تطلبت العملية أشهراً من المفاوضات غير المباشرة، وتؤدي الصفقات بتسلسل مدروس، وضمانات سياسية للطرفين. ورغم أن الاتفاق لم يشكّل تهيئة لتقارب شامل، إلا أنه أظهر نقطة مهمة: حتى في ظل عداء عميق، تظل الدبلوماسية ممكنة حين تتوافر وسائط موثوقة.

للدوحة، لا تشكل الوساطة غاية بذاتها، بل تعبيراً عن قناعة أوسع بأن القضية النووية الإيرانية والتوترات الأميركية–الإيرانية عموماً لا يمكن إدارتها بشكل مستدام عبر القسر وحده. وقد تمسكت قطر على نحو ثابت بالرأي القائل إن الحوار، لا العمل العسكري، هو المسار الوحيد القابل للفاعلية لاحتواء المخاطر ومنع الانزلاق. هذا الموقف لا يعني تجاهلاً للسلوك الإقليمي الإيراني أو لمخاوف الانتشار؛ بل هو تقييم للتكاليف، ولللامبالاة بشأن حالات عدم اليقين والعواقب غير المقصودة على أمن المنطقة. ومن ثم، حتى بعد الضربة الصاروخية المحسوبة التي استهدفت قاعدة العديد الجوية في قطر — منشأة عسكرية قطرية تستضيف قوات أميركية — والتي أطلقتها ايران في يونيو 2025 رداً على هجمات أميركية على منشآت نووية إيرانية، سارعت الدوحة إلى التواصل مع الجانبين واحتواء الأزمة. عبر جهود تواصل عاجلة وقنوات عمل راسخة ساهمت قطر في دعم هدنة هشة بقيت عامةً محافظة على صمودها منذئذ، مما أكد قدرتها على الوساطة والثقة الموضوعة في دبلوماسيتها.

إن صراعاً عسكرياً يهدف إلى الإطاحة بالنظام الإيراني سيعقبه، على الأرجح، آثار تتجاوز حدود ايران بكثير. داخلياً، قد يؤدي سيناريو من هذا النوع إلى انهيار الدولة، وتفتت السلطات، وإعادة تسييس الانقسامات العرقية والطائفية داخل مجتمع كبير ومعقد. وخارجياً، قد تشمل التداعيات نزوحاً جماعياً للاجئين نحو الدول المجاورة، بما في ذلك دول الخليج، فضلاً عن تعطيلات جسيمة للأمن البحري وأسواق الطاقة. مجتمعة، ستكون هذه النتائج تحديات آنية لدول الخليج التي تقترن استقراريتها ارتباطاً وثيقاً بهدوء المنطقة.

يقرأ  لماذا أصبح العنف المبنيّ على النوع الاجتماعي في جنوب أفريقيا حالة طوارئ وطنية؟حقوق الإنسان

لقد غيّرت التطورات الأخيرة في المنطقة موازين القوى الاستراتيجية بالفعل. منذ هجمات 7 أكتوبر والمواجهات الإقليمية التي أعقبتها، تعرضت شبكة الحلفاء من الفاعلين غير الدوليين المدعومين من ايران لضغط مستمر. أُضعفت عناصر عدة من “محور المقاومة” عسكرياً وسياسياً، مما حدّ من قدرة طهران على إسقاط نفوذها في بعض المسارح. وفي الوقت نفسه، بدّد القصف الأميركي لإيران في يونيو 2025 أي أوهام متبقية حول استعداد واشنطن لضرب ايران مباشرة وتقويض قدراتها في التخصيب النووي.

من منظور دول الخليج، مع ذلك، تقدم أي تصعيد إضافي عوائد متناقصة. إضعاف النفوذ الإقليمي لإيران لا يعني بالضرورة استتباب الأمن الإقليمي، لا سيما إذا رافق ذلك سياسات قد تؤدي إلى انهيار الدولة. بالنسبة لدول الخليج، ليست الأولوية إعادة تشكيل النظام الإيراني بشكل درامي، بقدر ما هي تجنّب الفوضى التي ستكون مكلفة وغير متوقعة وصعبة الاحتواء. هذا التقييم لا يقتصر على الدوحة؛ فقد تقاربت مواقف قطر خلال السنوات الأخيرة تدريجياً مع مواقف السعودية وعُمان، اللتين استثمرتا في تخفيف التوتر مع طهران عبر الحوار وبناء الثقة. ومحاولاتهما إيصال مخاطر التصعيد إلى إدارة ترامب عكست مزاجاً إقليمياً أوسع يفضّل الاحتواء والانخراط على المواجهة. وتكتسب هذه التقاربة أهمية أكبر بالنظر إلى الفوارق السياسية التي فرّقت عواصم الخليج تاريخياً.

تقدّم جهود قطر الوسيطية مساراً يساهم في منع فوضى إقليمية في وقت تتراجع فيه عوائد التصعيد. بفتح القنوات، وتسهيل اتفاقات محدودة، وبيان رفض الاستراتيجيات القصوى، تسعى الدوحة لتقليل احتمال سوء التقدير. ونادراً ما تُثمر هذه الجهود عن اختراقات دراماتيكية، وغالباً ما تكون غير مرئية بمقصود. ومع ذلك، فإن غيابها كان سيجعل احتمالات التصعيد أعظم، لا أقل.

في بيئة إقليمية متزايدة الاستقطاب، قد يُغفل قيمة خفض التصعيد بسهولة. فهو يفتقر إلى وضوح الردع ونشوة العمل العسكري. ومع ذلك، كما توضّح وساطة قطر بين واشنطن وطهران، تظل الدبلوماسية، ولو كانت تدريجية وغير كاملة، من بين القلائل الأدوات القادرة على منع الأزمات من الانزلاق إلى صراع أوسع. في منطقة تتشارك فيها تكاليف الحرب أبعد من ساحات القتال، لا ينبغي الاستخفاف بهذا الإسهام.

يقرأ  رئيس إيران يحثّ الحكومة على الاستجابة لـ«المطالب المشروعة» للمتظاهرينأخبار الأعمال والاقتصاد

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب فقط ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق