قضية غامبيا التاريخية بتهمة ارتكاب ميانمار لإبادة جماعية ضد أقلية الروهينغا المسلمة بدأت هذا الأسبوع أمام محكمة العدل الدولية.
مقدمة وسياق
في افتتاح الجلسة الختامية التي انعقدت بعد نحو عقد من الهجوم العسكري الذي أجبر نحو 750 ألف من الروهينغا على الفرار، قال النائب العام ووزير العدل الغامبي، داودا أ. جالو، لهيئة القضاة إن الروهينغا «استُهدفوا ليُدمروا». لقد سرد اللاجئون مشاهد عمليات قتل جماعي واغتصاب واعتداءات حرق للمنازل أثناء فرارهم، معظمهم إلى بنغلادش، حيث أقاموا في مخيمات لجوء.
أهمية القضية
تمثّل هذه الدعوى أول مرة تُعرض فيها ادعاءات بانتهاكات واسعة النطاق بحق الروهينغا أمام محكمة دولية، وكذلك أول مرة تفصّل فيها محكمة العدل الدولية قضية إبادة جماعية أقامتها دولة ثالثة دفاعاً عن شعب أو جماعة أخرى. وفي لفتة إنسانية نادرة، طلب جالو من لاجئين روهينغا الحاضرين في قاعة السلام أن يقفوا ليعترف بهم أعضاء هيئة القضاء المكونة من 15 قاضياً.
الشهادة والحكم المحتمل
من المتوقع أن يدلي اللاجئون بشهاداتهم في جلسات مغلقة، ولا تزال مواعيد صدور حكم نهائي مجهولة. ولا تملك محكمة العدل الدولية وسائل تنفيذ مباشرة لأحكامها، لكن لقراراتها وزنًا قانونيًا دوليًا مهمًا. ويرى خبراء أن حكم المحكمة في هذه القضية قد يكون له تداعيات على قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل والتي أقيمت نيابة عن الفلسطينيين في ديسمبر 2023، والتي انضمت إليها لاحقاً دول أخرى.
لماذا رفعت غامبيا الدعوى ضد ميانمار؟
قامت غامبيا في نوفمبر 2019 برفع دعوى تتهم ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 عبر ارتكاب أعمال ترقى إلى الإبادة بحق الروهينغا. الدولة الغامبية الصغيرة — التي يبلغ عدد سكانها نحو 2.5 مليون نسمة — تقدمت بالدعوى نيابة عن منظمة التعاون الإسلامي المكونة من 57 دولة، التي تنشط غامبيا في عضويتها.
الجهة التي قادت المبادرة ونجاح الدعم الدولي
أدى رفع القضية إلى بروز دور المدّعي العام السابق أبوبكر تامبادو الذي كان العقل المدبّر وراء تلك المبادرة؛ وقد تولى لاحقاً منصب أمين السجل في الآلية المتبقية للمحاكم الجنائية الدولية التابعة للأمم المتحدة، ورُشح لجائزة نوبل للسلام عام 2021. وقد تقدمت سبع دول — كندا والدنمارك وهولندا وألمانيا وجزر المالديف وفرنسا وبريطانيا — بطلبات ناجحة للمشاركة في دعم قضية غامبيا أمام المحكمة.
طبيعة الانتهاكات والاستنتاج الأممي
تعرضت مجتمعات الروهينغا في ميانمار لهجمات عسكرية عنيفة امتدت لأشهر من قبل قوات التاتماداو منذ أواخر 2016. وعلى الرغم من أن الاضطهاد بحقهم كان مستمراً منذ زمن طويل، إلا أن العنف تصاعد بشكل حاد حيث شملت الأعمال حرق المنازل وقتل المدنيين جماعياً واغتصاباً واختطافاً. وفي تقرير بعثة تقصي حقائق للأمم المتحدة عام 2019، ورد أن نحو 10 آلاف شخص قُتلوا وأن نحو 730 ألفاً نزحوا إلى بنغلادش، كما خلصت البعثة إلى وجود «نية إبادة» وأن الحكومة سعت فعلياً لـ«محو» هوية الروهينغا وإبعادهم عن ميانمار.
الدوافع المحلية لغامبيا
ربما استُلهِمت غامبيا لتحريك الدعوى من تاريخها الطويل مع القمع في عهد الديكتاتور السابق يحيى جامع، الذي حكم البلاد قبضته الحديدية لنحو 22 عاماً حتى 2017. وقال المحامي عمران داربو، الذي كان يعمل لدى لدى وزارة العدل الغامبية سابقاً، إن تجربة البلاد مع لجنة الحقيقة والمصالحة وكشف فظائع تلك الحقبة جعلت لدى المجتمع الغامبي استعداداً أكبر للدفاع عن حقوق الإنسان على مستوى دولي، إذ شعر الناس بصدمة مما كانوا يسمعون من شهادات عن معاناة الروهينغا فتبلورت رغبة في التحرك.
ما هي حجة غامبيا أمام محكمة العدل الدولية؟
في مرافعته الافتتاحية، قال داودا جالو إن الروهينغا «استُهدفوا عمداً» من قبل قيادة الجيش الحاكم في ميانمار، وأن حياتهم تحولت إلى كابوس. وأضاف: «لقد استُهدفوا ليُقضى عليهم». واستعرض محامون غامبيون، من بينهم بول رايخلر، شهادات واسعة تعود إلى 2017 تصف بيوتا تشتعل فيها النيران والناس بداخلها، وعمليات اغتصاب جماعية وعمليات قتلٍ تعسفية. كما نقل الفريق أنّ حكومات ميانمار وصفت الروهينغا بأنهم «عرق نجس ودون إنسانية» واعتبرتهم تهديداً للسكان المحليين. واستخلص محامي آخر، فيليب ساند، أن حجم العنف يدل على «نية إبادة» من قبل السلطات.
ماذا جادلت ميانمار؟
سيباشر فريق دفاع ميانمار، بقيادة وزير التعاون الدولي كو كو هلاينغ، رده على الادعاءات خلال الفترة من 16 إلى 20 يناير. ومن الجدير بالذكر أن ميانمار كانت في فترة تقديم الدعوى عام 2019 تُدار بحكومة مدنية، وقد أنكرت ميانمار هذه الاتهامات في جلسات سابقة تمهيدية عقدت في ديسمبر من ذلك العام. ظهرت الزعيمة السابقة والحائزة على جائزة نوبل للسلام، أونغ سان سو تشي — التي أُطيح بها في انقلاب عسكري عام 2021 — أمام محكمة العدل الدولية شخصياً، واعتبرت مزاعم غامبيا «ناقصة ومضلِّلة».
في كانون الثاني/يناير 2020، أمرت محكمة العدل الدولية ميانمار باتخاذ تدابير طارئة لمنع وقوع إبادة جماعية ضد الروهينغا، في قرار وصفه خبراء بأنه «ردّ قاسٍ ومدوٍ» على موقف أونغ سان سو تشي. الحكومة الميانية، التي تخضع حالياً لسيطرة الجيش وتواجه تمرداً مستمراً، ترفض حتى الآن تهم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وتقول إن عملياتها استهدفت «مجموعات مسلحة روهينغية» ضمن ما وصفتها بـ«عمليات تمشيط».
فتاة لاجئة من الروهينغا تبيع بضائع في كشك داخل مخيم للاجئين في كوكس بازار، بنغلادش — الجمعة 21 نوفمبر 2025 (تصوير: محمود حسين أوبو / وكالة أسوشيتد برس)
من هم الروهينغا؟
الروهينغا هم مجموعة عرقية ذات أغلبية مسلمة تتواجد أساساً في ولاية راخين غرب ميانمار، على الحدود مع بنغلاديش. قبل موجة التهجير القسري في 2017 كان عددهم يقارب المليون شخص داخل ميانمار، ما جعلهم أقلية من بين نحو 137 مجموعة عرقية في البلاد. توجد أيضاً جماعات من الروهينغا موزعة في الهند وباكستان والسعودية.
رغم أن الروهينغا يعرّفون عن أنفسهم كأصلٍ شعبيّ في ميانمار، فإن الحكومة المركزية لا تعترف بهم وتعتبرهم «مهاجرين غير شرعيين» قادمين من بنغلادش. عانى الروهينغا طويلاً من هجمات مدعومة من الدولة وتمييز ممنهج: حُرم كثيرون من الجنسية وفرضت عليهم قوانين تقيد حرية تنقّلهم بشكل كبير. وظهرت عدة مجموعات مسلحة تطالب بدولة مستقلة في أراكان — الاسم التاريخي لولاية راخين — تذكيراً بالإمبراطورية الأراكانية التي ازدهرت في المنطقة بين القرنين الرابع والثالث عشر.
تفاقمت العنفات ضد الروهينغا في أكتوبر 2016 حين شنت الحكومة هجمات قالت إنها تستهدف جيش إنقاذ الروهينغا في أراكان (ARSA)، وهي فصيل مسلح تأسس عام 2013. فرّ على الأقل نحو 750 ألف روهينغي، معظمهم إلى بنغلاديش، فيما لجأ آخرون إلى الهند وتايلاند وماليزيا. روى الناجون حكايات مروعة عن قوات الأمن التي أحرقت قرى بأهلها، وجرحت وقتلت وعذّبت الناس — ومن بينهم أطفال رُموا في النيران.
رافق ذلك نزوح بري عبر غابات خطرة، ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر عبر خليج البنغال أدت إلى سقوط عدد غير معروف من الضحايا. وبحلول عام 2025 عاش مئات الآلاف من الروهينغا في مخيمات مزدحمة وبائسة في كوكس بازار. يعتمد معظمهم على المساعدات الإنسانية، وقد أثّرت تخفيضات في تمويل المساعدات الأجنبية، ولا سيما من الحكومة الأمريكية، بصورة خطيرة على برامج الإغاثة: تقليص حصص الغذاء وإغلاق مدارس الأطفال كانت من النتائج السلبية.
حاول بعض لاجئي المخيم المغادرة عبر قوارب متجهة إلى دول أخرى؛ في أيار/ماي 2025 أفادت الأمم المتحدة بأن قاربين تقلان 427 شخصاً من الروهينغا انقلبا في البحر في حادثة واحدة. وعلى الرغم من أن حكومة بنغلادش استقبلت اللاجئين قسراً، فإنها تصرّ على أن عودتهم إلى ميانمار يجب أن تكون هدفاً نهائياً.