بينما تحافظ الولايات المتحدة على حصار بحري لموانئ إيران وتفرض مزيدًا من العقوبات على صادراتها النفطية، تواجه طهران مشكلة أخرى: مليارات الدولارات من عائدات مبيعات نفطية سابقة تقول إنها فُقدت.
قال متحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية في سبتمبر إن شبكة من وسطاء النفط يُعرفون بـ”الأمناء” تدين للحكومة الإيرانية بما بين 10 و11 مليار يورو، أي ما يعادل 11 إلى 12 مليار دولار. وكان هذا المبلغ يساوي نصف إجمالي عائدات النفط المتوقعة في موازنة الحكومة الإيرانية للعام المالي الحالي.
ويربط مسؤولون أميركيون، بينهم وزير الخزانة سكوت بيسنت، صعوبة وصول إيران إلى عائدات النفط بتأثير حملة الضغط الاقتصادي. وفي أغسطس قال بيسنت إن “نظام الخدمات المصرفية الموازي الإيراني بدأ يتصدع” تحت ضغط الحملة الأميركية على البلاد، وهي حملة تصاعدت بينما تبحث واشنطن عن سبيل لإجبار طهران على الاستسلام في الحرب بين البلدين، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في أواخر فبراير.
فمن هم وسطاء النفط؟ ولماذا تعتمد عليهم إيران؟ وماذا حدث للمليارات التي يدينون بها؟ لنلق نظرة أقرب.
الدين والأزمة التي خلقها للحكومة الإيرانية ينبعان من ترتيب لبيع النفط تبنته طهران في 2012 ردًا على العقوبات الأميركية التي استهدفت صادرات النفط الإيرانية.
بدأت العقوبات الأميركية والأوروبية على مبيعات النفط الإيرانية وتحصيل عائداتها في 2012. وكان المبرر المعلن أن عائدات النفط تساعد في تمويل البرنامج النووي الإيراني، وأن تقييد الصادرات النفطية قد يمنع البرنامج من التقدم.
وردًا على ذلك، ابتكرت الحكومة الإيرانية طريقة للالتفاف على العقوبات الدولية على مبيعات النفط. فبعد أن عجزت عن بيع النفط عبر وزارة النفط وتلقي العائدات عبر البنك المركزي، بدأت تبيع النفط لمشترين محليين أو تستخدمه لتسوية التزامات مستحقة لمؤسسات ومنظمات تَدين لها الدولة.
أدى هذا الترتيب إلى ظهور شبكة من وسطاء النفط يُشار إليها في إيران غالبًا بـ”شبكة الأمناء”. فبدلًا من بيع كل النفط عبر قنوات الحكومة الرسمية، كانت الدولة تأتمن مؤسسات وأفرادًا وشركات على بيع الخام نيابة عنها. وكان يُفترض أن تُحوَّل العائدات إلى خزانة الحكومة، ثم تستعيد الجهات البائعة أو المتلقية تكاليفها المتفق عليها ومطالباتها المعلقة. وبعض المؤسسات باعت النفط بنفسها، بينما تعاقدت أخرى مع شركات تجارية خاصة لإدارة المبيعات.
كان صندوق تقاعد صناعة النفط، الذي أُسس لموظفي وزارة النفط المتقاعدين العارفين بعملية بيع النفط، من أوائل المؤسسات التي تلقت نفطًا خامًا لبيعه. ومن الجهات الأخرى “قاعدة خاتم الأنبياء للبناء”، وهي مركز كبير لمشروعات البنية التحتية الواسعة. حتى شرطة البلديات تلقت ما تدين به الحكومة لها على شكل نفط خام.
تأثير الاتفاق النووي
حتى في تلك التجارب المبكرة، ظهرت اختلافات بين العائدات المتوقعة من بيع النفط والمبالغ التي أودعها البائعون فعليًا في خزانة الحكومة. وأفضت هذه الاختلافات لاحقًا إلى بعض أكبر قضايا الفساد الاقتصادي في إيران.
واستمرت الاختلافات المحاسبية وعجز الحكومة عن استرداد الأموال من البائعين الخاصين الذين اؤتمنوا على النفط الإيراني حتى 2016، حين وُقّع الاتفاق النووي ورُفعت العقوبات عن مبيعات النفط الإيرانية. وبعد ذلك تمكنت الحكومة من استعادة السيطرة على مبيعات النفط.
وسُجن أفراد باعوا النفط الإيراني لكنهم لم يعيدوا العائدات. ومع إمكانية بيع النفط مرة أخرى عبر قنوات قانونية وشفافة، تمكنت الحكومة، لفترة، من إدارة عائداتها النفطية وإنفاقها بقدر أكبر من التحكم.
كيف لم تُعَد أموال بيع النفط؟
بعد أن انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب، اضطرت الحكومة الإيرانية مرة أخرى إلى الاعتماد على تجار نفط خاصين لبيع نفطها. لكن المشكلات المرتبطة بالبيع عبر وسطاء بدلًا من القنوات الرسمية، ومنها تأخر إعادة العائدات، والاختلافات المحاسبية، وديون بائعي النفط للحكومة، ومصادرة شحنات النفط الإيرانية في البحر أحيانًا، عادت لتقيد قدرة الحكومة على إدارة عائداتها.
كما وسعت الولايات المتحدة عقوباتها لتشمل ما هو أبعد من مؤسسات الحكومة الإيرانية ومصالحها، فأضافت حسابات مصرفية شاركت في معاملات مع الحكومة الإيرانية، ومكاتب صرافة، وشركات، وأفرادًا إلى قوائم العقوبات. ونتيجة لذلك، تقلص الوقت بين مشاركة الأفراد في شبكة تجارة النفط الإيرانية وفرض العقوبات عليهم وعلى أصولهم وشركاتهم وحظر أو تجميد حساباتهم.
أسهم ذلك في تراكم ديون على الحكومة لدى تجار نفط خاضعين للعقوبات لم يعودوا قادرين على الوصول إلى حساباتهم. ولم يترك ذلك لإيران خيارًا سوى توسيع شبكة بيع النفط الخاصة. وهذا يعني زيادة عدد المشاركين في تجارة النفط الإيراني، وتقليل حجم النفط المخصص لكل فرد أو شركة، وفي النهاية زيادة خطر عدم إعادة العائدات.
كما اتهم مسؤولون إيرانيون الأمناء باستغلال ثغرات العقوبات لإثراء أنفسهم.
والمليارات التي يدين بها بائعو النفط الخاصون للحكومة الإيرانية هي مزيج من مدفوعات معلقة، والتزامات مالية متنازع عليها، وادعاءات فساد. وتناول رئيس السلطة القضائية الإيرانية هذه المسألة مؤخرًا، محذرًا من أن بائعي النفط الذين يرفضون إعادة عائدات البيع سيواجهون إجراءات قانونية. لكن مثل هذه التحذيرات لا تغير بيئة العقوبات ولا تزيل العقبات التي تمنع بعض بائعي النفط من إعادة الأموال.