أكد مصرف ليبيا المركزي أن الهيئتين التشريعيتين المتنافستين في البلاد أقرّتا موازنة وطنية موحّدة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، في لحظة نادرة من التعاون داخل بلد انقسم بفعل سنوات من الصراع.
وأعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، في بيان عقب توقيع الاتفاق، أن إقرار الموازنة يمثل خطوة مهمة نحو استعادة الاستقرار المالي بعد انقسام طويل. وقال عيسى خلال مراسم التوقيع في طرابلس: «هذا إعلان واضح بأن ليبيا قادرة على تجاوز خلافاتها حين تتبلور رؤية موحّدة لمستقبلها».
ومنذ الحرب الأهلية في 2014 تتقاسم مؤسستان متنافستان السلطة: مجلس النواب المتمركز شرقاً والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، وقد كانت آخر مرة عملت فيها البلاد بموازنة وطنية واحدة عام 2013. يجمع الأتفاق بين هتين المؤسستين بعد سنوات من التنافس على السلطة، وقد وقع ممثلون عن الطرفين الاتفاق في العاصمة، مقر الحكومة المعترف بها دولياً وتُعرف باسم حكومة الوحدة الوطنيه تحت رئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة.
ورغم هذا التقدّم، تظل الانقسامات السياسية متجذّرة؛ ففي الشرق تسيطر قوات موالية لخليفة حفتر على مساحات واسعة من البلاد، بما في ذلك مناطق إنتاج النفط الأساسية. وتسيطر ما تُسمى بالجيش الوطني الليبي على مرافئ التصدير الرئيسية على الساحل الشمالي الشرقي، إلى جانب حقول نفطية مهمة في الجنوب والجنوب الشرقي.
وتعكس توقيت هذه الخطوة الأهمية المتنامية لليبيا في أسواق الطاقة العالمية: فقد ارتفعت طلبات الخام الليبي وسط اضطرابات مرتبطة بالحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران وحصار مضيق هرمز، ما جعل النفط الليبي خياراً جذاباً لمزودي الطاقة في أوروبا. وموقع ليبيا الجغرافي يمنحها ميزة أساسية، إذ تصل شحنات النفط من مرافئها إلى مصافي أوروبا بسرعة وتتفادى مخاطر ومسارات الخليج التي تحتم أحياناً مرافقة عسكرية وارتفاع تكاليف التأمين. كما أن خامها الخفيف والحلو يلائم حاجة المصافي الأوروبية التي تعاني من تحديات مستمرة في الإمدادات.
واعتمدت محاولات سابقة لتثبيت قطاع الطاقة الليبي على ترتيبات غير رسمية بدلاً من اتفاقات مؤسسية؛ ففي 2022، خلال أزمة طاقة ناشئة عن حرب أوكرانيا، توصّل فاعلون من فصائل متنافرة إلى تسوية أبقت النفط يتدفّق. وتشير الموازنة الموحدة الجديدة إلى بداية تحول نحو تعاون أكثر رسمية بين الأطراف، على الرغم من أن الشقاق السياسي لا يزال قائماً ويشكل تحدياً أمام المسار القادم.